ماذا ينتظر اللبنانيون؟ …

Download

ماذا ينتظر اللبنانيون؟ …

مقابلات
العدد 482 كانون الثاني/يناير 2021

أكثر من سيناريو إقتصادي ينتظر لبنان في العام 2021

فماذا ينتظر اللبنانيون؟…

يقف لبنان على عتبة العام 2021 على مفترق طرق إقتصادي، الأول إيجابي يفترض تشكيل حكومة مستقلة تتولى تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي بما في ذلك خفض دور الدولة في الإقتصاد، من خلال عمليات خصخصة لعدد من القطاعات المهمة مثل الإتصالات والكهرباء، وربما عمليات إعادة إعمار المرفأ وإدارته في المستقبل، والثاني سلبي يفترض عدم القيام بإصلاحات شاملة أو القيام بإصلاحات محدودة من دون تغيير أساسي في الإدارة السياسية وفي التحالفات الحاكمة للبلد، وفي هذه الحال، فإن الثقة بلبنان ستستمر في التراجع، وربما سيستمر إستنزاف الإحتياط إلى حد نفاده بالكامل في العام 2022، وهذا يعني أن لبنان لن يشهد تدفقات نقدية بإستثناء التدفقات الإنسانية التي أُقرّت في مؤتمر باريس في 8 آب/أغسطس 2020، كما أن التضخم سيستمر في التفاقم، كذلك التدهور في سعر صرف الليرة إزاء الدولار وفي معدلات البطالة، كما يتوقع أن يبقى الدين العام في حدود 120% من الناتج المحلي.

بين هذين الإحتمالين، من المفيد التذكير ببعض الأرقام التي سجلها الإقتصاد اللبناني خلال العام 2020 (تراجعاً وليس تقدماً)، فبعد إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس، سجل الإقتصاد إنكماشاً تراوح بين 15 % إلى 24 %. علماً أنه (قبل الإنفجار) كان في طريقه إلى الإنهيار مع زيادة معدلات التضخم، وتهالك سعر صرف الليرة بسبب فشل الحكومة اللبنانية في تحقيق أي تقدم في مسار الإصلاحات، وعمل الإدارات الحكومية بما يمهد للحصول على المساعدات المنشودة من صندوق النقد الدولي.

وبلغت الخسائر الناجمة عن إنفجار المرفأ  نحو 7 مليارات دولار، أو ما يعادل 14 % من الناتج المحلي للعام 2019، بالإضافة إلى الخسائر البشرية الكبيرة، والعدد الكبير من السكان (300,000) الذين تضرّرت منازلهم. ونتيجة لهذه الخسائر من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي من 52 مليار دولار في العام 2019 إلى 33 ملياراً في العام 2020.

كل ما سبق، يدعو إلى محاولة رسم ملامح الاقتصاد اللبناني خلال العام 2021 بناء على الأرقام والسيناريوهات المفترضة، وفي هذا الاطار يشرح وزير الدولة السابق لشؤون الإستثمار والتكنولوجيا عادل أفيوني لـ «مجلة إتحاد المصارف العربية» أن «القطاعات الإقتصادية في لبنان، أصابها الضرر خلال العام 2020 لأسباب مختلفة، فهي أولاً تضرّرت لأسباب لبنانية بحتة، أي إنهيار العملة اللبنانية، والإقتصاد وتراجع الإستهلاك، أما القطاع السياحي، حيث كان يُمكن أن يستفيد من إنهيار العملة، لأن الاسعار تكون أرخص مقارنة مع الدول الاخرى، فإنه تضرّر لأسباب أخرى، أبرزها عدم الإستقرار السياسي في لبنان وبسبب إنتشار الكورونا»، لافتاً إلى أنه «يا للأسف تعرّض لبنان لعاصفة متعددة الجوانب، أي أن القطاعات الإقتصادية في لبنان تعرّضت لضربة قاسية بسبب إنهيار العملة، وتراجع الإستهلاك المحلي،  وزيادة البطالة، وإنهيار الإقتصاد، والقطاع السياحي تضرر بسبب الكورونا والإنكماش الذي أصاب الاقتصاد العالمي».

أفيوني: العام 2021 سيكون صعباً ولن يتمكن من الصمود إلى من يتلقى تمويلاً من الخارج

ويلفت الوزير السابق أفيوني إلى أن «أياً من القطاعات الإقتصادية لم يستطع تجنّب الضرر، لكن هناك قطاعات صناعية (التي بقيت موادها الأساسية مدعومة ) إستطاعت الصمود والتصدير بكلفة منخفضة. علماً أن الدخل القومي هبط هبوطاً حاداً لأكثر من 20 %».

في المقابل يرى أفيوني أن «الأفق الإقتصادي للعام 2021 سيئ لأسباب عدة، أولها الوضع السياسي غير المستقر، فمنذ إندلاع الازمة في 17 تشرين 2019 مرَّ 13 شهراً بينها 7 أشهر من دون حكومة، أي من دون إستقرار وخطط حكومية، لدعم الإقتصاد، مع وضع مالي صعب جداً، مما يعني أن خلق أفق إقتصادي للعام 2021 لا يزال غير ملموس، لأن الوضع السياسي لا يزال مسدوداً».

