عيد النقاء الوطني شوكةُ الوطن التي لا تُكسر – آب/أغسطس

Download

عيد النقاء الوطني شوكةُ الوطن التي لا تُكسر – آب/أغسطس

الاخبار والمستجدات
آب/أغسطس 2020

عيد النقاء الوطني شوكةُ الوطن التي لا تُكسر

يحتفل الجيش اللبناني في شهر آب من كل عام بعيده وللمناسبة اخترنا من مجلة الجيش مقالاً للعميد الركن حسن جوني قائد كلية فؤاد شهاب للأركان، تقديراً لجهود وتضحيات المؤسسة العسكرية اللبنانية.

                      العميد الركن حسن جوني، قائد كلية فؤاد شهاب للأركان

لا ندَّعي نحن العسكريون، من مختلف الرتب، أن جميعَنا قد التحق في الجندية بسبب تدفق المشاعر الوطنية بداخله… كما لا ندعي أنناسارعنا إلى الإلتحاق بمعسكرات التدريب فور سماعنا نداء الواجب “هلموا للدفاع عن الوطن”، مع أن ذلك قد يكون حال البعض منا ولكنه بالتأكيد ليس حالنا جميعاً.

تلك حقيقةٌ لا بد من التسليم بها، لكن ثمَّةَ حقيقة أخرى في السياق عينه هي أنناقد بدأنا نتشرَّب كأسَ محبة الوطن والتفاني من أجله مذ التحقنا في الجيش، كأسٌ بل كؤوسٌ سقت نفوسَنا قطرة قطرة، تماماً كما يُسقى الزرع في عملية الري الحديثة، وقد نبتَت نتيجة ذلك بذور المشاعر الوطنية الصادقة التي أدت إلى تكوين وعي وطني في وجدان كل منا، وتشكلت فينا شخصياتٌ جديدة طغت على شخصياتِنا السابقة، التي تحوَّلت بفعل الإنتماء إلى المؤسسة العسكرية بعد أن تلقَّت لقاحاً نشَر في مختلف خلايا جذعها رحيقاً من الشرف والتضحية والوفاء… تماماً كما تتحول الاشجار عندما يتم تلقيحها اثناء عملية التطعيم فيُنبت ذلك اللقاحُ أغصاناً جديدة من جذعها تحاكي نوع الطعم الذي لُقِّحَت به.

هكذا نصبح، نحن العسكريون، كبستانٍ متراصٍّ من الاشجار المنتظمة التي تنتمي إلى عائلةٍ واحده، بعد أن تم تطعيمها برحيق الوطنية علماً أن لكل منها جذعٌ مختلف نبت في تربةٍ مختلفة، ذلك هو مفهوم الانصهار الوطني الذي نعيشُ روحيته ونذوب فيه فور إلتحاقنا في الجيش شباناً قادمون من مختلف أنحاء الوطن.

نتيجة هذا التحول في شخصياتنا فإن اموراً كثيرة في أدبياتنا تتغير، فتطغي رتبنا على اسمائنا، ويطغى لباسنا المرقط على لبوسنا المدني.

منازلنا تتغير، فتصبح مضاجعنا في الثكنات والمراكز والمواقع العسكرية، القريبة منها والبعيدة، بدلاً من الشقق والابنية في البلدات والقرى والأحياء.

عائلتُنا الصغيرة تكبر من ثلاثة أو أربع أشقاء وشقيقات إلى عشرات الالوف بل ما يفوق ذلك بكثير.

مرجعيات كل منا، أن وجدت، فإنها تتبدد لتصبحَ قيادة وطنية، سقفها العلم اللبناني، بدلاً من رؤساء العشائر أو كبيروا العائلات أو فتوات الاحياء أو زعماء الطوائف والمذاهب…الخ

مواقيت نهوضنا ونومنا وعملنا اليومي تتغير فتضبط على ساعة الوطن الوحيدة بدلاً من ساعات اخرى تدور عقاربها على محاور إقليمية ودولية.

معايير الكرامة تتغير كما معاني الحياة التي تستحق أن تُعاشَ بشرفٍ ولكنها في الوقت عينه ترخُصُ في ساحات الشرف امام قضية الوطن ومستقبله.

