ماذا وراء أزمة الدولار في العراق؟

Download

ماذا وراء أزمة الدولار في العراق؟

موضوع الغلاف
العدد 506 - كانون الثاني/يناير 2023

ماذا وراء أزمة الدولار في العراق؟

 حملة أميركية ضدّ تهريب الدولار تُخلّف أزمة لدفع الرواتب والإلتزامات الحكومية

 حظرُ 80% أو أكثر من التحويلات اليومية بالدولار في العراق

يُواجه العراق فجوة عميقة في موارده المالية العامة بسبب الحملة على الفساد وتهريب الدولار من قبل مجلس الإحتياطي الفدرالي الأميركي منذ «سرقة القرن». علماً أن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، كان قد كلّف الدكتور علي محسن العلَّاق بإدارة البنك المركزي بالوكالة، بعدما أعفى المحافظ مصطفى غالب مخيف من منصبه. وكان سعر صرف الدولار في السوق العراقية قد سجّل أخيراً، إنخفاضاً طفيفاً، في مقابل الدينار العراقي، بعد الإعلان عن إعفاء المحافظ مخيف من منصبه.

ويُتوقع أن تتفاقم الأزمة الحالية، بعدما تسبّبت في إنهيار التجارة اليومية بالدولار من خلال مزاد العملة الذي يُديره البنك المركزي العراقي، إذ تعتمد الحكومة على المزاد لتحويل الدولارات التي تجنيها من عائدات النفط إلى العملة المحلية (الدينار).

وقد شهد العام الماضي بيع نحو 200 مليون دولار يومياً في المتوسط، من خلال المزاد إلى البنوك والشركات الخاصة، لكن هذا الرقم إنخفض بشكل حاد خلال الشهرين الأخيرين من العام الماضي 2022، إلى متوسط يومي بنحو 56 مليون دولار في حلول أواخر ديسمبر/كانون الأول 2022.

وتُواجه الحكومة العراقية أزمة لدفع رواتب القطاع العام والوفاء بإلتزاماتها الشهرية الأخرى، إذ إن المشكلة في العراق تتعلّق بـ «ندرة الدينار وليس الدولار».

وأثّرت الأزمة على الإقتصاد الأوسع، فإرتفع سعر صرف الدولار بالأسواق غير الرسمية من 1480 ديناراً إلى 1630 منذ أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2022، فضلاً عن إرتفاع أسعار السلع الإستهلاكية.

ونفى المسؤولون العراقيون أيَّ صلة مباشرة بين الأزمة الحالية وما يُسمّى بـ «سرقة القرن» والتي سُرق فيها حوالي 2.5 مليار دولار من مصلحة الضرائب، من خلال بنوك مملوكة للدولة بين سبتمبر/أيلول 2021 وأغسطس/آب 2022، لكنهم أقرّوا بأن الإحتياطي الفدرالي الأميركي، فرض إجراءات أكثر صرامة على البنوك الخاصة التي تشتري الدولارات من خلال المزاد مؤخراً، وذلك بعد أسابيع فقط من الكشف عن تفاصيل السرقة من قبل وزارة المالية في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022.

 

وبدأ مجلس الإحتياطي الإتحادي، التحقّق من التحويلات المالية الخارجية في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، في محاولة لتتبع الأموال المسروقة، وقد تسبّب ذلك في تأخيرات في الإفراج عن التحويلات، وأدى إلى إنخفاض مبيعات الدولار من خلال المزاد. علماً أن بنك الإحتياطي قدّم أيضا شيكات على مصدر الأموال التي تحتفظ بها البنوك الخاصة المشاركة بالمزاد، مما دفع العديد منها إلى الإنسحاب وزيادة سعر الصرف غير الرسمي.

إجتماع الأزمة

في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2022، إنعقد الإطار التنسيقي (أكبر إئتلاف سياسي في البرلمان العراقي) في العاصمة بغداد، لمناقشة إرتفاع تكلفة الدولار والأزمة في الأسواق العراقية، وإقتُصر الإجتماع على كبار قادة الإئتلاف، ورئيس الحكومة محمد شياع السوداني، ومحافظ البنك المركزي (سابقاً) مصطفى غالب مخيف الذي قال خلال الإجتماع: «إن مجلس الإحتياطي لديه «مؤشرات خطرة» على عمليات تهريب الدولار»، مشيراً إلى «أن «المركزي العراقي» أوقف التعامل مع 4 بنوك عراقية خاصة في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بعد توجيه من مجلس الإحتياطي الإتحادي».