يضيف أفيوني: «السبب الثاني هو الشح في السيولة والعملات اللتين يعاني منهما لبنان، فالمصارف لا يُمكنها التمويل، وإحتياطي المصرف المركزي تراجع، ووصل إلى درجات منخفضة جداً، وهو في الأصل لا يُمكنه (أي المركزي ) إستخدام هذا الإحتياط، وهو دين تجاه المودعين، إذاً المصرف المركزي لا يملك السيولة اللازمة»، لافتاً إلى أن «التحويلات من الخارج التي يُمكن أن تؤمن هذه السيولة في إنخفاض مستمر، ودون سيولة  مالية تموّل عجلة الإقتصاد، من المستحيل أن يكون هناك أفق إقتصادي جيد».

ويوضح أفيوني أن «هذه السيولة لا يمكن أن تتأمن في الوقت الحالي، إلا من عملية دعم من صندوق النقد الدولي والدول المانحة، وليس هناك مصدر آخر يُوفر السيولة المطلوبة ويضع الأمور على سكة الحل»، شارحاً السبب الثالث لإنعدام الأفق الإقتصادي في العام المقبل، بالقول: «غياب خطة إقتصادية متكاملة لتحسين مالية الدولة، وإعادة هيكلة المصارف لتحفيز الإقتصاد، ولا يبدو أن هناك أفقاً واضحاً في لبنان لوضع هكذا خطة أو حتى مناقشة تفاصيلها، فمن الضروري  جداً تحسين مالية الدولة، وتخفيض العجز وتحسين  الإنفاق وإعادة هيكلة المصارف»، مشدِّداً على أنه «من دون مصارف  سليمة لا يُمكن تحريك عجلة الإقتصاد، ومن دون حوافز وإصلاحات لا يمكن تحفيز الإستثمارات في الإقتصاد ومساعدة الشركات ودعمها ضريبياً، وتأمين الحوافز لها لكي تتمكن من النهوض، ولا يمكن أن يحصل أي تحسن إقتصادي».

 ويضيف أفيوني: «بصراحة، ويا للأسف، لا يوجد أي عنصر من هذه العناصر، أو هل الأسباب متوافرة أو هناك أفق لتوافرها على المدى المنظور؟ لذلك أعتقد أن العام 2021 سيكون صعباً جداً، ولن يتمكن من الصمود إلا من يتلقى تمويلاً من الخارج،  أو الذي يتمكن من التصدير إلى الخارج، لتعويض هذه السيولة، مثل بعض الصناعات و الزراعات التي تتمكن من تمويل حاجاتها والتصدير إلى الخارج».

 ويختم أفيوني: «إن قطاع التكنولوجيا هو القطاع الوحيد الذي يمكن أن يؤمن نمواً، لأنه لا يحتاج إلى تمويل مرتفع جداً أو موارد كثيرة، بل يتكل بشكل أساسي على الموارد البشرية، وبالتالي يمكنه تصدير خدماته إلى الخارج، والحصول على سيولة من الخارج عبر تصدير الخدمات التي تعود عليه بالسيولة والرساميل. هذا قطاع برأيي، مرشح للإستفادة  من الوضع الراهن، لأن أسعاره باتت تنافسية مقارنة بالخارج،  وإنخفاض كلفة اليد العاملة في لبنان».

ضرورة الإتفاق مع صندوق النقد الدولي

يُوافق وزير المال السابق جورج قرم على «أن لا أفق إقتصادياً للبنان في العام 2021 من دون الإتفاق مع صندوق النقد الدولي»، ويقول لـ «مجلة إتحاد المصارف العربية»: «إن الإتفاق مع صندوق النقد الدولي، إذا كان مبنياً على أسس واضحة ومع وجود حكومة لبنانية متجانسة وفعالة ومتماسكة، هو السبيل لإنقاذ لبنان إقتصادياً»، معتبراً أن «الإتفاق مع صندوق النقد الدولي ضروري، مع تعديل لشروطه، ولا سيما في ما يتعلق بعدم التفريط بممتلكات الدولة وأملاكها العقارية، وإذا حصل غير ذلك فهو جريمة بحق اللبنانيين».

قرم: الإنفاق مع صندوق النقد الدولي على أسس واضحة وتشكيل حكومة فعالة السبيل لإنقاد لبنان اقتصادياً

ويلفت قرم إلى «أن إنفجار بيروت الذي أدى إلى تدمير المرفأ وأحياء واسعة من العاصمة، أصاب الإقتصاد اللبناني بضربات قوية، بالإضافة إلى أخطاء السياسات الإقتصادية  والمالية والمصرفية المعمول بها في لبنان»، مشيراً إلى أن «القطاع الذي دفع الثمن هو القطاع السياحي بسبب تفشي وباء الكورونا عالمياً وعربياً، مما أدى إلى توقف الحركة السياحية في لبنان، وكان هذا القطاع يدخل سيولة مهمة على خزينة الدولة، وثم أتت الإجراءات غير المنطقية لجمعية مصارف لبنان  بوضع اليد على أموال اللبنانيين».

ويختم قرم قائلاً: «هناك خسائر لحقت بلبنان ناتجة عن إنتشار وباء الكورونا، وكل دول العالم تراجع فيها النشاط الإقتصادي والناتج الوطني، بإستثناء الولايات المتحدة الاميركية (لا إحصاءات دقيقة حتى تاريخه).