لبنان سيواجه مشكلة إذا لم يحسن سياسته المالية

Download

لبنان سيواجه مشكلة إذا لم يحسن سياسته المالية

مقابلات
العدد 440

لبنان سيواجه مشكلة إذا لم يحسن سياسته المالية

د. إسكندر: الهندسة المالية أعطت المصارف مبالغ مالية

ولكن ليس على حساب المودعين

«المصارف المركزية وزمن عدم اليقين» هو الكتاب الأخير للخبير الاقتصادي الدكتور مروان إسكندر، والذي وضع فيه خلاصة رؤيته للقطاع المالي اللبناني بعد «الهندسة المالية» التي أجراها مصرف لبنان، معرجاً على أبرز المحطات التي عاشها هذا القطاع، منذ تأسيس المصرف المركزي على يد الرئيس الراحل فؤاد شهاب وحتى يومنا هذا.

يتوقف الكتاب أيضاً عند تجربتين تركتا أثراً كبيراً في أزمة المال العالمية عام 2008، والتي خاضها كل من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وحاكم المصرف المركزي الأميركي آلان غرينسبان، فالأول إستطاع بفضل الإجراءات التي قام بها منذ العام 2004 تجنيب لبنان مخاطر الأزمة المالية العالمية، والثاني يؤخذ عليه «تقاعسه» عن خفض الفائدة في لحظة حرجة، وهو قرار شبه بديهي لو اتخذه لكان جنّب العالم أزمة 2008، ووفّر على أميركا خسائر باهظة مالياً وإقتصادياً، كما يتضمن الكتاب إنتقاداً للمبادرات العلاجية «الملطّفة» التي تطوّق الإقتصاد العالمي بحلقات من الشكوك وعدم اليقين وخاصة في أوروبا، بدليل محدودية الأنشطة المصرفية، فيما تعني السيولة في الدول الصناعية ضمان الفائدة على الودائع أو عائدات ضئيلة جداً.

واللقاء مع إسكندر يعني الحديث أيضاً عن «تداعيات الأزمة المالية العالمية التي لم تنتهِ برأيه، وعن الوضع المالي والاقتصادي والمالي اللبناني الذي لا يجب أن يتكل فقط على مبادرات المصرف المركزي لتجنيب البلاد والعباد الأسوأ»، وإن كان يشير إلى «أن الهندسة المالية على أهميتها إلا أنها كانت تحتاج إلى شرح أكبر وترويج ليدرك الرأي العام اللبناني أهميتها». كلام إسكندر جاء في لقاء مع مجلة «إتحاد المصارف العربية» هذا نصه:

 حرصت في كتابك «المصارف المركزية في زمن عدم اليقين»، والذي تجمع فيه تجربة كل من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وحاكم البنك المركزي الأميركي آلان غريسبان لماذا هذه المقارنة؟

– لم تكن هي المقارنة الوحيدة في الكتاب، بل شملت أيضاً مقارنة مع سياسات البنك المركزي الأوروبي، والسبب أن الشروط للتيقن من سلامة الوضع المصرفي هي نفسها في كل البلدان، والوضع بالنسبة للشروط الأميركية هو إهمال الإشراف على المعاملات المستقبلية، والتي كانت تفترض خصم نسبة بسيطة جداً من قيمة المبلغ الذي يودعه العميل، ولأوضح ذلك أقول حصلت حادثة مهمة جداً لشركة «Long- Term Capital Management» التي كان يرأسها نائب رئيس الاتحاد الفيدرالي وحاصلة على جائزة نوبل للإقتصاد المحاسبي، لكنها تعرضت للإفلاس ففرض رئيس فرع نيويورك للبنك المركزي الأميركي إنقاذ هذه الشركة لأن رأسمالها 4 مليارات دولار لكن إلتزاماتها كانت تريليون ومئتي مليار دولار، كما وضع الأميركيون في العام 2010 قانون «دود- فرانك»، الذي يمنع البنوك التجارية أن تستعمل رأسمالها في المضاربة كي لا تتعرض موارد المساهمين للهدر، لكن هذا القانون لم يطبق حتى اليوم، وفي العام 2014 أقر مجلس النواب الأميركي تعديلات تلغي مفاعيله كلياً، وفي هذا العام اعتبر الأميركيون أن المصارف الأميركية بات لديها موارد أكثر، وبالتالي يمكن توزيع أرباح سنوية وإضافة 20 في المئة إلى هذه الأرباح، وهذا الأمر يمكن أن يشير إلى أننا مقبلون يوماً ما على أزمة قد لا نستطيع مجابهتها.

