مشروع عربي موحّد لنشر الثقافة المالية لدى الطلاب العرب في المرحلة التعليمية الثانوية

Download

مشروع عربي موحّد لنشر الثقافة المالية لدى الطلاب العرب في المرحلة التعليمية الثانوية

الندوات والمؤتمرات
كلمة عدد ملف الشمول المالي 442

مشروع عربي موحّد لنشر الثقافة المالية لدى الطلاب العرب

في المرحلة التعليمية الثانوية

كشفت الأزمة المالية العالمية الأخيرة الستار عن خلل هيكلي تنظيمي في القطاعين المالي والمصرفي العالميين؛ فبعد ما يزيد على 700 عام منذ ظهور أول بنك في العالم، نجد أكثر من نصف البالغين في العالم مستبعدين مالياً، ويعملون خارج نطاق النظام المالي الرسمي.

كما برز تعاون كبير بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية في ما يتعلق بإستخدام الخدمات المالية الرسمية، وبما يزيد على النصف، كما ويختلف مستوى الإشتمال المالي بشكل كبير بين البلدان نفسها، وتعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأفريقيا عموماً وجنوب الصحراء الكبرى من أعلى نسب العالم في الإستبعاد المالي، كما وتتفاقم المشكلة بين الجنسين، والفئات العمرية والمناطق الجغرافية في البلد الواحد.

لقد تصدر موضوع الإشتمال المالي جداول أعمال السياسات الدولية، نظراً للعلاقة القوية بينه وبين تحقيق التنمية المستدامة، كونه مساهم كبير في الحد من الفقر ومكافحته، وتحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية والإستقرار المالي، بإعتبار أن التحديات المالية ترتبط إرتباطاً وثيقاً بأداء الإقتصاد وتؤدي دوراً في كفاءة الأسواق ولكافة القطاعات بما في ذلك الأفراد.

وعلى الرغم من كثرة الجامعات والمعاهد في العالم العربي والتي تدرّس إدارة الأعمال والشؤون المالية والمحاسبة وغيرها من الأمور المتعلقة بالأموال، فإنها في الغالب تدرس في المراحل الجامعية أو بعد الثانوية العامة ، ولا يوجد برامج أو مناهج تعلم الطلاب الثانويين كيفية الإدخار أو التصرف بالأموال.

حيث من الملاحظ أن ثمة تغييراً في التفكير آخذ في الإنتشار ليعم منطقة آسيا بأسرها، وأصبحت «الثقافة المالية – Financial Literacy» يوماً بعد يوم أكثر أهمية وحسماً، في الوقت الذي يتزايد فيه تطور وتعقيد الأسواق المالية وإحتياجها للكفاءات والمهارات المالية، وفي الوقت الذي تنتقل فيه مسؤولية الأمن المالي من الحكومات وأرباب العمل إلى المستهلكين، وفقاً لما ورد في تقرير منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية (OECD)، حيث تعتبر أن الحاجة إلى التعليم المالي أو الثقافة المالية، بشكل خاص،أصبح عامل ضغط في الأسواق الناشئة. ولا يغيب عنا شعار التربية على التنمية المستدامة الذي أطلقته منظمة الأونيسكو شعاراً للعقدالحالي، وما للبعد الإقتصادي من أهمية في تحقيق هذه التنمية.

فمن خلال المدارس الثانوية، وخصوصاً الأساتذة المختصين يمكن تأمين الثقافة الإقتصادية والمالية للمتعلمين، ونقل مفاهيم إقتصادية معقدة، وإستعراض النظم والبنى التي تحكم إقتصاديات الأفراد والجامعات والدول، والتحولات الكبرى التي تشهدها أسواق العمل والأسواق الإقتصادية في ظلّ العولمة وتأثيراتها.

ولأن الثقافة المالية أصبحت ضرورة من مهارات الحياة الضرورية، يسعى إتحاد المصارف العربية إلى تعميق الوعي لدى الأجيال العربية القادمة حول الثقافة المالية بكل مندرجاتها، إنطلاقاً من أنّ الظروف والتغيرات التي مرّت وتمرّ في منطقتنا العربية، ومستوى عدم الإستقرار الإقتصادي والبطالةتستوجب توفير التوعية المالية للمزيد من الشباب، وإشراكهم في النظام المالي، وتوعيتهم حول ملامح الإقتصاد الجديد، بإعتبار أنّ هؤلاء الشباب هم المستقبل، وهم الذين سيتحملون مسؤولية تعزيز إقتصادات بلدانهم بطريقة مستدامة، ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون سياسات التعليم المالي والشمول المالي المخصّصة للشباب.

