عقوبات «الأوفاك» وصلت إلى مجلس النواب اللبناني – العدد 464

Download

عقوبات «الأوفاك» وصلت إلى مجلس النواب اللبناني – العدد 464

مقابلات
العدد 464 - تموز/يوليو 2019

الضغوط الأميركية تزداد على حزب الله

عقوبات «الأوفاك» وصلت إلى مجلس النواب اللبناني

تزداد الضغوط الاقتصادية والمالية الأميركية على «حزب الله» ومؤسساته العسكرية والمدنية، وتشتد مفاعيلها عليه وتتنوع أشكالها عاماً بعد عام، منذ أن بدأت في العام 2015 وحتى اليوم، إذ طالت أولاً قياديين للحزب وتدرَّجت إلى مؤسسات وأشخاص قريبين من فلكه وصولاً في العام 2019 إلى وضع إسم رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد وعضو الكتلة النائب أمين شري والقيادي في الحزب وفيق صفا على لائحة «أوفاك»، وبالرغم من إعلان كل من مصرف لبنان وجمعية المصارف إلتزامهما التام والكامل بتطبيق هذه العقوبات، إلا أن السؤال يبقى مشروعاً عن تأثير هذه العقوبات على الاقتصاد اللبناني، في ظل الوضع الدقيق الذي يعيشه وخصوصاً أن العقوبات تطال هذه المرة شخصيتين في مجلس النواب اللبناني.

العقوبات والخطوط الحمر

 يُجمع الاقتصاديون بأن عقوبات الخزانة الأميركية على نواب وقياديي «حزب الله» ترتدي ثوباً إقتصادياً ومالياً، لكنها تستبطن في طياتها رسائل سياسية إلى الدول المعنية بملف المواجهة الأميركية – الإيرانية الدائر في المنطقة، وهذا ما يوافق عليه خبير القانون الدولي الدكتور شفيق المصري، الذي يقول: «العقوبات الأميركية على «حزب الله» ونواب منه مؤخراً، يمكن قراءتها ضمن إطارين الأول من الناحية القانونية، فهذه العقوبات فردية وليست عقوبات دولية على لبنان وتنحصر في العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية و»حزب الله»، وهذه العقوبات قد لا تستتبع بخطوات أخرى لكي تصبح دولية، لأن دولاً أخرى في أوروبا قد لا تنجر إلى إتخاذ العقوبات نفسها، كما أن العقوبات تقع ضمن الإطار المالي الخاص للأشخاص الذين طالتهم وليس في الإطار الاقتصادي العام للدولة اللبنانية، لا سيما أن مصرف لبنان والمصارف تلتزم بالتوصيات الأميركية بقدر ما هو الدولار عملة دولية، أي أن لا عقوبة تطال أي مصرف يتعامل مع هؤلاء الأشخاص».

ويلفت المصري إلى أنه «لا يمكن للولايات المتحدة الأميركية أن تفرض على المصارف عدم التعامل مع «حزب الله»، علماً أن مصرف لبنان يلتزم بالتوصيات التي تتعلق بالدولار، بمعنى آخر لبنان منسجم مع التوصيات الأميركية النقدية»، أما في الإطار السياسي والاقتصادي العام فيبدي المصري «خشيته من أن تتفاقم هذه العقوبات إذا أرادت الإدارة الأميركية من الحكومة اللبنانية عدم التعامل مع نواب ووزراء «حزب الله»، علماً أن وزير الصحة جميل جبق مكلف من «حزب الله» لتمثيله في الحكومة، وسبق له أن زار الولايات المتحدة الأميركية وإلى الآن لم يطلب من الحكومة اللبنانية أي إجراء يتعلق بعضوية «حزب الله» في مجلس الوزراء أو في مجلس النواب، لكن في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمكن ضمان عدم زيادة الضغط من قبل الولايات المتحدة على الحكومة اللبنانية».

يضيف: «في الإطار السياسي العام لهذه الخطوة، فإن المقصود منها هو زيادة الضغط على إيران بشكل غير مباشر، على إعتبار أن الضغط على الحزب هو جزء من الضغط عليها، وقد سبق للإدارة الأميركية أن ألمحت إلى أن لديها خطين أحمرين في لبنان لا تريد المس بهما، الأول هو الجيش اللبناني والثاني هو حاكم مصرف لبنان، ويبدو أن هذه العقوبات لم تتجاوز هذين الخطين، أي أنه لم يتم المس بالاقتصاد اللبناني المالي والعام، علماً أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري أعلنا أنهما لا يوافقان على التعامل مع ممثلي حزب منتخبين من الشعب اللبناني بهذه الطريقة».

