لماذا يستفيد الأثرياء من الأزمات الإقتصادية

Download

لماذا يستفيد الأثرياء من الأزمات الإقتصادية

الاخبار والمستجدات
العدد 479- تشرين الأول/أكتوبر 2020

لماذا يستفيد الأثرياء دائماً

من الأزمات الإقتصادية رغم معاناة الإقتصاد؟

لم يفرق وباء «كوفيد-19» بين الأثرياء والفقراء أو العامة والمسؤولين، فمن ضمن المصابين بالفيروس، كان هناك آلاف من المشاهير والأثرياء وحتى الوزراء ورؤساء الدول. لكن في حين، أنه كان عادلاً في توزيع خطره على الجميع، فإن تداعياته الإقتصادية لم تكن تتمتع بالعدالة عينها.

 رابحون وخاسرون

 -رغم دخول الإقتصاد العالمي حالة غير مسبوقة من الركود في العام الحالي بفعل ضربة وباء «كورونا»، فإن الأثرياء نجحوا في التعافي سريعاً بل وتحقيق مكاسب مالية قياسية.

 – حقق المليارديرات في الولايات المتحدة مكاسب مالية كبيرة في الستة أشهر الأخيرة التي شهدت تفشي وباء «كورونا»، في الوقت الذي عانى فيه ملايين الأشخاص من تراجع الدخل وفقدان الوظائف.

 – تمكن أغنى 643 أميركياً من إضافة 845 مليار دولار إلى ثرواتهم مجتمعة في الفترة بين 18 مارس/ آذار 2020 وحتى 15 سبتمبر/أيلول، ما يمثل زيادة 29 % لقيمة الثروة.

 – إرتفعت ثروة الأغنياء في الولايات المتحدة الأميركية من 2.95 تريليون دولار إلى 3.8 تريليونات دولار في نحو ستة أشهر، ما يعني مكاسب بقيمة 141 مليار دولار كل شهر أو 32 مليار دولار أسبوعياً أو 4.7 مليارات يومياً.

 أكثر ثلاثة مليارديرات حققوا مكاسب في هذه الفترة جيف بيزوس ومارك زوكربيرغ وإيلون ماسك – شهدوا ارتفاعاً لصافي ثرواتهم مجتمعة بنحو 137 مليار دولار، بينما سجلت ثروة دان جيلبرت مالك شركة «كويكن لونز» زيادة بنسبة 672 % لترتفع من 6.5 مليارات دولار إلى ما يزيد على 50 مليار دولار.

 – لكن على الجانب الآخر من الطاولة، يقف ملايين الأميركيين الذين تسبب الوباء في فقدانهم للوظائف أو تراجع الدخل.

 – تراجع متوسط أجر 82 % من العمال الأميركيين من حيث الدخل بنحو 4.4 % في الفترة من منتصف مارس/ آذار وحتى أغسطس/ آب 2020.

 – لم تقتصر معاناة العامة في الولايات المتحدة على تراجع الدخل، لكن أكثر من 50 مليون شخص فقدوا وظائفهم جراء تداعيات الوباء، ورغم التعافي النسبي فإن 14 مليوناً لا يزالون ضمن قوائم العاطلين.

 – ظهرت تبعات الأزمة في معاناة 30 مليوناً أميركياً من الجوع، وفقدان نحو 12 مليون شخص التأمين الصحي المدعوم من العمل.

 – يُشير إرتفاع ثروات الأغنياء ومعاناة الفقراء إلى إتساع للفجوة في الدخل بين الجانبين وظهور الفارق الصارخ بين أرباح المليارديرات والبؤس الإقتصادي للعامة.

 – القلق يتمثل في أن الفوارق بين الأثرياء والفقراء لن تقتصر فقط على فجوة الدخل، لكن سيكون لدى قلة من الناس، قدر هائل من القوة لتشكيل الإقتصاد والسياسة مستقبلاً.

 لماذا تفوَّق الأثرياء؟

 – جاء الصعود في ثروات المليارديرات بدعم إرتفاع قيمة شركاتهم والتعافي القوي لسوق الأسهم من القاع المسجل في ذروة الوباء في مارس/ آذار 2020، بفضل حزم تحفيز قوية من جانب الحكومات والبنوك المركزية قدمت دعماً ملحوظاً للشركات الكبرى والأسواق المالية.

 – يشير مؤشر «بلومبرغ» للأثرياء إلى أن ثمانية من أكثر عشرة أشخاص تحقيقاً للمكاسب منذ بداية عام 2020 يمتلكون أعمالاً في قطاع التكنولوجيا، والذي إستفاد بشكل واضح من تداعيات الوباء وسياسات التباعد والعمل والدراسة من المنزل.

 – حقق «إريك يوان» المؤسس لشركة «زووم» المالكة لتطبيق الإجتماعات عبر الفيديو، إرتفاعاً لصافي ثروته بنسبة 400 % لتسجل 18 مليار دولار، مع قفزة لسعر السهم بدعم التسارع الحاد في عدد المستخدمين بفعل ضربة الوباء.

 – وبشكل عام، شهد مؤشر «إس آند بي 500» إرتفاعاً بأكثر من 50 % منذ المستوى المتدني المسجل في منتصف مارس/ آذار 2020، كما سجلت أسهم الشركات المملوكة للمليارديرات مثل «أمازون»، و«مايكروسوفت»، و«فيسبوك»، و«تسلا» صعوداً ملحوظاً.