وإنطلاقاً من هذا الواقع، فقد أعدّت إدارة البحوث والدراسات في إتحاد المصارف العربية دراسة شاملة عن واقع الشمول المالي في المنطقة العربية، وخصوصاً جانب التثقيف المالي، والتي تؤكد ضرورة إعطاء هذا الجانب الأهمية القصوى لتعميق الوعي المصرفي لدى الشباب في منطقتنا العربية، حيث تشكل هذه الدراسة المعززة بالمصادر والأرقام الموضوعية والشفافة، منطلقاًلمشروع عربي شامل لتعزيز الثقافة المالية لدى الشباب العربي.

أولاً- الشمول المالي في المنطقة العربية

وفقاً لصندوق النقد الدولي، لا تزال المنطقة العربية تسجلّ إحدى أدنى المستويات في العالم فيما يخصّ الشمول المالي، حيث إن 18% فقط من السكان في المنطقة امتلكوا حسابات مع مؤسسات مالية عام 2014 (وهي آخر بيانات متوفرة)، مقارنة مع 43% في البلدان النامية، و24% في دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتنخفض هذه النسبة الى 13% عند النساء.

كما تشير أرقام مؤشر تعميم الخدمات المالية العالمي 2014 إلى أن المنطقة العربية، بإستثناء دول الخليج الست، تسجل أعلى نسبة من البالغين المستبعدين من الخدمات المالية، حيث إن 80% من السكان أو ما يعادل نحو 200مليون نسمة ليس لديهم حساب مصرفي.

وبحسب صندوق النقد العربي،إن الدول العربية باستثناء دول الخليج، هي الأكثر حرماناً من الخدمات والمنتجات المالية على مستوى العالم حيث لم تتجاوز نسبة الشمول المالي في الوسط العربي 21%-29% عام 2016، وامتلك نحو 30% فقط من السكان البالغين معرفة مالية مناسبة، وهذه النسبة أقل من المتوسط العالمي البالغ 34%.

وفي حين تصل الفجوة في نسب الوعي المالي بين الرجال والنساء 5% في العالم، ترتفع إلى 8% على مستوى الدول العربية. وتشير الإحصاءات إلى أن 93% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً في المنطقة العربية لا يمتلكون حسابات مصرفية في أية مؤسسة مالية رسمية، وهو أدنى معدل في العالم.

وتجدر الإشارة إلى الفروقات الواسعة بين الدول العربية في ما يخص الشمول المالي، ففي العام 2014، على سبيل المثال كانت نسبة ملكية الحسابات مرتفعة بشكل ملحوظ في الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت بحوالي 83%، و82%، و73%، على التوالي. في المقابل، سجّل الشمول المالي نسباً منخفضة في اليمن، والصومال، والعراق بحوالي 6%، و8%، و11%، على التوالي.

لذلك، تُقسم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولي تشمل دول مجلس التعاون الخليجي الست وهي دول ذات معدلات شمول مالي مرتفعة حيث تفوق نسبة ملكية الحسابات في هذه الدول المعدل العالمي البالغ 62%. المجموعة الثانية تشمل كل من لبنان والأردن وفلسطين ودول المغرب العربي (المغرب والجزائر وتونس)، وهي دول ذات معدلات شمول مالي متوسطة تتراوح بين 24%-62%. وتتضمن المجموعة الثالثة كل من مصر والعراق واليمن والسودان وجيبوتي وموريتانيا والصومال، وهي دول ذات معدلات شمول مالي أقل من 24%، وهو متوسط دول إفريقيا جنوب الصحراء.

