عدنان أحمد يوسف – عالم العملات المشفّرة

Download

عدنان أحمد يوسف – عالم العملات المشفّرة

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 482 كانون الثاني/يناير 2021

عالم العملات المشفّرة

بقلم عدنان أحمد يوسف

رئيس مجلس إدارة جمعية مصارف البحرين

رئيس إتحاد المصارف العربية سابقاً

 

قبل نحو ثلاث سنوات كتبتُ مقالاً تحت العنوان عينه، حول موضوع العملات المشفّرة، ونبّهت من المخاطر التي تنطوي عليها هذه العملات. وما جعلني أعود للكتابة في هذا الموضوع أنني كنت ألبّي دعوة كريمة للعشاء من قبل الوجيه خالد كانو، في حضور عدد من الشخصيات الفاضلة، وكنا نتحاور حول الأسباب وراء الإرتفاع الجنوني في سعر البتكوين إلى نحو 42 الف دولار، قبل أن تتراجع إلى نحو 32 ألفاً.

لقد ظهرت عملة «البتكوين»7 مطلع العام 2009 على يد شخص يدعى «ساتوشي ناكاموتو»، وإنتشرت تلك العملة في السنوات الأخيرة، وذاع صيتها أكثر من المتوقع. ورغم إنتشارها على النطاق العالمي، إلا أنها تفتقد إلى دعم المؤسسات المالية العالمية، وعدم وجود رقابة أو تنظيم لعملية التداول. وعملة البتكوين هي عملة مماثلة لباقي العملات الرئيسية مثل اليورو والدولار، ويتم تداولها عبر الإنترنت من خلال وسطاء أو من حساب Block Chain لحساب آخر، حيث يقوم المرسل عبر حساب عملة البتكوين الخاص به بالقيام بعمليات إرسال، وتتم تلك العمليات عن طريق خوارزميات معقدة. وللحصول على العملة يجب أن يتوافر للمستخدم حساب أو محفظة تجعله قادراً على تداولها وإرسالها وإستقبالها.

ونحن لا ننفي أن العملات المشفرة هي أحد مظاهر التقدم والتي يُمكن أن تُحدِث ثورة في مجالات عديدة، بما في ذلك مجالات التمويل. فيمكنها، مثلاً، تعزيز الشمول المالي بإتاحة طرق دفع جديدة ومنخفضة التكلفة لمن لا يمتلكون حسابات مصرفية رسمية، ومن ثم تمكين الملايين في البلدان منخفضة الدخل. والذين يُدافعون عن العملة الإلكترونية يرون إن تكلفة تداولها وإجراء الصفقات التجارية من خلالها أقل بكثير من تكلفة العملة الورقية. كما أن معاملاتها سرية، حيث لا يُمكن لأي شخص الكشف أو التدخل في عمليات الشراء أو البيع، والتي تتم بهذه العملة. وقد دفعت هذه المزايا الممكنة ببعض البنوك المركزية إلى النظر في فكرة إصدارها عملات رقمية.

وبالفعل، فقد قام عدد من البنوك المركزية في العالم بإصدار عملات رقمية، والفرق بينها وبين بتكوين، أنها سوف تكون مدعومة من المصارف المركزية وتحت رقابتها، والتي

ستساعد في تعزيز الأمن المالي وستكون منظمة وموثوقة، كما يمكن اعتبارها بديل منخفض التكلفة وفعال بدلاً من الأموال النقدية. ووصل عدد العملات المشفرة حول العالم نحو 4337 عملة بقيمة سوقية نحو تريليون دولار، تستحوذ «بتكوين» على الحصة الأكبر بنسبة 66%.

ويُعزى الإرتفاع الكبير في سعرها نظراً إلى الأقبال الكبير من المستثمرين على شرائها من خلال بوابات شركات التكنولوجيا المالية مثل «ريفولت واي تورو». وبحسب بيانات صادرة عن منصة «ريفولت» إنها جذبت 300 ألف عميل جديد للعملات المشفرة على مدار الـ30 يوماً. كما أن ما هو مختلف هذه المرة هو دخول المستثمرين التقليديين في عمليات الشراء. ومن أبرز الشركات التي إستثمرت مؤخراً في العملة الرقمية: «جي بي مورغان»، و«غوغنهايم»، و«توم لي فوندسترات»، وعملاق التأمين «ماس موتوال».

مع ذلك، فإن هذا لا يعني أن هؤلاء المستثمرين ينظرون بثقة للعملة المشفرة. وتحسباً للتقلبات الحادة في سعرها، تقوم معظم الشركات باستغلال العملة المشفرة في حوالي 1% فقط من مجمل أصولها، وهو ما يجعلها في مأمن عند حدوث إنهيار مفاجئ في سعر البتكوين، لكن مثل هذا السيناريو سوف يُلحق الأضرار الجسيمة بالمستثمرين الأفراد الذين إختاروا الإستثمار في العملة الرقمية.

لذلك، يتوجب علينا أن ننظر إلى الجانب الآخر، ونوازن بين المخاطر والفوائد. إن سبب جاذبية العملات المشفرة هو نفسه ما يجعلها أصولاً خطرة. فهذه الإصدارات الرقمية عادة ما تنبني على أساس لا مركزي ودون الحاجة إلى البنك المركزي، وهو ما يسمح بتداولها دون الكشف عن هوية الأطراف المتعاملة، فيما يُشبه المعاملات النقدية إلى حد كبير. والمحصلة النهائية هي أننا قد نكون في صدد أداة رئيسية جديدة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب كما ذكرنا.

وهناك مثال شهدناه قبل سنوات عدة يكشف النقاب عن نطاق هذه المشكلة. ففي يوليو/ تموز 2017، أُغلِق سوق ألفاباي (AlphaBay) ، أكبر أسواق المعاملات غير المشروعة على شبكة الإنترنت، من خلال عملية دولية قادتها الولايات المتحدة. وكان هذا السوق قد ظل لأكثر من عامين ساحة لبيع المخدرات، وأدوات القرصنة الإلكترونية والأسلحة

والمواد الكيميائية السامة على مستوى العالم. وقبل إخراج الموقع من شبكة الإنترنت، كان قد تم تداول أكثر من مليار دولار عن طريق عملة البتكوين وغيرها من الأصول المشفرة الأقل شهرة.

لذلك يرى صندوق النقد العربي أن حجم «البتكوين» المتداول في الأسواق، يُمكن أن يشكل تهديداً للإستقرار المالي، وأن هناك أربع عوامل رئيسية تُحد من إستخدامها كأداة إستثمارية، وتتضمن: التقلّب الحاد في سعر العملة المشفرة لعدم إرتباطها نسبياً بمعظم الأصول التقليدية، وإعتمادها بشكل خاص على ثقة المتعاملين، كذلك عدم وجود صناديق إستثمار معتمدة على البتكوين، كما أنها عملة غير منظمة.

كما أن مثل هذه العملات المشفّرة التي لا تخضع لأي تنظيم أو جهة رقابية، مما يشجع على إستخدامها للتحايل على القواعد المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإخفاء هوية التحويلات التي يُمكن أن تُستخدم للأغراض الإجرامية «البيع على الإنترنت للسلع أو الخدمات غير القانونية»، أو لأغراض غسل الأموال أو تمويل الإرهاب.