ماريو دراغي يتسلَّم مهمة إنقاذ بلاده

Download

ماريو دراغي يتسلَّم مهمة إنقاذ بلاده

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 483 شباط/فبراير 2021

ماريو دراغي يتسلَّم مهمة إنقاذ بلاده من

حاكم لمصرف أوروبا المركزي ومنقذ اليورو

إلى رئيس للحكومة الإيطالية

ماريو دراغي Mario Draghi المصرفي الإيطالي، تشهد له التجربة في إدارة البنك المركزي الأوروبي والأزمة المالية في منطقة اليورو التي إنفجرت مع فقاعة ديون اليونان. وقال في العام 2012 إنه مستعد لفعل كل ما يلزم ليُنقذ منطقة اليورو. وها هو اليوم، يُشكِّل حكومة في إيطاليا المتأزِّمة إقتصادياً، ومصرفياً، وكلَّفه الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا    Sergio Mattarella ليخلف المستقيل جوزيبي كونتي  Giuseppe Conte حيث لم تتمكَّن حكومات إيطالية متعاقبة، ونتيجة الخلافات السياسية والحزبية، من الإلتفاف حول هدف واحد، ألا وهو إنقاذ ثالث إقتصاد في منطقة اليورو بعد ألمانيا وفرنسا، من مستنقع الديون، وإيجاد حلّ للأزمة المصرفية والأصول المعدومة لدى البنوك.
دراغي، شكَّل حكومته، ورحَّبت بورصة ميلانو بالخطوة، وإستقبل المستثمرون تشكيل الحكومة بإرتياح كبير، ويرون في شخص ماريو دراغي المنقذ والآتي من مهمة إنقاذ منطقة تضم 19 بلداً، فكيف يُمكن أن يفشل في إدارة بلد واحد من تلك البلدان؟ لكن ما قد يُواجهه دراغي في بلده مختلف عمَّا كان يُواجهه في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، حيث إن الخلافات السياسية بين أحزاب إيطاليا، وتطلُّعات كل حزب إلى الإصلاحات، من زاويته، قد لا تكون في مصلحة رئيس الحكومة الجديد، الذي تضع على عاتقه مهمَّة جمع المواقف السياسية المختلفة على سكَّة خلاص إقتصاد إيطاليا.
من هنا، تنظر أوساط أسواق المال والمصارف والمستثمرين من شركات ورجال أعمال، إلى قدرة دراغي على تأمين إستقرار سياسي في إيطاليا بعد إنهيار التحالف الذي كان قائماً، وإستخدام حوالي 200 مليار يورو متوافرة في صناديق الدعم التابعة للإتحاد الأوروبي، لمساعدة إقتصاد إيطاليا على التعافي والوقوف على قدميه، بعدما هزمته جائحة كورونا، حيث كانت إيطاليا أول الدول الأوروبية التي عانت الأمرَّين مع بداية الجائحة.
الحاكم السابق للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، هو صاحب التصريح الشهير، عندما إشتدَّت الأزمة المالية في منطقة اليورو، لتصل إلى إسبانيا، وإيطاليا بعد اليونان، وقال إنه يستعد لإستخدام «بازوكا مالية» إذا لزم الأمر، والتي تضم حزمة من الإجراءات مثل نسبة فائدة سلبية، وشراء أصول مالية معدومة لدى البنوك، وأيضاً تأمين قروض ميسَّرة من دون فوائد للبنوك. هذا التصريح لاقى الصدى المطلوب في أوساط المستثمرين عبر العالم، ووضع أعضاء مجلس إدارة حاكمية المصرف الأوروبي أمام الأمر الواقع، وملزمة لتنفيذ ما قاله دراغي.
فهل سيستطيع ماريو دراغي كرئيس لحكومة إيطاليا أن يكون بازوكا للإقتصاد الإيطالي، وأن ينجح في مواجهة التحديات التي تعوِّق إقتصاد بلاده، كما قاد الحرب داخل البنك المركزي الأوروبي على كل المعايير والجبهات التي ضربت منطقة اليورو؟
إيطاليا برهنت على مدى حكومات متتالية، في السنوات الأخيرة التي تلت فقاعة أزمة مالية ومصرفية غير مسبوقة، أن الحكومات هذه لم تكن قادرة على معالجة الأزمة، ولا سيما أن صناديق دعم أوروبية كثيرة، إستهلكت أموالها من دون أن ترى شيئاً من هذه الإستثمارات، ودخلت في نفق إنكماش إقتصادي غير مسبوق، منذ الحرب العالمية الثانية. أما الورش الإقتصادية التي ستواجه رئيس الحكومة الجديد فهي كثيرة، وسنذكر أبرزها في موضوعنا هذا.