تشكل فئة الشباب نسبة عالية من المجتمعات العربية، لكنها تواجه عوائق رئيسية تحول دون استفادتهم من الخدمات المالية والمصرفية. فمن المتعارف عليه أن المؤشر المعتمد لقياس نسبة الشمول المالي هو ملكية الحسابات في مؤسسات مالية رسمية كنسبة من البالغين فوق سن الـ15 عاماً. ولكن تجدر الإشارة إلى أن غالبية الشباب في الدول العربية لا يتمتعون بإستقلالية مالية قبل عمر الـ25، كما أن الشباب دون سن الثامنة عشرة لا يمكنهم فتح حسابات مصرفية خاصة بهم وإدارتها، الأمر الذي يفسّر تدني معدلات الشمول المالي في معظم الدول العربية بإستثناء دول الخليج. يُظهر الجدول رقم 2 إرتفاع مؤشر ملكية الحسابات في الدول العربية بشكل ملحوظ عندما يُحسب كنسبة من البالغين فوق سن الـ25 عاماً.

ثانياً – التثقيف المالي

عرَّفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التعليم المالي بأنه العملية التي يقوم من خلالها المستهلكون والمستثمرون الماليون بتحسين إدراكهم للمنتجات المالية والمفاهيم والمخاطر المالية وذلك من خلال المعلومات والإرشادات، وتطوير المهارات والثقة ليصبحوا أكثر وعياً بالمخاطر والفرص المالية واتخاذ قرارات مدروسة ومعرفة إلى أين يذهبون للحصول على مساعدة وذلك لاتخاذ قرارات فعالة أخرى لتحسين أوضاعهم المالية.

كما عرَّفت المنظمة الدولية لمالية الأطفال والشباب التثقيف المالي بأنه عملية توفير توجيهات ومواد تعليمية مصممة لزيادة المعارف والمهارات المالية لدى الأطفال والشباب.

وعليه، فإن التثقيف المالي هو مزيج من الوعي والمعرفة والمهارات والمواقف والسلوك الضروري لاتخاذ قرارات مالية سليمة وذلك لتحقيق الرفاهية المالية للأفراد. ويُعد التعليم المالي هو العملية التي يتم من خلالها توفير المواد اللازمة للأفراد للوصول إلى التثقيف المالي، وذلك بهدف زيادة الوعي المالي والوصول إلى الرفاهية المالية للأفراد، أي أن التثقيف المالي هو نتيجة لعملية التعليم المالي.

وقد تعاظمت أهمية التثقيف المالي بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث أظهرت هذه الأزمة عواقب عدم وجود ثقافة مالية لدى غالبية المتعاملين مع المصارف والمؤسسات المالية. وهذا الأمر دفع الكثير من الحكومات والمصارف المركزية حول العالم إلى وضع استراتيجيات قومية للتثقيف المالي أو التعليم المالي.

ثالثاً – التثقيف المالي في المنطقة العربية

أظهرت دراسة حديثة للبنك الدولي حول الثقافة المالية للبالغين، مستويات متواضعة في الثقافة المالية في معظم الدول العربية. وبالنسبة للثقافة المالية للبالغين، فقد كانت نسبة البالغين الذين لديهم ثقافة مالية كما يلي:

45% في تونس

44% في الكويت ولبنان

40% في البحرين

38% في الامارات العربية المتحدة

33% من البالغين في الجزائر وموريتانيا

31% في السعودية

27% في مصر والعراق

25% في فلسطين

و24% في الأردن

21% في السودان

و13% في اليمن.

ودون شك، فإن للتثقيف المالي أهمية كبيرة لعدة أسباب منها:  

زيادة عدد المنتجات والخدمات المالية وتعقيداتها.

تحول المخاطر وزيادة المسؤولية على الأفراد.

زيادة الطلب على المنتجات والخدمات المالية الناتجة عن التطور التكنولوجي. 

لتعزيز المعرفة المالية والتعامل مع الحسابات أثر إيجابي على إدارة المشروعات الصغيرة، والمتناهية الصغر.

يؤثر التثقيف المالي بشكل مباشر على تحفيز مقدمي الخدمات المالية على تطوير المنتجات والخدمات المالية.