أما في الجانب الأوروبي، فيمكن الجزم بأنهم هم أول من استشعر بالأزمة المالية التي حصلت في العام 2007 وحذر منها رئيس المصرف المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه، وذلك بعد إعلان أحد المصارف الفرنسية الكبرى أن الصناديق الاستثمارية فيها تنقصها السيولة، لذلك قام تريشيه بمسعى مع المصرف المركزي البريطاني والأميركي والسويسري والفرنسي لتوفير دعم بقيمة 500 مليار دولار لكن هذا الأمر لم يكفِ، وبعدها قام المصرفي ماريو دراغي بإعلان أنه سيساند أي جهة بحاجة للمساعدة، ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن البنك المركزي الأميركي اليوم إرتفعت ميزانيته من 800 مليار دولار إلى 4800 مليار دولار، والبنك المركزي الأوروبي الذي لم يكن يملك 500 مليار بات اليوم يملك 5200 مليار دولار، وأعلنوا مؤخراً أنه يمكن تخفيض المساندة وهذا ما أدى إلى هبوط في أسعار السندات بشكل سريع جداً وباتوا خائفين من حصول أزمة مالية.

الأوروبيون وضعوا 3 تشريعات مختلفة، الأول يتعلق بقيمة سيولة المصارف وفرضوا على الذين يتقاضون مكافآت كبيرة، أن لا يتقاضوا هذه المكافآت إلا بعد التأكد من حصول نتائج إيجابية للمهام التي يوكل إليهم إنجازها، كما فرضوا على المصارف الكبرى وضع خطة حل للمشاكل التي يمكن أن تتعرض لها وأسسوا هيئة إشراف على صرف المكافآت ووضعوا لها سقفاً، كما خفضوا وضبطوا الرسوم في العقود المستقبلية، فطبق السويديون هذا القانون مما أدّى إلى إنخفاض نسبة الأعمال لديهم 95 في المئة، ومن هنا كانت المقارنة مع لبنان الذي طبق مبادئ أبسط وأكثر فعالية والتي بدأت في العام 2004، حيث منع البنك المركزي المصارف من المتاجرة في العقود المستقبلية ورفع نسب الاحتياطي النقدي التي تطلب مقابل هذه العمليات 30 في المئة بدل 2 في المئة، وفرضوا أن تكون نسبة السيولة في المصارف 15 في المئة قبل العام 2015، كما فرض المصرف المركزي على أعضاء مجلس الإدارة أن لا يقترضوا أكثر من 2 في المئة من رأسمال البنك لحفظ رأسماله، وألزم المصارف تعيين عضوين غير تنفيذيين وحصر الإقراض لأعضاء مجلس الإدارة، كل هذه الإجراءات مفروضة قبل أن تفرض في الولايات المتحدة وأوروبا، وتفوق الشروط المطبقة سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة.

 هل جنَّبت لبنان هذه الإجراءات؟

نعم، فهي أولاً أكسبت لبنان سمعة نقدية ومصرفية جيدة وخصوصاً بعد الأزمة المالية التي حصلت في العام2008، حيث شعر المستثمرون أن لبنان هو منطقة أكثر أماناً مصرفياً ومالياً، ولذلك حولوا إلى المصارف اللبنانية 24 مليار دولار، وهذا ما زاد من موارد المصارف ومكّن لبنان من تحمل العجز في ميزان المدفوعات.

هناك من ينتقد هذه السياسة ويعتبرها موجهة لمصلحة المصارف، كيف ترون هذا الأمر؟

– هناك آراء تنتقد هذه الإجراءات إنطلاقاً مما توحي لها آراء الرأي العام وليس بصورة علمية، هذه الإجراءات حمت النظام المالي اللبناني والعملاء اللبنانيين والمودعين، المنتقدون يجب أن يتأملوا التجربة القبرصية واليونانية في هذا الإطار، وهذه الإجراءات صحيح أنها حمت القطاع المصرفي لكن هذا القطاع يحتوي على إدخارات اللبنانيين، وتجربة بنك المدينة أبرز دليل على هذه الإجراءات الحكيمة وكيفية ضمان ودائع الناس العاديين، كما أن مصرف لبنان قام بدور مؤسسة ضمان الودائع وكل التعويضات للبنوك التي توقفت قام بها مصرف لبنان، واليوم مؤسسة ضمان الودائع تمتلك مليارين و200 مليون دولار و3 مليارات دولار أملاكاً، وهذا يعني أن كل هذه الأملاك باتت من رأسمال المصرف المركزي، وأن الهندسة المالية أعطت المصارف مبالغ مالية ولكن ليس على حساب المودع اللبناني ودافع الضريبة اللبناني، وبذلك نكون تفادينا الأزمة المالية العالمية وإستطعنا أن نحافظ على القروض المدعومة التي ساعدت على إستمرار النمو.