وكان أمر «المركزي العراقي» أيضاً البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، بالتوقف عن التعامل بالدولار مع البنوك الأربعة «لأغراض التدقيق» في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، والتي بدورها قامت بالطعن بهذه القرارات في دعاوى قضائية رفعتها هذه البنوك ضد «المركزي»، لكن قضيّتها رُفضت من قبل محكمة الخدمات المالية التي أكدت «حق الإحتياطي الفدرالي في منعها من التعامل بالدولار».

 إيرادات مبيعات النفط

وتحتاج الحكومة العراقية إلى نحو 8 تريليونات دينار (5.5 مليارات دولار) شهريّاً لدفع رواتب موظفي الحكومة والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الإجتماعية، ويتم تأمين ذلك إلى حدّ كبير من خلال مزاد العملة، والذي يأتي معظمه من عائدات النفط.

وتسبّب إنخفاض مبيعات الدولار في نقص الدينار للبنك المركزي، فحتى في ذروته، لا يجمع المزاد عادة ما يكفي لتلبية 275 مليون دولار التي تحتاجها الحكومة يومياً، وعادة ما كان تتم تغطية هذا النقص من أسهم العملات التي يحتفظ بها «المركزي» من خلال القروض الداخلية بين البنك والحكومة، عن طريق طباعة المزيد من العملات، أو الأنشطة المالية الأخرى.

وتُظهر بيانات مزاد العملات الأجنبية للسنوات الأربع الماضية، أن كميّة الدولارات المتداولة ظلت مستقرّة، بمتوسط نحو 200 مليون دولار يومياً خلال عامي 2019 و2020. وفي الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2021، إنخفض المبلغ المتداول بالمزاد إلى أدنى مستوياته التاريخية، حيث تم تداول 3 ملايين دولار فقط في بعض الأيام، لكن في الأسبوع الثاني من أبريل/نيسان2021، قفز المبلغ اليومي فجأة بمتوسط 190 مليون دولار يتم تداوله يوميّاً حتى نهاية العام. وفي العام 2022، لم تنخفض مبيعات الدولار عن متوسط 200 مليون دولار في اليوم، لأول 10 أشهر من العام.

محدودية الخيارات

ومنذ إنهيار إيرادات المزاد، فتح «المركزي العراقي» منافذ جديدة لبيع الدولارات مباشرة للمواطنين من خلال نظام مزاد العملة، في محاولة لجمع المزيد من الدنانير، لكن البيانات التي تُظهر مبيعات العملات الأجنبية أخيراً، توضح أن البنك لا يزال يبيع في المتوسط أقل من 90 مليون دولار يومياً.

ويتوقع المسؤولون العراقيون أن يتدهور الوضع أكثر، ولا سيما بعد أن أطلق «المركزي» منصّة إلكترونية جديدة لمزاد العملة في وقت سابق، حيث أفاد البنك المركزي في بيان أنه أطلق المنصّة «بالتنسيق مع الهيئات الدولية، لغرض حكم وتنظيم عمليات نافذة لشراء وبيع العملات الأجنبية وضمان السيطرة الفعاّلة عليها».

وتربط المنصة الجديدة جميع البنوك بـ «المركزي»، وتطلب من البنوك الكشف عن معلومات حول عملائها، الذين يطلبون التحويلات المالية والمستفيدين منها، والبنوك المراسلة وتفاصيل أخرى.

ويقول أحد مستشاري رئيس الوزراء العراقي: «لقد أدّت المنصّة الجديدة إلى تعقيد الأمور أكثر، حيث لا يريد المالكون الحقيقيون الكشف عن هويتهم أو مصدر أموالهم، لذلك لا نتوقع أن تتحسّن مبيعات المزاد قريباً»، مشيراً إلى «أن الضغوط تتزايد، وسيزداد الوضع سوءاً إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات حاسمة لإحتواء الأزمة، ولكن المشكلة، أن الخيارات المتاحة محدودة للغاية وتحتاج إلى وقت».

مخاطر تخفيض قيمة العملة

وحذر مسؤولون عراقيون من إصدار طبعة جديدة من العملة المحلية، لأن ذلك سيُقلّل من قيمة الدينار، ويزيد من معدّل التضخُّم، وهو ما رفضه قادة الإطار التنسيقي، وبدلاً من ذلك حثّوا رئيس الوزراء والمحافظ (السابق) غالب على الذهاب إلى واشنطن، سعياً للتفاوض على فترة سماح مدتها 6 أشهر، قبل بدء تنفيذ إجراءات جديدة، للسماح للحكومة والبنك المركزي بـ «الإستعداد».

ودعا قادة الإطار، إلى تخفيف عمليات التدقيق التي يفرضها مجلس الإحتياطي الأميركي، وأن تكون إجراءات التحويلات المالية الخارجية أسرع، وزيادة عدد منافذ البيع الرسمية بالدولار، وتشديد الضوابط على تهريب الدولار.