 إنعاش العجلة الإقتصادية

الإقتصاد الإيطالي الثالث في منطقة اليورو مُنهك، وبشكل كبير اليوم، بعدما أصابته تداعيات كورونا، في قطاعاته الأساسية، حاله حال غالبية إقتصادات العالم، من حيث تداعيات الجائحة، إلا أنه يعاني أصلاً من تراكمات وديون غير مسبوقة لتزيد كورونا الطين بلَّة. فالإقتصاد الإيطالي جاء في طليعة إقتصادات اليورو المتضرِّرة من تداعيات الجائحة، وخسر حوالي 9 % تحت الصفر، في إنكماش حاد، لم تشهده إيطاليا منذ ثلاثينيات القرن الماضي. فإيطاليا كانت أول البلدان الأوروبية وأكثرها تعرُّضاً لوباء الكورونا، وفرضت إغلاقاً عاماً ومُحكماً على مدى شهريّ آذار/ مارس، ونيسان / إبريل 2020، وتعطَّلت بالتالي كل عجلات الحركة الإقتصادية. وبعد هذا التشدُّد في الإغلاق، قامت السلطات بتخفيف حدَّة الإجراءات في الفصل الثالث من العام الماضي، وعرفت البلاد مطلع الصيف حركة نشاط عوَّضت للإقتصاد نسبة بلغت 16 %، قبل أن يعود الإقتصاد إلى الإنكماش نسبة 2 % تحت الصفر، في الفصل الرابع والأخير نتيجة الموجة الثانية من كورونا.

وأمام هذا الواقع، فإن إنعاش الإقتصاد الإيطالي يحتاج اليوم إلى مئات المليارات من اليوروهات، وتتطلَّع روما والحكومة الجديدة إلى خطة بحجم 200 مليار يورو يتم تمويلها من الإتحاد الأوروبي. وهنا تكمن لباقة ماريو دراغي في إدارة المبلغ بصفته مديراً ناجحاً للأزمات المستعصية بعدما أعلن الإتحاد نيته مساعدة إيطاليا.

التحدي الثاني الذي يواجه رئيس الحكومة الإيطالية الجديد

هو إقناع الأحزاب السياسية للتوحُّد حول ملف مواجهة الأزمة الإقتصادية والمالية، ولا سيما أن الخلاف على إدارة أموال الإتحاد الأوروبي لإسعاف الإقتصاد، فجَّر تحالف وسط اليسار الذي كان يرأس الحكومة المستقيلة. فرئيس الحكومة الأسبق ماتّيو رينزي (وتُكتب رينتسي) Matteo Renzi، سحب حزبه «تحيا إيطاليا» من التحالف الحكومي، وصبَّ غضبه على سياسة حكومة جوزيبي كونتي Giuseppe Conte رافضاً طريقة تعاطي الحكومة قبل أن تستقيل مع الأزمة وتوزيعها الأموال على المتضرِّرين والقطاعات المتضرِّرة عوضاً عن القيام بإصلاحات جذرية وهيكلية. وشاءت الصدف أن يستخدم ماتّيو رينزي Matteo Renzi عبارة كان ماريو دراغي يُردِّدها عندما كان على رأس البنك المركزي الإيطالي، ألا وهي: «إن الديون تصبح سيئة عندما تستخدم أموال هذه الديون في غايات غير منتجة». فالتأخُّر في وضع مئات المليارات على سكَّة الإصلاحات تسبَّب في حالة قلق لدى الدول الأخرى في منطقة اليورو، من أن يتعثَّر إقتصاد إيطاليا أكثر مما هو متعثِّر اليوم، ويُهدِّد اليورو برمَّته. فكلّ الأنظار اليوم في إيطاليا تتَّجه نحو أسلوب دراغي في التعاطي مع أزمة بلاده، ولم يتردَّد إختصاصيون إيطاليون وأكاديميون في الإقتصاد والتجارة من وصف ماريو دراغي برَجُل المرحلة، وسيقنع بروكسل بأن تكون سخيَّة مع إيطاليا، معرباً عن تصميمه المضيّ قدماً في خطة الإنقاذ.