 هل عكس كتابك الوضع القائم بين مصرف لبنان والوضع السياسي والمالي والاقتصادي اللبناني؟

– أكيد، هذا الكتاب ليس وليد عام، بل إستندت في وضعه على 45 مرجعاً، منها كتابان لآلان غرينسبان، لأن مصرف لبنان هو المسؤول عن السياسة النقدية، لكن دوره توسع للدخول على السياسة المالية من خلال دعم القروض، ونظرياً ليس مفروضاً عليه القيام بهذا الدور، لكن هذه الخطوة تقوم بها كل المصارف المركزية في العالم، لكننا كنا في تجربتنا أنجح من الآخرين، علماً أن الهندسة المالية كانت تحتاج إلى شرح أكبر للرأي العام ليدرك أهميتها.

n ما الحكمة في ذكرك فؤاد شهاب وتأسيسه لمصرف لبنان، وذكرك لتجربة لبنان في الستينات ولتجربة سنغافورة؟

– ما أريد أن أقوله من خلال عرض هذه التجارب هو أن حساب الدولة وإصدار النقد كان من مسؤوليات بنك لبنان وسوريا وكان بنكاً خاصاً ومملوكاً من أجانب وكان الطموح أن يكونوا هم من يتسلم البنك المركزي في لبنان، على غرار ما كان يحصل في تلك الفترة، والبرهان أن المدير العام لبنك لبنان وسوريا الذي تولى لاحقاً منصب نائب الحاكم الأول، كان ضد إنشاء بنك مركزي لبناني، لكن فؤاد شهاب كان رئيساً نزيهاً واصرّ على تأسيس هذا المصرف، وفي العام 1992 كنا في لجنة عيّنها مجلس الوزراء لوضع خطة لإنقاذ الوضع الاقتصادي اللبناني وكنت من ضمنها ووضعنا تقريراً تضمن إجراءات مكافحة المضاربة وكتبت مضمونها في صحيفة النهار، فرد عليّ حاكم مصرف لبنان حينها ميشال خوري أن من لا يفهم بالاقتصاد لا يعطي آراء تخرب الاقتصاد اللبناني، فتحدثت إلى الرئيس عمر كرامي وعرضت عليه التقرير، فرتب لي موعداً مع خوري، فشرحت له أهمية التقرير لكنه لم يستجب بل إستمر في إجراءاته التي أدت إلى رفع سعر الدولار وتدهور حال الليرة، وهذا يعطي فكرة عن عدم المهنية التي كانت حاصلة في التعاطي مع الشأن المالي اللبناني.

 ماذا عن الأزمة المالية العالمية، لماذا تعتبر أن تداعياتها لم تنتهِ بعد؟

– هناك كثير من الاقتصاديين الكبار يقولون إن زيادة السيولة المتوافرة نتيجة الدعم الذي حصل من قبل البنك المركزي الأميركي لم تؤدِ إلى تحريك الاقتصاد، لأنه اشترى سندات من المصارف أو مصارف متعثرة، في حين أن البنوك في هذه الأزمة، لم تمنح قروضاً لأنها غير مطمئنة لما يمكن أن يحصل وهذا ما أدّى إلى إشتداد الأزمة وزيادة الكتلة النقدية، وهذا يعني أن كبر الكتلة النقدية سيؤدي إلى أزمة ولكن حصولها لا يمكن معالجته كما حصل سابقاً وأنا من المؤيدين لهذا الرأي لكني لست من المنظَّرين له.

 وعلى الصعيد اللبناني؟

– الهندسة المالية أدت إلى إستقرار الوضع المالي لكن ليس بصورة دائمة، لن يتصحح وضعنا إلا إذا أوقفنا الاقتراض من الخارج على المشاريع، وهذا ما يوصي به مثلاً صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي بأنه إذا لم يحسن لبنان سياسته المالية، أي تحسين جباية الضرائب والإنفاق ومعالجة العجز في الكهرباء، سيواجه مشكلة.

باسمة عطوي