 – يبدو الأثرياء الأكثر إستفادة من صعود سوق الأسهم، مع حقيقة أن أغنى 10 % من الأميركيين يمتلكون 87 % من أسهم الشركات ووثائق صناديق الإستثمار.

 – كرر الأثرياء إستفادتهم السابقة من التدابير التي تم إقرارها بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008 والمتمثلة في الأموال الرخيصة التي ضختها البنوك المركزية بقيادة بنك الإحتياطي الفدرالي والمركزي الأوروبي وغيرهما.

 – تسببت عمليات خفض الفائدة لمستويات قياسية متدنية وضخ السيولة في صعود حاد لأسعار فئات الأصول المختلفة والتي تشمل الأسواق المالية والعقارات، بالإضافة إلى الأسهم الخاصة والتي شهدت مكاسب كبيرة لصالح الأثرياء الأكثر تعاملاً فيها.

 – مكاسب الأثرياء جاءت أيضاً بدعم إستفادتهم من القوى المشتركة للرقمنة والعولمة والتي تُكافئ أصحاب رؤوس الأموال والمقربين منهم، في حين يتخلَّف المعتمدون على الأجور الثابتة عن الركب.

 للتفاوت وجوه كثيرة

 – الأمر لا يقتصر على الأثرياء فحسب، لكن الأزمة الحالية يبدو أنها لم تؤثر على أصحاب ما يُطلق عليه وظائف إقتصاد المعرفة ذات الأجور المرتفعة والتي أثبتت قدرتها على التكيف مع العمل من المنزل.

 – وبينما نجح العاملون في مجالات تتطلب تعليماً مرتفعاً وتمنح أجوراً عالية في الحفاظ على أعمالهم أو إستعادتها بسرعة في عصر الوباء والتباعد الإجتماعي، فإن موظفي قطاعات الضيافة والتجزئة والصناعة وغيرها تأثروا سلباً بالأزمة.

 – وعلى الجانب الآخر، كان الملونون والنساء والعمال الأقل تعليماً ضمن الفئات الأكثر تضرراً من تداعيات الأزمة والأقل قدرة على الوفاء بالإحتياجات الأساسية من الطعام إلى تكاليف السكن.

 – وبلغت ذروة معدل البطالة بين الأميركيين الذين لا يمتلكون شهادة المدرسة العليا «الثانوية» نحو 21 % في أبريل/ نيسان 2020، ما يعادل ثلاثة أمثال المسجل بالنسبة إلى الحاصلين على شهادة جامعية.

 – وتميل الأوبئة تاريخياً إلى ترك آثار أكثر قسوة على العمال الأقل مهارة والذين يمتلكون مستويات أساسية من التعليم، في حين يكون التأثير ضعيفاً على وظائف الحاصلين على درجات علمية متقدمة.

 – وإرتفع معامل «جيني» الذي يرصد التفاوت في الدخل بشكل ملحوظ في أعقاب خمسة أوبئة ظهرت في القرن الحادي والعشرين وهي «سارس» و«إنفلونزا الخنازير» و«متلازمة الشرق الأوسط التنفسية» و«إيبولا» و«زيكا».

 – زيادة التفاوت في الثروة بعد الأزمات الصحية بصفة خاصة، يأتي رغم جهود الحكومات لإعادة توزيع الدخل من الأغنياء إلى الفقراء، بفعل عمليات فقدان الوظائف وصدمات الدخل وتراجع فرص العمل بالنسبة إلى الأقل تعليماً والعاملين في الوظائف الأدنى دخلاً.

 – كان للأوبئة تأثير متباين بشكل ملحوظ على عمليات التوظيف بناءً على المستويات المختلفة من التعليم والتي تُعد أحد مؤشرات المهارات الشخصية في سوق العمل، فالحاصلون على مستوى تعليمي متقدم نادراً ما تتأثر وظائفهم بعد الأوبئة، في حين أن وظائف الأقل تعليماً تنخفض بشكل ملحوظ.

 – الواقع أن الأزمة الحالية لم تتمخض عن إتساع الفوارق بين مكاسب الأثرياء وخسائر الأقل دخلاً فحسب، لكن الأمر تطور إلى أبعد من ذلك.

 – قامت الدول الغنية والتي تمثل 13 % من عدد سكان العالم بالإتفاق على شراء أكثر من نصف الجرعات الخاصة باللقاحات المحتملة ضد وباء «كوفيد-19»، مع حقيقة أن الشركات المنتجة لا تمتلك الطاقة الإنتاجية الكافية لتوفير هذه اللقاحات لكل المحتاجين لها.

 – وتشير التقديرات الأكثر تفاؤلاً إلى أنه حتى في حال نجاح تجارب تطوير كل اللقاحات الخمسة التي دخلت مراحل التجارب النهائية حالياً، فإن 61 % من سكان العالم لن يحصلوا على اللقاح حتى عام 2022 على الأقل.

 – تظهر الأزمة الحالية أن الأثرياء والعاملين في الوظائف الأعلى دخلاً والتي تتطلب مستويات تعليمية ومهارات أكبر إستفادوا من الأزمة بشكل ما، في حين تركز العبء بأكمله على الفقراء والأقل تعليماً ودخلاً.l

(المصادر بالأرقام: المعهد الأميركي للدراسات السياسية،

صندوق النقد الدولي، أوكسفام، سي إن إن،

 فاينانشيال تايمز، بلومبرغ، سي إن بي سي)