وفي هذا المجال، يعمل إتحاد المصارف العربية ضمن إستراتيجية جديدة مخصّصة لهؤلاء الشباب، تهدف لإدخال مادة التثقيف المالي للمرحلة الثانوية ضمن منهاج التعليم الرسمي والخاص في الثانويات العربية الذي تعتمده وزارات التربية والتعليم. وذلك، بإضافة مادة التثقيف المالي ضمن المنهج الدراسي، تتضمّن مادة نظرية وأعمال تطبيقية،وصولاً إلى توعية هذه الشريحة في المجتمع على طبيعة العمل المصرفي ودوره في التنمية الإقتصادية، وإعدادها للإندماج بوعي وإدراك مع الدورة المصرفية، وتنمية قدراتهم في هذا المجال لتمكينهم من شق طريقهم في الحياة العملية بمهارات أساسية لإدارة مداخيلهم، وتحفيز تفكيرهم وعلاقاتهم بالأمور المالية وإدارة أموالهم، وكيفية تحديد الميزانية وكيف يؤسسون عملاً ويؤمّنون التمويل المستدام، وكيف تتم إدارة الأموال وتنميتها بأقلّ كلفة، وكيفية التعامل مع البنوك وأهمية الضريبة وعدم التهرب منها بدءاً بفتح الحساب، وصولاً إلى عمليات التمويل، وخصوصاً بما يتعلّق بتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة للشباب العربي.

ولهذه الغاية، يعمل إتحاد المصارف العربية، مع فريق من الخبراء لوضع المادة التعليمية للثقافة المصرفية وبرنامج تدريسها في المراحل الثانوية الثلاث، وعرضها على وزارتكم الموقرة، مع إستعدادنا الكامل للتعاون في تدريب الأساتذة الذين سيتولون تدريس المادة، والإشراف الدائم لتعميق ثقافة هؤلاء الأساتذة بشكل دوري وكلّما دعت الحاجة.

ولا بدّ أن يسبق هذه المرحلة، تقييم مدى معرفة هؤلاء الشباب بالثقافة المالية، لذلك سيتم تعميم إستمارة تقييم على شرائح الطلاب تتضمن مجموعة من الأسئلة نستطيع من خلال الأجوبة عنها تقييم مدى إهتمام هؤلاء الطلاب بالثقافة المالية والإمكانات التي توفرها لهم، وهذا ما يساعد إلى حدّ كبير في تحديد البرنامج العلمي الذي يساعدهم على توسيع آفاقهم في هذا المجال.

وستكون هذه الإستمارة موحدة وعامة إلى جميع طلاب المرحلة الثانوية في منطقتنا العربية.

إن طموح إتحاد المصارف العربية يتمثل بمساعدة الطلاب والشباب على إكتساب المعارف الإقتصادية والمالية، وهم بعد على مقاعد الدراسة وليس بعدها، وهذه المعارف تسهل لهم قراءة الوقائع بشكل علمي وتقويم الفرص سواء أكانت فرص عمل أو إستثمار، بموضوعية وتجرد، وإتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم ومستقبلهم في ضوئها.

كما أن طموحنا يتمثل بجعل الإقتصاد والمال ثقافة سهلة متاحة للجميع مرتبطة إرتباطاً بحاجات الشباب ومن خلال الوسائط المحببة إليهم كالوسائل السمعية والبصرية وغيرها، ونحن ندرك أننا بذلك نساهم في تدعيم المواطنة الذكية.

نحن ندرك دورنا كإتحاد للمصارف العربية ونحاول إستثمار أي فرصة للمشاركة في بناء الإنسان في منطقتنا العربية، ولأن العلم هو ثروة المجتمعات العربية، فمن واجبنا أن نسهر على هذا المستوى ونسعى إلى تحقيقه.

إنّ إتحاد المصارف العربية، يسعى من خلال هذه المبادرة إلى إدخال الثقافة المصرفية في صلب البرامج الثانوية، إنطلاقاً من الدور الإقتصادي والإجتماعي الذي تقوم به المصارف في مجتمعاتنا العربية، وخصوصاً في مجال خلق الوظائف والحاجة الدائمة للمصارف في تجديد كادراتها، إضافة إلى الدور الفاعل في تعزيز الشمول المالي ومكافحة الأميّة المصرفية.

آملين أن تلقي هذه المبادرة تجاوباً لدى السلطات المعنية ، ونحن على إستعداد للتنسيق والتعاون لوضعها حيّز التنفيذ.

دراسة أعدتها الأمانة العامة لإتحاد المصارف العربية