ما هو دور قطاع التأمين في العالم

Download

ما هو دور قطاع التأمين في العالم

الدراسات والابحاث والتقارير

وما هي إتجاهاته المعاصرة؟

لا شك في أن لقطاع التأمين في العالم دوراً مهماً جداً في الحياة الإقتصادية والمالية، إذ يُعتبر العنصر الضامن والأساسي للخسائر التي تنجم عن خسارة الأشخاص بعينهم (التأمين على الحياة) أو الممتلكات (التأمين على الممتلكات) وحتى الحيوان وأي شيء آخر (التأمين على حيوان بعينه). من هنا يدخل عنصر التأمين في الحياة الإقتصادية للشعوب كعنصر لا مفرّ منه من أجل ضمان إستمرارية الأشخاص والحفاظ على أوضاعهم المالية. علماً أن التأمين في القرنين العشرين والحادي والعشرين، دخل حيّزاً مهماً في حياة البشرية ولا سيما إثر تداعيات الحروب الكونية أم الداخلية في البلد الواحد، فضلاً عن الحوادث الفردية التي يدخل التأمين في سياقها عاملاً أساسياً للتعويض على المؤمن له كالحرائق والسرقات، أو الحوادث الطبيعية كالزلازل والبراكين والطوفان وغير ذلك.

11 يناير/كانون الثاني 1759 هو اليوم الذي شهد تأسيس أول شركة تأمين على الحياة في الولايات المتحدة الأميركية على يد كهنة في فيلادلفيا؛ حيث حملت الشركة إسم «مؤسسة إغاثة الأرامل الفقيرات والمعاقات وأبناء كهنة الكنائس المشيخية». وظلت الشركة قائمة حتى العام 1988 حين تغيّر إسمها إلى «صندوق كهنة المشيخية» قبل أن تستحوذ عليها شركة Nationwide Mutual Insurance Company  في العام 2002.

إقتناص براءة الفكرة

وإذا كانت أميركا نجحت في إقتناص براءة فكرة التأمين لنفسها، فإن التاريخ يشير إلى أن بريطانيا شهدت تأسيس عدد من شركات التأمين المخصصة ضد الحريق. وكان ذلك في أعقاب حريق لندن الكبير في العام 1666. وبعدها بسنوات كثيرة، وفي ما يُعرف بـ «عصر الفقاعة»، ظهر العديد من شركات التأمين، لكن غالبيتها كان قائماً على الإحتيال والرغبة في الربح السريع عبر بيع أوراق الشركة المالية للعملاء. علماً أن «الفقاعة الإقتصادية» تحدث حين يزيد الطلب على سلعة أو منتج، فيزيد سعرها بشكل مبالغ فيه، ويؤدي إلى زيادة المضاربة عليها.

قانون حمورابي

إمعاناً في الإبحار في التاريخ، فإن فكرة التأمين قديمة قدم الإنسان. فالرغبة في حماية الأفراد من الأخطار رغبة فطرية. وبموجب «قانون حمورابي» الذي يعود إلى 1750 (ق.م)، كان التجار في بلاد بابل والصين يضعون بضائعهم على سفن مختلفة، لا سيما تلك التي تُبحر في بحور هادرة غادرة. وكان التاجر يُسدّد مبلغاً إضافياً من المال، إضافة إلى كلفة الشحن بموجب هذه الطريقة، فإن تعرّضت شحنته للسرقة يحصل على ما سدّده كاملاً. وكان هذا هو الشكل الأول الموثق من أشكال التأمين.

ويُحسب للإغريق والرومان أنهم أول من وضع المعالم الأولى لفكرة التأمين على الحياة والتأمين الصح، من خلال أشكال مختلفة من العمل الخيري الموجّه لأُسر المتوفين.

حماية النفس

الرغبة الفطرية في حماية النفس والممتلكات تحوُّلت عبر التاريخ  إلى مهنة وعمل وعمود إقتصادي متين، ولا سيما أن المسألة لم تعُد مجرّد وثيقة للتأمين على الحياة والممتلكات والصحة والتعليم، بل تحوّلت إلى مصدر للتمويل طويل الأجل الخاص والعام.

وبحسب «ستاتيستا»، (الشركة الألمانية المتخصصة في بيانات التسويق)، وصل حجم أقساط التأمين العالمية إلى ما يزيد على ستة تريليونات دولار في العام 2019، وهو ما يفوق قيمة الناتج المحلي الإجمالي لغالبية دول الأرض، بإستثناء الصين والولايات المتحدة. وقد شهدت الأعوام الأخيرة من العقد الثاني من الألفية الثالثة تغيّراً كبيراً في توجهات التأمين بالعالم.

