عملة اليورو قد تدخل قريباً نادي العملات الرقمية السيادية

Download

عملة اليورو قد تدخل قريباً نادي العملات الرقمية السيادية

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 478 - أيلول/سبتمبر 2020

بعد العملات الرقمية المبتكرة والمختلفة الأنواع، تحمّست بنوك مركزية كثيرة حول العالم لهذه الظاهرة، ولا سيما الصين، وباتت تسعى إلى جعل عملتها السيادية رقمية، يتم التعامل بها بواسطة الإنترنت. وظاهرة الوباء الصحي العالمي «كوفيد – 19» شجّعت على الإسراع لإعتماد هذا النوع الرقمي، إلا أن البنك المركزي الأوروبي لا يزال يدرس حسنات وسيّئات إدخال اليورو في حلبة المصارعة النقدية الرقمية، وبالتالي يؤخذ عليه تأخره في ذلك قياساً ببنوك مركزية عالمية أخرى… وهنا بالذات إعتبرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي والمديرة السابقة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد «أن لدينا واجب القيام بدور فعّال من أجل التوازن بين المخاطر والمنافع التي قد تنجم عن الإبتكارات في مجال الدفع، كي تبقى العملة في خدمة الأوروبيين». فكرة رقمنة العملة تعزّزت مع تفاقم تداعيات الأزمة الصحية الكونية على وسائل الدفع، ولمس العملة من خلال التبادل، والصرف في المشتريات، وما يُمكن أن يحمله ذلك من فيروسات وعدوى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن إعتماد يورو رقمي، لا يعني الإستغناء عن العملة الورقية أو القطع المعدنية. فاليورو الرقمي سيكون عملة إضافية، ولن تحل محل العملة السارية بين المواطنين والصادرة عن البنك المركزي. كريستين لاغارد دافعت أيضاً عن تأخر البنك الذي تُديره في الدخول في معركة الإبتكار النقدي الرقمي، وإعتبرت أن البنك المركزي يجب أن يحرص على إحتواء أي مخاطر على علاقة بدور القطاع المصرفي في تمويل الإقتصاد.

كما اعتبرت لاغارد أن تأخر البنك الأوروبي المركزي في خوض المعركة ودمج عمليات الدفع في أوروبا جعل الشركاء الأجانب يتفوقون ويتقدمون في هذا المجال، لافتة إلى أن هذا الأمر لا يخلو من المخاطر. ومن بين هذه المخاطر ذكرت إمكانية حصول أعطال لدى الشركات التي تؤمّن بطاقات الإعتماد والمشتريات كما حصل في العام 2018، أو إفراط بعض المجموعات الخاصة التي تعمل في مجال الرقميات. وهناك مخاطر أيضاً مثل الصعوبة في مواجهة الجريمة الرقمية ومكافحة النشاطات غير المشروعة.

رئيسة البنك المركزي الأوروبي لم تقطع المجال أمام دخول اليورو عالم الرقميات، وقالت: إن مجموعة العمل في البنك تعمل على الموضوع، وستعطي توصياتها خلال الاسابيع المقبلة، في خطوة قد تتبعها إستشارات عامة قبل طرح العملة الموحدة على عالم رقمي إفتراضي.

مشروع إدخال اليورو إلى العالم الرقمي، بدأ التفكير فيه في العام 2018، وفي مثل هذه الأيام من عهد ماريو دراغي رئيس البنك الأوروبي السابق، مع فارق أن دراغي لم يكن مشجعاً للمشروع في الظروف الحالية، ولم يكن يرى حاجة لذلك، متخوّفاً من المخاطر المحتملة والتي قد تنجم عن إعتماد عملة أوروبية موحّدة رقمية مكمّلة للعملة النقدية المعتادة.

لكن بعد عامين دخلت أوروبا وبسرعة مجال التحدّي الرقمي في العملات، لا سيما مع بروز عملة Libra، الخاصة بالفيسبوك، وبعد التوسع والنجاحات المتقلبة لعملة «البتكوين» Bitcoin أيضاً، وباتت الأبحاث تنشط في «اليوروسيستم» l’Eurosystème، الذي يضم البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية التي إعتمدت اليورو عملة موحدة، وأصبحت الفكرة أقرب إلى التحقيق في حال جاءت نتيجة الإستشارات إيجابية.

ولتحقيق هذا المشروع، قرر البنك المركزي الأوروبي والبنك المركزي الألمانيBundes Bank، تكليف البنك المركزي الفرنسي لإحتضان مركز مشترك جديد للإبتكارات في إطار المجال الرقمي الذي يعمل عليه بنك التسويات الدولية، وهو البنك المركزي لكل البنوك المركزية في العالم.

البنك المركزي الفرنسي المكلف بذلك، كشف عن لائحة من ثماني شركات مالية للمشاركة في تجارب العملات الرقمية للبنوك المركزية ولا سيما في التسويات بين البنوك:

AC Centure

Euro Clear

HSBC

Iznes (blockchain)

Liquid Share, fintech blockchain

Prosper US

Seba Bank (Banque Suisse Crypto)

Société générale – Forge

عملة اليورو الرقمية إذا تقررت والتي ستبقى مكملة للعملة المعتادة، ستكون مسهِّلة للغاية في عمل الأسواق المالية، وستزيد من تحسنها بحسب المركزي.

 البنك المركزي الفرنسي أشار إلى الفائدة الحقيقية بالنسبة للقيمين على العمل المالي والتقني في العمل على هذا المشروع والوصول به إلى النهاية في مشروع عملة أوروبية رقمية التي من شأنها أن تُعزز من أداء الاسواق المالية في منطقة اليورو وفي التسويات بين البنوك.

ويبقى أن نشير إلى أن الهدف الأبرز من اليورو الرقمي والذي سرّعت كورونا من فكرة إعتماده هو مواجهة عملة Libra التي أطلقها صاحب موقع التواصل الإجتماعي «فيسبوك». فالعملة الأوروبية الرقمية إذا أبصرت النور ستكون عملة نقداً، لكن بشكل إلكتروني وليس على غرار عملة الـ  Bitcoin التي تستند على الـ Block Chain.

فمع تصاعد العملات الرقمية الوهمية الخاصة، وما تشكل هذه العملات من مظاهر قد تسبب تحدياً للواقع المصرفي، يتمثل في تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وحماية المستهلكين، وإحتمال خرق الحسابات المصرفية، فضلاً عن ظاهرة الـ Fintech وظاهرة الـ Bigtech أيضاً، وما تمثّله هذه المنتجات من منافسة للقطاع المصرفي التقليدي، أصبح هذا الواقع يفرض مساراً جدياً من التحدي أمام البنوك لتلحق بالأسواق وزبائنها قبل فوات الأوان.

وهنا يجد القطاع المصرفي نفسه في ذيل المسيرة التكنولوجية المالية والرقمية النقدية، ويصبح الزبائن بين مسارين محتارين أيهما يختارون، وفي الوقت عينه تجد المؤسسات النقدية أو الشركات الرقمية الخاصة نفسها في موقع منافسة، أي خدمة أفضل قد تقدمها للزبائن لتغريهم؟ وبالتالي يصبح قطاعاً ينشط على حساب قطاع آخر منافس. وفي كل الأحوال، لا تزال المواجهة في أوجّها، فيما السنوات المقبلة ستحمل معها المزيد من الإبتكارات والتحديات.

مازن حمود

محلل مالي وإقتصادي/باريس