ويرى المصري أنه «لغاية الآن العقوبات لا تزال آحادية ومحصورة بالوضع المالي لنائبين وقيادي في «حزب الله»، ولا شك أن هذه العقوبات هي رسالة غير فاعلة كما تريدها الإدارة الأميركية لأسباب ثلاثة، الأول هو أنه لا يمكن إبعاد «حزب الله» عن الحياة السياسية اللبنانية، والثاني هي لا يمكن إبعاد الهيئات الاقتصادية عن دينامية هذا الحزب وقواعده، والثالث هو أن الحكومة اللبنانية ليست بوارد الاستجابة لمثل هذه الضغوط وهي لم تحصل بشكل موسع ولم تطلب منها الإدارة الأميركية قطع العلاقة مع الحزب، وبالتالي فتعامل «حزب الله» وقيادييه مع الدينامية المالية سيكون في حدوده الدنيا عبر المصارف، لأن المال يأتي من إيران مباشرة من دون المرور بالمصارف، ولكن لا يمكن أن ننكر أن مثل هذه العقوبات تستدعي تتبعاً يقظاً من مصرف لبنان وحذراً من المصارف».

رئيس لجنة الرقابة على المصارف في لبنان

سمير حمود: نطبق العقوبات دون إلتباس

أكد رئيس لجنة الرقابة على المصارف سمير حمود أن «مصرف لبنان والقطاع المصرفي لا يعيشون حالة إرباك بعد فرض عقوبات أميركية جديدة على رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد والنائب أمين شري، لأن مصرف لبنان والقطاع المصرفي منسجمان بشكل قاطع وثابت مع هذه العقوبات ومع شروط البنوك المراسلة وستظل كذلك، وأي توسع أو تغيير في هذه العقوبات لجهة حظر التعامل مع نواب حزب الله بالليرة اللبنانية، ومنع تقاضيهم رواتبهم فهذا الأمر يتطلب إصدار قوانين من مجلس النواب وليس من صلاحية مصرف لبنان».

 يضيف: «يقتصر تعاطي النواب المدرجين على لائحة «أوفاك» على تقاضي رواتبهم من القطاع المصرفي اللبناني، من دون القيام بأي عمليات تجارية أو تحويلات، وأهمية الخطوة الأميركية الأخيرة هي أنها طالت شخصيات سياسية للمرة الأولى منذ بدء العقوبات على حزب الله في العام 2015، ونحن منذ صدورها إلتزمنا بها دون إلتباس».

 

 

تفاهم لإحتواء العقوبات

نستنتج مما سبق أن لبنان الرسمي تعامل ولا يزال يتعامل مع هذه العقوبات بكثير من الجدية والحذر لما لهذه العقوبات من مفاعيل على أكثر من صعيد، ومنها المفاعيل الاقتصادية التي يشرحها الخبير الاقتصادي غازي وزنة بالقول: «العقوبات الأميركية على «حزب الله» ليست جديدة، وقد بدأت منذ العام 2015، وحين تم إقرارها سادت مخاوف من تأثيراتها السلبية خارجياً وداخلياً على لبنان، ومن أن تؤدي إلى قلق وعدم إطمئنان سواء عند المستثمرين أو المودعين أو بين المصارف اللبنانية والمصارف المراسلة، ومع الوقت تبين أن لا صحة لهذه المخاوف لأن المستثمرين لم يتأثروا بالعقوبات وبقيت الودائع في نموها الطبيعي، وفي الوقت نفسه فإن العلاقات بين المصارف اللبنانية والمصارف المراسلة بقيت على حالها وهذا يعود إلى عدة أسباب، الأول: أن الدولة اللبنانية إتخذت إجراءات فورية وحصل تفاهم بين كل القوى السياسية في لبنان حول كيفية تجاوز أو إحتواء هذه العقوبات، وهذا ما أعطى نتائج إيجابية سواء من خلال التفاهم بين كل القوى السياسية أو من خلال التصريحات لمسؤولي «حزب الله» علنياً وتكراراً من أنهم لا يتعاطون مع القطاع المصرفي اللبناني إن بشكل مباشر أو غير مباشر، وجميع القوى السياسية ومنها مسؤولو «حزب الله» كانت متفهمة لأبعاد وتداعيات هذه العقوبات ومتفهمة لكيفية إحتوائها داخلياً».