حتى طريقة عيشنا واسلوب حياتنا، نبرات اصواتنا، مفردات كلامنا، تفاعلنا مع محيطنا، طريقة إلقاء التحية على الآخرين، كل ذلك يتغير. فلا مجال للتملق في مخاطبة الآخرين ولا مراوغة في التعامل معهم، التزامٌ بالكلام والمواعيد، جديةٌ حيث يستوجب الموقف جدية ولطفٌ تجاه من يستحقه.

باختصار، فإن كل شيء فينا يتغير، حتى أننا نميلُ إلى اعتبار انفسنا من جنسٍ آخر، خاصةً عندما نسمي كل من ليس منا بالمدني، وهو ليس مثلنا نحن العسكريون اصحاب المناقبية العسكرية، وذلك تميُّزاً وليس تحيُّزاً، هذا في قرارة انفسنا وربما في لا وعينا.

كما ونشعر أننا حين التحقنا في الجيش، إنما انتقلنا من عبثية وفوضى الحياة المدنية إلى عالم الانضباط والنظام العام، من التهرب من المسؤولية إلى تحمُّلها بالكامل، من ضعف الحياء والخجل إلى الشجاعة الادبية، من التردد إلى الاقدام، من التذمر والتأفف إلى تحمل المشقات…

هكذا نحن معشر العسكريين بكل فخرٍ وتواضعٍ واعتزاز.

نعم هكذا نحن معشر البذًّات المرقطة، المنتشرة على مساحة الوطن من اقصى الشمال إلى اقصى الجنوب ومن أطراف المياه الإقليمية إلى أطراف الحدود.

نحن لا ندَّعي أننا نحب وطننا أكثر من المدنيين، ولا نحتكر شعور الإنتماء الوطني، ولكن وطننا لبنان هو بالنسبة لنا قضيتنا الوحيدة المقدسة، ليس مثل الكثير من غير العسكريين!

نحن لا ندَّعي أننا لا ننتمي إلى طوائف ومذاهب مختلفة، لكننا نعيش بداخلنا حالةً وطنية اقوى بكثير من مشاعرنا الطائفية، ولأن مجرد وجودنا إلى جانب بعضنا البعض، في هذه المؤسسة الوطنية الطاهرة، وجهوزيتنا جميعاً للتضحية بأرواحنا من أجل وطنٍ واحد، لهو خير دليلٍ على تجاوزنا تلك الحدود الوهمية بل العقد النفسية بل هذا التخلف الذي للأسف لا زال يعيشهُ الكثير من غير العسكريين!

نحن لا ندَّعي احتكار الدفاع عن الوطن، فهناك خطوط دفاع يضطلع بها المجتمع المدني، منها الدبلوماسية والفكرية والإعلامية…الخ، ولكن عمادُها الدفاع المسلح ضد اي اعتداء على الوطن، وهذا الميدان نحن اسياده وخبراؤه ومحترفيه.

نحن لا ندَّعي أننا معصومون عن الخطأ أو منزَّهون عنه، ولكننا خاضعون للمحاسبة تحت سقف القانون، هذا السقف الذي يمتد فوق رؤوسنا جميعاً، مهما علت الرتب ورَفُعت الوظائف، ليس مثل الكثير من غير العسكريين!

نحن لا ندَّعي أننا أزهارٌ وورود، بل نعتبركم انتم ازهار هذا الوطن الجميلة ووروده المتنوعة والمتعددة الالوان، التي تقدم صورة فسيفسائية رائعة عنه للشرق والغرب، اما نحن فأشواكٌ منثورةٌ على الحدود وبين المناطق، مهمتنا حماية هذه الورود ومنع العبَثِ فيها وتشويه جمالها أو سرقة رحيقها، فاذا كنتم فعلاً ورود الوطن ولعلَّكم تكونوا ….. فإننا شوكةُ الوطن التي لا تُكسر!!

العميد الركن حسن جوني 

قائد كلية فؤاد شهاب للأركان 

من مجلة الجيش اللبناني – آب