عدمُ اليقين حيال آفاق الطلب على النفط

Download

عدمُ اليقين حيال آفاق الطلب على النفط

مقابلات
العدد 493 - كانون الأول/ديسمبر 2021

عدمُ اليقين حيال آفاق الطلب على النفط

يبدو أنه سيستمر في الربع الأول من 2022

لم تكد إقتصادات الدول ومعها أسواق النفط العالمية تتعافى من التأثيرات السلبية لجائحة كورونا، بدءاً من حزيران/ يونيو 2021 (شهدت أسعار النفط في السوق الدولية طفرة ملموسة وتجاوزت سقف الـ 80 دولاراً للبرميل الواحد) حتى عاد الترقب إلى هذه الأسواق نتيجة ظهور المتحور الجديد لفيروس كورونا «أوميكرون»، وسادت حالة من عدم اليقين حيال تأثيره، مما أدى إلى إضطراب الأسواق العالمية، بعدما أعلنت أكثر من دولة أوروبية عن إغلاق عام بسبب تفشي المتحور.

عدمُ اليقين حيال آفاق الطلب على النفط، يبدو أنه سيستمر في الربع الأول من العام 2022. علماً أنه قبل ظهور المتحور، أعلن البيت الأبيض أن كلاً من الهند واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا ستنضم للولايات المتحدة الأميركية في أول تحرير طارئ لمخزون النفط الإحتياطي منذ عقد من الزمن، في تحالف يُحاول تطويق الإرتفاع المستمر لسعر برميل النفط، عبر إستخدام الولايات المتحدة ودول أخرى، بينها الصين، المخزون النفطي الإستراتيجي. أما وفي ظل نهاية العام الجاري 2021، تستعد الإقتصادلات الكبرى والدول المنتجة للنفط للتعامل مع السؤال الأكثر صعوبة، وهو كيف لمتحور «كـوفيد – 19» الجديد أن يُشكِّل الطلب على النفط في العام 2022.

إذاً، تمر أسواق النفط بمأزق لم يكن من الممكن تصوّره خلال الصيف الماضي، ففي نهاية العام 2021 هناك إحتمالات شديدة الغموض حول مدى إمكانية إستمرار تعافي الطلب على النفط في العام 2022، والذي كان متوقعاً أن يعود إلى مستويات ما قبل الجائحة. فكيف يقرأ الخبراء والإقتصاديون مستقبل سوق النفط العالمية في العام 2022؟

العرض والطلب يحدِّدان السعر

 

الخبير النفطي ربيع ياغي

يُجيب الخبير النفطي ربيع ياغي لمجلة «إتحاد المصارف العربية قائلاً: «إن معادلة العرض والطلب هي التي ستتحكم في سوق النفط العالمية، والأسعار اليوم ترتفع خلال الفصل الرابع من العام 2021، لأن الطلب على النفط بعد فترة التعافي من وباء كورونا كان كبيراً، وإنتاج «الأوبيك+» هو بزيادة 400 ألف برميل كل شهرين، للحفاظ على الأسعار المرتفعة»، لافتاً إلى «أن هذه السياسة التي تنتهجها «أوبيك+» يبدو أنها ستستمر في العام 2022، وسنُلاحظ أنه سيحصل نوع من النقص في العرض مقابل إزدياد في الطلب».

يضيف ياغي: «إن معدل سعر البرميل 86 دولاراً سنبقى نراها في العام المقبل في حال تمّت السيطرة على وباء كورونا، وسيحصل إزدياد في الطلب، وخصوصاً أن دولاً إستعملت مخزونها الإستراتيجي خلال الفترة الماضية، مثل الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الاوروبي»، مشيراً إلى أن «هذه الدول ستعمد إلى تعويض وبناء هذا المخزون، مما يعني زيادة في الطلب على النفط عالمياً، لذلك أتوقع في العام 2022 أن يُسجل متوسط الطلب على النفط بنحو 100 مليون برميل يومياً، بينما الإنتاج الحالي يبلغ نحو 97 مليون برميل يومياً، لذلك، لن تنهار الأسعار إلاّ إذا حصل تطور صحي نتيجة كورونا».

ويرى ياغي أن «الضغوطات الجيوسياسية الحاصلة من قبل الولايات المتحدة والصين على الدول المنتجة للنفط، لها تأثير على الأسعار، لكن التأزم الحاصل ما بين روسيا والولايات المتحدة والصين يعني أن هذا الصراع الجيوسياسي قد يُساهم في رفع أسعار النفط وليس تخفيضها، لأن الولايات المتحدة تُنتج نحو 14 مليون برميل نفطاً صخرياً يومياً من أرضها، وإستهلاكها يبلغ نحو 20 مليوناً»، مشيراً إلى أنه «بسبب توقف إعطاء رخص جديدة لإستخراج النفط الصخري، فهذا يعني أن كلاً من الولايات المتحدة والصين باتتا بلدان مستوردان للنفط، والنمو الإقتصادي في هذين البلدين سيُحدد إتجاهات الأعوام المقبلة في سوق النفط».

ويشدِّد ياغي على «أن الولايات المتحدة والصين هما أهم بلدين مستوردين للنفط، وإذا تمّت السيطرة على كورونا وحاولتا بناء مخزون إستراتيجي جديد للنفط مع المحافظة على النمو الإقتصادي، فهذا يعني أن هناك إرتفاعاً في سعر النفط قد يصل إلى نحو 100 دولار للبرميل».