يشدِّد وزنة على أن «مصرف لبنان كان حاسماً في تطبيق هذه العقوبات والإمتثال لها بشكل كامل، ولهذا أصدر تعاميم واضحة حول كيفية التعامل مع الحسابات المصرفية والأشخاص الذين تطالهم، كما أن علاقة هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان مع وزارة الخزانة الأميركية وثيقة جداً من أجل إظهار حسن النية أو التطبيق الكامل للمصرف المركزي لقانون العقوبات الأميركية على «حزب الله»، كما أن القطاع المصرفي في لبنان كان أكثر إمتثالاً وتشدداً مما هو مطلوب منه في الإلتزام بالعقوبات خوفاً على القطاع المصرفي وسلامته والحفاظ عليه».

ويؤكد وزنة «أن السلطات الرسمية في لبنان وجميع القوى السياسية ومصرف لبنان والقطاع المصرفي مدركون لمخاطر وأبعاد هذه العقوبات وأهمية حماية وصيانة القطاع المصرفي اللبناني، ولذلك يمكن القول إن لبنان في العام 2015 وحتى اليوم إستطاع تجاوز العقوبات الأميركية، وتم إدراك أنها لا تستهدف طائفة ولا مجموعات معينة بل تستهدف أشخاصاً وأفراداً ومؤسسات تابعة لحزب الله أو قريبة منه أو تتعاطى مع منظومة «حزب الله». ولا شك أن هذه العقوبات ستزداد لأنها تحمل بعداً سياسياً، واللبنانيون متفهمون للبعد السياسي والأمني، ولأن الصورة واضحة لدى المسؤولين السياسيين سيتمكّن لبنان دورياً من تجاوز هذه العقوبات».

 قد يكون فرض عقوبات مالية على نواب «حزب الله» هو العنصر الجديد الذي طرأ هذا العام، والذي يجعل السؤال مشروعاً عما يحمله هذا التطور على مؤسسة دستورية لبنانية هي مجلس النواب، وفي هذا الإطار يوضح وزنة: «في العقوبات السابقة تم التفاهم بين القوى السياسية للعمل على تجاوزها، بأن يكون التعاون مع نواب ومسؤولي الحزب بالليرة اللبنانية من خلال الرواتب والمخصصات من الخزينة اللبنانية، وهذا كان المخرج وكان هناك تفهم من الإدارة الأميركية بأن ذلك ليس عمليات ضخمة أو مالية تجارية، بل رواتب بالليرة اللبنانية مباشرة من الخزينة اللبنانية إلى جيوب النواب عبر المصارف أو عبر مجلس النواب من حساباته، والتطور الجديد هو في إدراج أسماء ممثلين للشعب اللبناني خاصة رئيس كتلة نيابية على لائحة العقوبات، وهي تمثل شريحة كبيرة من الطائفة الشيعية، ولذلك فالتطور له أبعاد سياسية، ومن الطبيعي أن يُنظر إليه على أنه ليس فقط إستهدافاً لحزب الله بل لممثلي الشعب اللبناني وممثلي السيادة الوطنية ولهذا كان عدم القبول بهذه العقوبات، لأنها طالت السيادة الوطنية وكان هذا أمراً مرفوضاً وهذا ما لا تقبل به أي دولة في العالم أن تصاب بسيادتها الوطنية».

حكمة المصرف المركزي

يشيد الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة بحكمة المصرف المركزي في التعامل مع ملف العقوبات، ويقول: «إستطاع القطاع المصرفي اللبناني بحكمة حاكم مصرف لبنان والقيِّمين على القطاع تجاوز مُشكلة العقوبات الأميركية على مواطنين لبنانيين، من خلال تطبيق العقوبات مع الحفاظ على السلم الداخلي والكيان اللبناني في آنٍ واحد. هذا الأمر تمّ في في ظل غياب كلّي من قبل السلطة التنفيذية. وقد أكدت الإدارة الأميركية والكونغرس الأميركي أن القطاع المصرفي اللبناني يلتزم بالكامل تطبيق العقوبات وذلك في أكثر من مناسبة»، لافتاً إلى أن «المصارف اللبنانية لا تملك حرّية الإختيار في تطبيق العقوبات بغض النظر عن قناعاتها الوطنية، فأي تخلّف في تطبيق العقوبات يعني بكل بساطة إختفاء القطاع المصرفي ومعه الإقتصاد اللبناني».