تاريخياً، كان التأمين على الحياة يتربع على قائمة وثائق التأمين مستحوذاً على ما بين 55 % و60 % من السوق العالمية. لكن الوضع بدأ يتغيُّر في العام 2017 حين أفسح التأمين على الحياة المجال بشكل أكبر للتأمين على الممتلكات المادية، مثل البيوت والسيارات وأماكن العمل والممتلكات التقنية والقدرات الرقمية.

يُشير الخبراء إلى أن مزيداً من الرقمنة يعني كلفة أقل، مع إمكانية إستخدام «البيانات الضخمة» لتيسير إنشاء ملفات العملاء، وتقييم المخاطر وتحليل البيانات. لكن هذا يُعرّض البيانات في الوقت نفسه لخطر الهجمات السيبرانية، وهو ما يعني المزيد من الإنفاق للتأمين الرقمي.

بلغة الأرقام، تتربع شركة «بيركشاير هاذاواي» ومقرها الولايات المتحدة، على عرش شركات التأمين في العالم، بإيراداتها السنوية التي زادت على 250 مليار دولار في العام 2019. وتليها في التصنيف شركة «بينغ آن» الصينية ثم شركة «إي أكس إي» الفرنسية.

خصوصية عربية

عربياً، تركز أحاديث التأمين على الخصوصية، حيث إختلافات وخلافات واضحة في شأن التأمين على الحياة مقارنة ببقية العالم. الواقع يُشير إلى أن قطاع التأمين على الحياة ينقصه التطوير والتحديث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في دراسة أجراها البنك الدولي بعنوان «قطاع التأمين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» (2011) أظهرت أن قطاع التأمين عموماً، وعلى الحياة بوجه خاص، يعاني بطءاً، وأحياناً إنعدام التطوير. وتُرجع الدراسة ذلك إلى عوامل عدة منها عدم وجود تأمين إجباري في المجالات الرئيسة، وغلبة الشركات المملوكة من الدولة في عدد من الدول، وضعف النظام الرقابي، والقواعد الضريبية غير المناسبة، ونقص المهارات المهنية، إضافة إلى العوامل الثقافية.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن عوامل مثل نسبة الشباب المرتفعة في دول مثل مصر والأردن وتونس ولبنان، إضافة إلى الأوضاع الإقتصادية، وتدني الأجور وإرتفاع البطالة، تؤثر سلباً في نسبة الإقبال على التأمين على الحياة.

فتاوى وتجديد

بينما يحتفي العالم بمرور 262 عاماً على ظهور أول شكل حديث للتأمين، لا تزال فتاوى يتم تداولها تُفيد بأن التأمين على الحياة والممتلكات حرام شرعاً «لما فيه من الغرر والربا». (الغرر هو عدم اليقين أو الخطر أو الفرصة أو المخاطرة ويندرج تحت بند بيع ما هو غير موجود في الفقه الإسلامي). لكن ثمة جهوداً دينية حديثة ترمي إلى تجديد الخطاب وتنقيحه وفتح باب الإجتهاد ليُواكب الدين والمتديّنين العصر الحديث.

ويُمكن الإشارة هنا إلى فتوى صادرة عن دار الإفتاء المصرية مفادها، أنه لا مانع شرعاً من التأمين على الأشخاص، وأنه ليس في ذلك ما يُخالف الشريعة الإسلامية. وجاء في الفتوى نفسها أن «التأمين أصبح ضرورة إجتماعية، تُحتّمها ظروف الحياة للمحافظة على العمال بغرض تأمين حياتهم حالاً ومستقبلاً، وليس المقصود من التأمين الربح أو الكسب غير المشروع، وإنما هو التكافل والتضامن والتعاون في رفع ما يُصيب الأفراد من أضرار الحوادث والكوارث».

الإرهاب والتأمين

كارثة الإرهاب التي ضربت دولاً عدة أنعشت قطاع التأمين. وبحسب «الإتحاد المصري للتأمين»، فإنه رغم تقلّب موجات الإرهاب بين الزيادة والإنحسار، فإن طبيعة الإرهاب المتغيُّرة تتطلب جاهزية مستمرة لدرء هذا الخطر الذي يصعب توقع متى وأين يضرب.

ويُشير الإتحاد إلى أن شركات التأمين بذلت جهوداً كبيرة في السنوات الماضية لتطوير وتقديم حلول جديدة ومبتكرة للأفراد والجهات التي تواجه المخاطر الإرهابية سريعة التطور. ويرى الإتحاد أن سوق تأمين الممتلكات ضد مخاطر الإرهاب واعدة، حتى في أوقات إنحسار العمليات والجماعات الإرهابية، وذلك للطبيعة الديناميكية للإرهاب وإحتمالات ظهوره في أي وقت وبأشكال مختلفة.