 ويختم ياغي: «إن الخلافات الجيوسياسية بين روسيا والولايات المتحدة من جهة وروسيا وأوكرانيا من جهة أخرى، ستؤثر على إنتاج الغاز في العالم، وأي خلاف حول أنابيب الغاز التي توصله من أوروبا وإليها عبر ألمانيا، يعني اللجوء إلى النفط والفحم الحجري في أوروبا، وسيزداد الطلب خلال فصل الشتاء، وكلها عناصر ستُساعد على رفع أسعار النفط الخام، وإذا إستمرت هذه الصراعات يعني أن سعر برميل النفط سيصل إلى نحو 100 دولار».

تضارب المصالح يؤثر على الأسعار

 

الخبير الإقتصادي الدكتور إيلي يشوعي

من جهته، يشرح الخبير الإقتصادي الدكتور إيلي يشوعي لمجلة «إتحاد المصارف العربية» بأن «هناك تضارب مصالح بين منتجي النفط والمستهلكين، فالمستهلك سواء أكانت دولاً أو شركات كبرى، من مصلحتها تخفيض السعر إلى أدنى حد ممكن، ومن مصلحة المنتجين ألاّ يُباع النفط التي تُنتجه الدول أو الشركات، وبسعر يُعتبر بالنسبة إليها بخساً أو ضمن ربحية غير كافية»، لافتاً إلى أن «هناك كلفة إستخراج وتكرير، أي أن هناك أكلافاً ترتفع دورياً، وتضارب مصالح، وهو ما يجعل سعر برميل النفط مرتفعاً حالياً، وحين إنخفض إلى حدود 30 دولاراً، كان السبب إنحساراً وركوداً إقتصادياً عالمياً تسبّب به وباء كورونا، وحصل تدهور في كل القطاعات الإقتصادية، ومنها الطلب على النفط».

ويشير يشوعي إلى أن «الولايات المتحدة الاميركية مع المملكة العربية السعودية تلعبان دور الوسيط للوصول إلى تسوية تُبقي الأسعار مقبولة للمنتجين والمستهلكين، بمعنى أن أي حلّ ينبغي ألاّ يُؤثر سلباً على الإقتصاد العالمي، وعلى كلفة الإنتاج والإستهلاك، وعلى ربحية كافية معقولة ومنطقية بالنسبة إلى الشركات والدول المنتجة للنفط».

 ويرى يشوعي أنه «منذ فترة، يشهد سعر البرميل نوعاً من الإستقرار النفطي، وهذا يدل على أن هذا السعر أقرب إلى السعر التوازني الوسط بين المصلحتين المتناقضتين، أي أن أيّ تغيّر في المعطى الدولي، سواء أكان عودة إنتشار فيروس كورونا أو إتفاق الدول المنتجة على تخفيض العرض مقابل الطلب، سيؤدي إلى تغير الأسعار»، مشدِّداً على أنه «في ظل المعطيات السائدة والتنسيق الحاصل بين الولايات المتحدة ودول الخليج المنتجة للنفط (ولا سيما المملكة العربية السعودية التي تمتلك القدرة على زيادة إنتاجها)، كل هذه المعطيات، يُثبّت سعر البرميل على السعر المتوازن الذي نشهده حالياً، ولكن هذا لا يعني أن هذا السعر دائم، بل إن هناك متغيرات كثيرة تلعب دوراً في إرتفاع سعر البرميل».

ويختم يشوعي قائلاً: «مبدئياً في العام 2022، يُمكن لهذا السعر الوسطي أن يستمر، أي نحو 70 دولاراً و80 دولاراً للبرميل الواحد، إلاّ إذا حصل حدث كبير سياسي أو بيئي أو وبائي، ولكن طالما أن العرض والطلب على حاله، والنفوذ الأميركي مستمر، فستكون أسعار النفط في العام 2022 شبيهة بتلك التي تمّ تسجيلها في العام 2021».

تأثير العامل الجيوسياسي

 

الدكتور جاسم عجاقة

أما الخبير الإقتصادي البرفسور جاسم عجاقة فيوضح لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أن «هناك عوامل عدة، قد تؤثر في سعر برميل النفط، منها لها بُعد إقتصادي، وأخرى ذات بُعد سياسي»، شارحاً أن «العامل الصحي، بمعنى أن عودة إنتشار متحور جديد من فيروس كورونا بشكل كبير وخطير، سيؤدي إلى إقفال في دول العالم، ما يعني ركوداً إقتصادياً عالمياً وإنخفاضاً في أسعار النفط، ولجوء منظمة «الأوبيك +» إلى خفض الإنتاج».

ويضيف عجاقة: «إن العامل الجيوسياسي يتعلق بشدّ الحبال بين الولايات المتحدة والصين من جهة، وروسيا من جهة ثانية، ولا سيما أن هناك ترابطاً بين أسواق النفط والغاز والفحم الحجري، بمعنى أنه إذا قررت روسيا كنوع من الرد على التهديدات الأميركية في أوكرانيا، أن تُبقي على إنتاج النفط منخفضاً، فهذا يعني زيادة السعر بشكل كبير والعكس هو صحيح، في حال تم الوصول إلى تسوية»، لافتاً إلى أن «هناك عوامل إقتصادية بحتة قد تؤثر على سعر النفط، وهي ضعف صرف سعر الدولار مقابل العملات الأجنبية الأخرى، مما يؤدي إلى إرتفاع سعر برميل النفط، لأن هذا الأمر يدفع بالشركات المنتجة للنفط بالتعويض عن خسائرها بإبقاء سعر برميل النفط مرتفعاً».

ويختم عجاقة: «إن إقتصادات الدول لم تنشط كلياً، وسيشهد العام 2022 تأرجحاً في سعر برميل النفط بين الـ 70 دولاراً و80 دولاراً، إلى حين حصول التعافي الإقتصادي الكامل، أما الدول العربية التي تستورد النفط، فيتوجب عليها الإستثمار بالطاقة المتجددة لتجنّب تداعيات سوق النفط المتقلب عالمياً».

باسمة عطوي