ويضيف: «في المشهد التقليدي للعقوبات، عند إدراج إسم على اللائحة تعمد المصارف اللبنانية إلى وقف التعامل مع الشخص وذلك عملاً بإلتزام المصارف اللبنانية بتطبيق العقوبات الأميركية وطبقاً لتعميم مصرف لبنان الصادر في أيار/مايو 2016. في المشهد الحاصل حالياً، هناك معطى جديد يتمثّل بأن العقوبات الأميركية طالت نائبين عن الأمّة اللبنانية وهو ما يفرض حذراً كبيراً نظراً إلى موقع وحساسية ورمزية النائبين، والمصارف اللبنانية وعملاً بإجراءات الإمتثال المفروضة عليها من قبل السلطات الرقابية والقوانين المحلّية والدوّلية، تمتنع عن فتح حسابات لأشخاص معرّضين سياسياً (PEP). وبالتالي من البديهي القول إن النائبين المدرجان على لائحة العقوبات لا يمتلكان حسابات في المصارف اللبنانية. هذا الأمر تمّ تأكيده من خلال التصريح بأن النائبين يتقاضيان أجورهما من مجلس النواب مباشرة، وهذا يعني أن القطاع المصرفي اللبناني غير معني بهذه العقوبات».

ويوضح عجاقة أن «الأسواق المحلية لم تتفاجأ بخطوة الولايات المُتحدة الأميركية الأخيرة بفرض عقوبات على نائبين عن الأمّة اللبنانية، إلا أن ما تفاجأت به هو طلب وزارة الخزانة الأميركية من الحكومة اللبنانية عدم التواصل مع المشمولين في لائحة العقوبات. وإذا كان الأمر طبيعياً أن لا تتواصل الحكومة اللبنانية مع شخص حزبي أو غير حزبي مُدرج اسمه على لائحة العقوبات، إلا أن ما هو غير طبيعي هو أن لا تتواصل الحكومة مع نواب عن الأمّة اللبنانية، خصوصاً أن النواب هم من يمنحون الثقة للحكومة ويُسائلونها ويحجبون الثقة عنها. فكيف للحكومة اللبنانية أن لا تتعامل مع النائبين محمد رعد وأمين شرّي؟ وما هي الآلية التي ستتبعها الحكومة للتعامل مع النائبين المعنيين؟».

ويضيف: « في الواقع حضور النائبين جلسات مجلس النواب الأخيرة لمناقشة الموازنة يُوحي بأن الحكومة تُحاول تجاهل طلب الخزانة الأميركية وهذا خيار محفوف بالمخاطر نظراً لأن الإدارة الأميركية بفرضها عقوبات على نائبين عن الأمّة، أرسلت رسالة واضحة للسلطة السياسية أنها لا تأبه بالمنصب الذي يتبوأه الشخص. على كلٍ هذا الأمر بحاجة إلى مناقشة في مجلس الوزراء لتقييم الإحتمالات المطروحة أمام الحكومة. إلا أن طرح هذا الموضوع على طاولة مجلس الوزراء سيُفجّر الحكومة من الداخل. والظاهر أن زعماء القوى السياسية في لبنان يُعوّلون على زيارة الوفد النيابي إلى الولايات المُتحدة الأميركية للإستيضاح عن خلفيات فرض العقوبات على النائبين ومحاولة إقناع الإدارة الأميركية بالتراجع عن موقفها نظراً إلى أن الأشخاص المعنيين هما نائبان عن الأمة. وهذا الأمر باعتقادنا مُستحيل نظراً إلى الرسائل العديدة التي تحملها خطوة فرض العقوبات ونظراً إلى استراتيجية الإدارة الأميركية التي تعتمد التشدّد في صراعها المفتوح مع إيران وحزب الله».

 ويختم: «التعقيدات التي من المُمكن أن تنشأ نتيجة عدم إلتزام الحكومة اللبنانية عدم التواصل مع النائبين، قد يكون لها تداعيات سلبية على الساحة السياسية، الإقتصادية وحتى المالية. إلا أنه من الممكن للوساطات التي تفرض نفسها من قبل مرجعيات وطنية، أن تؤدّي إلى ليونة في الموقف الأميركي».

باسمة عطوي