الإجراءات الجديدة

واقع الحال، فقدت العملة العراقية نحو 10% من قيمتها، وفق صحيفة «وول ستريت جورنل» في تقرير نشرته أخيراً، بعد إجراءات «غامضة»، تتعلّق بفرض قواعد إمتثال Compliance Rules  على تعاملات البنك المركزي العراقي مع تجار العملة في ما يتعلّق بالدولار الأميركي.

وبموجب الإجراءات الجديدة، يتعيّن على المصارف العراقية، تقديم تحويلات بالدولار على منصّة جديدة على الإنترنت مع البنك المركزي العراقي، والتي تتم مراجعتها بعد ذلك من قبل بنك الإحتياطي الفيدرالي.

وقال مسؤولون أميركيون: «إن هذه الإجراءات، تهدف إلى الحدّ من إستخدام النظام المصرفي العراقي لتهريب الدولارات إلى طهران ودمشق، وملاذات غسل الأموال في أنحاء الشرق الأوسط».

وبموجب القواعد القديمة، لم يكن مطلوباً من أصحاب الحسابات العراقية، الكشف عمَّن كانوا يُرسلون الأموال إليه إلاَّ بعد تحويل الدولارات بالفعل.

وقالت متحدثة بإسم بنك الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك عن الحسابات التي يحتفظ بها لحكومات أجنبية: «لدينا نظام إمتثال قوي لهذه الحسابات، يتطوّر بمرور الوقت إستجابة للمعلومات الجديدة». علماً أن هذه الإجراءات، بحسب مسؤول أميركي آخر، «ستُحدّ من قدرة الجهات الفاعلة الخبيثة على إستخدام النظام المصرفي العراقي».

لكن هذه الإجراءات أيضاً، تُحدّ من وصول التجار العراقيين والشركات الشرعية إلى الدولار، «بسبب أخطاء تجري خلال عملية التقديم إلى المنصّة»، وفق بيان البنك المركزي العراقي، الذي وصف المنصة الإلكترونية الجديدة مؤخراً بأنها تطلب «تفاصيل كاملة عن العملاء الذين يريدون تحويلات مالية، بما في ذلك المستفيدون النهائيون».

وأفاد «المركزي العراقي»: «يتم إكتشاف عدد من الأخطاء، ويتعيّن على البنوك إعادة العملية»، مشيراً إلى أن «هذه الإجراءات ستستغرق وقتاً إضافياً قبل قبولها وإقرارها من قبل النظام الدولي».

«صدمة وأكثر»

منذ دخول الإجراءات الجديدة حيّز التنفيذ، تم حظر 80% أو أكثر من التحويلات اليومية بالدولار في العراق، والتي بلغ مجموعها في السابق أكثر من 250 مليون دولار، «بسبب عدم كفاية المعلومات حول وجهات الأموال أو أخطاء أخرى»، بحسب مسؤولين أميركيين وعراقيين.

رأي الولايات المتحدة

وتنقل «وول ستريت جورنل» عن مسؤولين أميركيين قولهم: «إن القواعد الأكثر صرامة للتحويلات الإلكترونية بالدولار من قبل البنوك الخاصة العراقية، لم تكن مفاجأة للمسؤولين في بغداد، حيث تم تنفيذها بشكل مشترك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، بعد عامين من المناقشات والتخطيط من قبل البنك المركزي العراقي، ووزارة الخزانة الأميركية، وبنك الإحتياطي الفيدرالي».

وأضاف المسؤولون الأميركيون: «إن الإرتفاع في سعر صرف الدولار، لم يكن بسبب الإجراءات الجديدة، وإنما بسبب التدقيق في المعاملات الدولارية».

لكن رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني، قال بدوره: «إن تصرّف مجلس الإحتياطي يضرّ بالفقراء ويُهدّد ميزانية حكومته لعام 2023»، مشيراً إلى أنه «سيُرسل وفداً إلى واشنطن، مع إقتراح بوقف السياسة الجديدة لمدة ستة أشهر».

 الإقتصاد العراقي

ورغم ما تقدّم، لا تُوحي أزمة العملة في العراق بأنه يُعاني مشكلة إقتصادية، وفق خبراء عراقيين، إذ إن «الإقتصاد العراقي يُظهر مؤشرات هي الأقوى أخيراً. كما أن العائدات النفطية للبلاد راهناً هي الأعلى في تاريخ العراق الإقتصادي الحديث، إذ زادت على 116 مليار دولار، رافقتها إحتياطات أجنبية قاربت نحو 100 مليار دولار، وهي الأعلى أيضاً في التاريخ المالي للعراق. علماً أن الإحتياطات بلغت نحو 96 مليار دولار.

المصدر: «ميدل إيست آي»، «وول ستريت جورنل»، تجميع وكالات،.