جائحة «كوفيد-19»

شكلٌ معاصر من أشكال الإرهاب، الذي وُجد لدى القائمين على منظومة التأمين آذاناً صاغية، وعقولاً مفكرة، حيث المصلحة للجميع هي جائحة «كوفيد-19»، إذ إن العديد من شركات التأمين يتبارى في هذه الآونة في الترويج لمنتج تأميني جديد، سواء منفصل أو ضمن وثائق التأمين على الحياة التي باتت تشمل «كوفيد-19».

لكن في المقابل، قامت شركات أخرى بإستبعاد الأوبئة بشكل عام أو الوباء الحالي على وجه الخصوص من التغطية بوثائق التأمين، خوفاً من تكبدها خسائر لا قبل لها بها، ولا سيما في ضوء الإنتشار الحالي الكبير للوباء. وكان محللون تأمينيون قد حذروا من أن الجائحة الحالية قد تُعرّض شركات التأمين لخسائر كبرى لو لم تُستبعد الجائحة.

عجائب التأمين وغرائبه

بينما يحتفي العالم بمرور262 سنة على تأسيس التأمين، وقبلها مئات السنين على الجهود التأمينية الإبتكارية، تجدر الإشارة إلى غرائب وعجائب عالم التأمين. فهناك مَن يبحث ويجد وثائق تأمين للأصول المعنوية أو غير الملموسة مثل براءات الإختراع والعلامات التجارية وحقوق التأليف والنشر وتطبيقات البرامج وغيرها. وهناك وثائق تأمين ضد إلغاء المناسبات، لحماية المؤمن عليه من الشرور المالية جرّاء إلغاء المهرجانات والفعاليات الرياضية والفنية الكبرى. وهناك التأمين ضد الخطف والفدية، لا سيما في الدول التي ينتشر فيها خطف رجال الأعمال وأسرهم لطلب الفدية. وهناك وثائق تأمين على الحيوانات الأليفة، وعلى ولادة توائم بدلاً من طفل واحد، والمواهب، وسرقة الهوية على الإنترنت، وفساد الطعام في البرّاد لإنقطاع التيار أو عطب البرّاد نفسه.

ويشكل التأمين على أعضاء بعينها في جسم الإنسان موضوعاً دائماً ما يُثير شهيّة الإعلام ومتابعة الناس. فمن التأمين على الأصابع المصنّفة رقم أربعة ضمن الأفضل على العالم في العزف على الغيتار، وهي أصابع العازف البريطاني عضو فريق «رولينغ ستونز» كيت ريتشارد، إلى لسان غينارو بيليتشيا المتخصص في تذوق قهوة «كوستا»، إلى حنجرة العندليب عبد الحليم حافظ.

وكما هو متوقع، فإن أجزاء أخرى من الجسم تحظى بعناية فائقة لأنها تمثل رأس مال صاحبها أو صاحبتها. التأمين على الصدر منتشر بين فنانات وعارضات مثل العارضة هولي ماديسون، والفنانات تينا تيرنر ودوللي بارتون ومادونا. وهناك التأمين على المؤخرات وأشهرهن كايلي مانوغ وجنيفر لوبيز. وهناك التأمين على السيقان وأشهرهن ماريا كاري وريانا. أما التأمين على الإبتسامة فتتربع على القائمة الممثلتان جوليا روبرتس وأميركا فيرارا.

أمثلة عن التأمين في بعض الدول ملايين البريطانيين فقدوا التأمين على منازلهم

واجه عدد من الزبائن خطر إبطال مفاعيل بوليصة التأمين الخاصة بهم عند تغيير التوجيهات الحكومية إعتباراً من مطلع أغسطس/آب 2020.

في هذا السياق، واجه ملايين البريطانيين خطر إلغاء بوالص التأمين على منازلهم، إذا ما قرّروا مواصلة العمل منها بعد مطلع شهر أغسطس (آب) 2020، عندما مضت حكومة المملكة المتحدة في تخفيف مزيد من إجراءات الإغلاق (الحجر)، بغية تشجيع الناس على العودة إلى المكاتب.

وقد تبيّن من خلال بحثٍ إستقصائي أُجري في بريطانيا، أن نحو 26 % من الأفراد، خطّطوا لمواصلة العمل من منازلهم على نحو دائم أو شبه دائم، مع رفع الحكومة قيود الإغلاق الذي فرضه تفشّي فيروس كورونا، لكن النتائج أظهرت في المقابل أن 7 أشخاص من كلّ 10 لا يعرفون أن عليهم إبلاغ الشركة التي تقدّم لهم خدمة التأمين، بالتغيير الذي طرأ على ظروفهم. ويصل عدد الذين قد يتأثّر التأمين على منازلهم بعد الأول من أغسطس (آب) إلى 9 ملايين و700 ألف شخص.

وإضافةً إلى ذلك، أشارت الدراسة إلى أكثر من نصف عدد زبائن شركات التأمين، وقعوا في حيرة من أمرهم أمام الطريقة التي يمكن أن يؤثّر بها عملهم من المنزل في بوليص%