صادف ترؤس دراغي للحكومة الإيطالية مع ترؤس بلاده مجموعة العشرين للدول الحالية بعد تسليم المملكة العربية السعودية هذه المهمَّة للجمهورية الإيطالية

التحدّي في الموضوع، أنه يجب على الحكومة الجديدة أن تترك إنطباعاً حول قدرتها على إدارة رئاسة المجموعة المؤلَّفة من أقوى عشرين إقتصاداً في العالم، وإدارة نفسها على حد سواء. لكن الصفة الدولية التي يتمتَّع بها ماريو دراغي قبل أن يُصبح رئيساً لوزراء إيطاليا، تجعل من ترؤس إيطاليا لمجموعة العشرين أمراً إيجابياً على الصعيد الجيوسياسي بعد سنوات من عدم الإستقرار.

التحدي الرابع في وجه رئيس الحكومة الإيطالية الجديد والأهم بين كل التحديات

هو إعادة هيكلة الديون المتراكمة على البلاد، والتي تُعتبر الأعلى في منطقة اليورو، بعد ديون اليونان. فعلى مرِّ السنين، راكمت إيطاليا ديوناً أصبحت تُساوي اليوم قرابة 160 % من ناتجها المحلي. وهنا تحديداً، سمحت المفوضية الأوروبية في بروكسل، وبشكل إستثنائي، بسبب تداعيات جائحة كورونا، بأن يتوقَّف العمل بمعايير معاهدة «ماستريخت»، التي تأسَّست عليها منطقة اليورو، ولم تعد تُلزم الدول في المنطقة، لا بحجم الديون التي يجب ألا يتخطَّى 60 % من الناتج  المحلي للبلد، ولا بحجم عجز الموازنة التي يجب ألا تتخطى نسبة 3 %، من الناتج نفسه. لكن هذا السماح بخصوص هذين البندين، لن يكون أبدياً. وعلى الدول، ومن بينها إيطاليا العاجزة كثيراً، أن تلتزم في تخفيض هذه المعدَّلات إلى مستواها المسموح به. وفي هذا الإطار، وبخصوص إعادة هيكلة الديون، يُعتبر ماريو دراغي، الأفضل لهذه المرحلة لمناقشة هذه القضية، مع المعنيين في الديون الإيطالية، ولا سيما أن فرنسا لها الحصَّة الأكبر من ديون إيطاليا، تليها ألمانيا، ومن ثم اليابان، فأميركا، وبلجيكا، وإسبانيا وبريطانيا.

من بين التحدِّيات أيضاً التي تواجه دراغي والتي لا تقلّ أهمية عن تحدِّي الديون

هي تحدِّي ظاهرة البطالة، التي بلغت نسبة 9 %، وتفوق المعدَّل العريض لمنطقة اليورو. وظاهرة البطالة في إيطاليا، تطال حوالي 30 % من جملة إحتساب بين 15 و24 عاماً، فضلاً عن ظهور حالة جديدة في زمن كورونا، ألا وهي إزدياد عدد الفقراء، وطالبي المساعدات الغذائية، بواقع الثلث في 2020، ليُصبح أكثر من 3.7 ملايين شخص. وإذا صحَّ التعبير، قد تكون إيطاليا نهاية آذار/ مارس، على موعد مع قنبلة إجتماعية موقوتة، حيث تنتهي فترة دعوة السلطات الإيطالية للشركات، لتجميد تسريح الموظفين نتيجة تداعيات كورونا، حيث قدَّمت السلطات مساعدات للشركات مقابل عدم تسريح الموظفين، لأنها لا تستطيع المساعدة إلى الأبد. وهنا خشية كبيرة، من حدوث تشنُّج في الوسط المجتمعي، وظهور تسريح عمَّال بشكل خارج عن السيطرة يضع عراقيل في ساحة حكومة ماريو دراغي، مما قد يضطَّر الأخير عندئذ على الحديث عن نيته إستخدام نوع آخر من الأسلحة أقوى من البازوكا المالية التي إستخدمها لإخراج منطقة اليورو من أزمة هدَّدت وجودها.

فماريو دراغي حاكم مصرف أوروبا المركزي السابق، والمصرفي لدى «غولدمان ساكس» Goldman Sachs Group، صحيح أنه وصل إلى أرفع منصب في بلاده، لكنه لا يُحسد عليه، ولا سيَّما إذا كانت الخلافات السياسية لا تزال قائمة، وإستطاعت أن تُطيح بحكومته.

مازن حمود/ محلل إقتصادي ومالي/ باريس