عودة الحديث عن مخاطر الاقتصاد العالمي – العدد 469

العدد 469

Download

عودة الحديث عن مخاطر الاقتصاد العالمي – العدد 469

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 469 كانون الأول/ديسمبر 2019

عودة الحديث عن مخاطر الاقتصاد العالمي

تحدثنا في عدة مناسبات ومقالات عن موضوع تداعيات الأزمة العالمية، وكان آخرها في كلمتنا التي ألقيناها أثناء الورشة التي نظمها اتحاد المصارف العربية مع الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن خلال شهر تشرين الثاني/أكتوبر الماضي، ونوهنا فيها إلى أن هذه التداعيات لا زالت مستمرة بأشكال مختلفة لكون جانب من الأسباب الرئيسية التي أدت لاشتعالها لم تعالج بعد بصورة جذرية وإنما بشكل جزئي، مما يمكن لها أن تهدد مجدداً بنشوب أزمة مالية جديدة.

واليوم نعود للكتابة حول هذا الموضوع بعد أن أبدى كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قلقاً متزايداً من تدهور آفاق النمو الاقتصادي العالمي والسياسات المتبعة في معالجة هذا التدهور والتي قد تفرز بعد فترة انعكاسات سلبية وضارة.

بالنسبة لصندوق النقد الدولي، وفي تحديثه الأخير حول آفاق الاقتصاد العالمي يؤكد أن هذا الاقتصاد يشهد في الوقت الحاضر حالة تباطؤ متزامن، حيث انخفضت توقعات النمو لعام 2019 مرة أخرى – إلى 3 % – مسجلة أبطأ وتيرة للنمو منذ الأزمة المالية العالمية. ويشكل هذا تراجعاً خطيراً عن المعدل البالغ 3.8 % في 2017 وقت أن كان العالم في حالة انتعاش متزامن. ويرجع هذا النمو الضعيف إلى تزايد الحواجز التجارية، وتصاعد عدم اليقين المحيط بالتجارة والأوضاع السياسية-الجغرافية؛ وعوامل متفردة تتسبب في ضغوط اقتصادية كلية في العديد من اقتصادات الأسواق الصاعدة؛ وعوامل هيكلية، مثل نمو الإنتاجية المنخفض وشيخوخة التركيبة الديمغرافية في الاقتصادات المتقدمة.

أما بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، فهو يبدي خشيته من نتائج استمرار معدلات الفائدة المنخفضة، والتي تدفع المستثمرين نحو البحث عن منتجات وخدمات مالية ذات مخاطر عالية وسيولة منخفضة. لذا ينشط البنك أكثر حالياً في ميدان الرقابة حتى لا تفلت الأمور عن سيطرة سياسته النقدية. كما أدت سياسة أسعار الفائدة المنخفضة إلى زيادة مديونية الشركات بشكل كبير لتستفيد من معدلات الفوائد المتدنية، وشمل ذلك الإقبال الكبير على الاقتراض من قبل شركات غير صلبة تشغيلياً. ويؤكد البنك المركزي الأوروبي أن 45 في المائة من سندات ديون الشركات مصنفة بدرجة «بي بي بي»، أي في الدرجة الاستثمارية الدنيا. ففي حال التصحيح المفاجئ لأسعار الأصول المالية، فإن ارتفاع مخاطر القروض الممولة لهذه السندات قد تتفاقم وتحدث خللاً في معظم أو جزء أساسي من النظام المالي، وتنتقل العدوى إلى الاقتصاد الحقيقي.

كما يشير إلى هذه الحقيقة تقرير الاستقرار المالي العالمي، حيث وقعت الأسواق المالية تحت وطأة التوترات التجارية بموجاتها الصاعدة والهابطة، وحاصرتها الشواغل المتنامية بشأن آفاق الاقتصاد العالمي. ومع تراجُع النشاط الاقتصادي وزيادة مخاطر التطورات المعاكسة، تحولت السياسة النقدية في مختلف أنحاء العالم إلى اعتماد موقف أكثر تيسيراً، وهو تطور صاحبته انخفاضات حادة في عائدات الأسواق. ونتيجة لذلك، زاد حجم السندات ذات العائدات السالبة إلى نحو 15 تريليون دولار. ويتوقع المستثمرون حالياً أن تظل أسعار الفائدة بالغة الانخفاض لفترة أطول مما كان متوقعاً في بداية العام.

وبينما تدعم السياسة النقدية التيسيرية الاقتصاد على المدى القصير، تُشجع الأوضاع المالية الميسرة المخاطرة المالية وتدفع إلى تراكم المزيد من مواطن الضعف في بعض القطاعات والبلدان التي هي بالفعل مرتفعة في عدة اقتصادات ذات أهمية نظامية، نتيجة لتزايد أعباء الدين وتراجُع القدرة على سداد مدفوعات خدمته. وفي سيناريو يتباطأ فيه الاقتصاد فعلياً، وبدرجة حِدة تعادل نصف ما كان عليه الوضع في الأزمة المالية العالمية، يمكن أن يرتفع دين الشركات المعرَّض للخطر (أي دين الشركات غير القادرة على تغطية مصروفات فوائدها بما تدره من إيرادات) إلى 19 تريليون دولار أميركي – أو قرابة 40 % من دين الشركات الكلي في الاقتصادات الكبرى وأعلى من مستويات الأزمة.

كما يحذر البنك المركزي الأوروبي كذلك من أوضاع القطاع المصرفي الأوروبي. فمنذ بداية العام لم يتقدم ذلك القطاع كثيراً في رحلة معالجة مشكلاته الهيكلية الخاصة بالعوائد والربحية. كما أن تخفيض معدلات الديون المعدومة والمشكوك في تحصيلها لم يحصل إلا بفضل هندسات مالية معينة، وبفضل تكبير حجم الإقراض الآمن حتى يصغر نسبياً. لكن إذا طال أمد التباطؤ الاقتصادي، فإن معدلات الديون الرديئة سترتفع أو ستصعب هندستها لتخفيض نسبتها من إجمالي المحافظ الائتمانية.

وعلاوة على هذه المخاطر التي تواجه الصناعة المصرفية، فإن توقيت تنفيذ المبادرات التي تطلقها الجهات الرقابية المصرفية تؤدي دوراً مهماً في تحديد اتجاه النمو في الاقتصاديات. وقد تؤدي بعض المبادرات إلى عكس النمو أو قد تعمّق التباطؤ في الاقتصاد. فعلى سبيل المثال، أثَّر تطبيق المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية رقم 9 في بداية عام 2018، خاصة أنه جرى تنفيذه خلال فترة انخفاض أسعار النفط وانخفاض الإنفاق الحكومي، أثَّر سلباً على النمو في الإقليم والعالم. فقد توجهت الأهداف الرئيسة للبنوك إلى التركيز بصورة أكبر على تغطية الفجوة في المخصصات التي نتجت عن تطبيق المعيار المحاسبي الجديد، وذلك على حساب دعم أنشطة الأعمال في بيئة اقتصادية ضعيفة.

لذلك، نرى من المهم العمل سريعاً على وضع حل للحروب التجارية التي تضفي توترات على المشهد العالمي، كذلك زيادة الإجراءات الاحترازية الهادفة إلى تحقيق التوازن بين تحفيز النمو الاقتصادي والحيلولة دون زيادة مخاطر النظام المصرفي والمالي العالمي.