«منتدى دافوس».. بدء تغيير خريطة إستراتيجياته الإقتصادية عالمياً

Download

«منتدى دافوس».. بدء تغيير خريطة إستراتيجياته الإقتصادية عالمياً

الندوات والمؤتمرات
العدد 435

شكّل إفتتاح «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي إنعقد في دورته الـ47، في مدينة دافوس، سويسرا، مطلع عام 2017، منصة مناسبة لإعلان الحقيقة التي يعرفها العالم منذ فترة طويلة من دون أن يجرؤ أحد على الإفصاح عنها على نحو مباشر وموسع، وملخصها «أن خريطة العالم الإقتصادية تغيّرت».

ينعقد المنتدى الإقتصادي العالمي في بلدة دافوس السويسرية، منذ نحو 50 عاماً، ويحضره مسؤولو شركات ورؤساء حكومات وسياسيون وفنانون، أي نخبة مناصرة عموماً للتبادل التجاري الحر في جميع أشكاله.

وفي الوقت الذي سجلت فيه القوتان الإقتصاديتان الكبريان (الولايات المتحدة الأميركية والصين)، على مستوى العالم موقفيهما من عالم الغد بكل وضوح، بدت القوى التقليدية الأخرى، وعلى رأسها أوروبا، في موقف المتابع الذي ينتظر مزيداً من دراسة الموقف وحساب المكاسب والخسائر حتى يحدد معسكره من المعركة الاقتصادية المقبلة، رغم أن جميع الأطراف تتنصل من أنها تسعى إليها وتحذر منها.

الصين: لا لسياسات الحماية التجارية

في كلمته الإفتتاحية للمنتدى، الذي حضره نحو 3 آلاف من قادة العالم الإقتصاديين والسياسيين، حذر الرئيس الصيني تشي جينبينغ، جميع الدول المشاركة، من العودة إلى «سياسات الحماية التجارية»، مشبّهاً هذه السياسات «كمن يحبس المرء نفسه في غرفة مظلمة لكي يحمي نفسه من

الخطر،لكنه يحرم نفسه داخل الغرفة في الوقت عينه من النور والهواء»، مشيراً إلى «أن كثيرين باتوا يرون العولمة مصدراً للمتاعب، لكن المشكلات العالمية لم تتسبّب بها العولمة»، مؤكداً»أن السعي المفرط وراء الأرباح وليس العولمة، هو ما تسبّب في الأزمة المالية العالمية».

وحث جينبينغ، الذي يُعد أول رئيس صيني يزور المنتدى الاقتصادي الأبرز عالمياً «دافوس»، دول العالم على «ألاّ تحمي مصالحها الخاصة على حساب مصالح الآخرين»، مشدّداً على أنه «يجب أن نبقى متمسكين بتطوير التبادل الحر والإستثمارات خارج الحدود الوطنية، وأن نقول لا للحمائية»، مؤكداً أنه «لن يخرج أحد فائزاً من حرب تجارية»، مشدداً على «أن «الصين ستُبقي بابها مفتوحاً ولن تُغلقه»، موضحاً»أن بلاده تؤيد إبرام إتفاقات تجارية منفتحة وشفافة ومفيدة لجميع الأطراف»، داعياً الدول الأخرى إلى «عدم إلقاء اللوم على الآخرين حين تواجه صعوبات»، مشيراً إلى «أن بلاده لن تُخفّض سعر صرف عملتها اليوان، أو تبدأ حرباً تجارية»، مشدداً على ضرورة «إعادة توازن في العولمة، من أجل جعلها أقوى وأكثر شمولية واستدامة»، وقال: «لا يُفيد أحداً إلقاء المسؤولية على العولمة في كل مشكلات العالم».

أخيراً في الشق المتعلق بالمناخ، شدد جينبينغ على «أن اتفاق باريس حول المناخ يُشكل انتصاراً تحقق بصعوبة»، داعياً كل الموقعين «إلى الإلتزام به».

دفاع عن رؤى ترامب

في السياق عينه، أكد عضو في الفريق الإنتقالي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أنتوني سكاراموتشي، «أن لدى الصين وأميركا مصالح مشتركة وعلاقات قوية»، موضحاً «أن ما تُريده الإدارة الأميركية الجديدة هو تجارة حرة وعادلة»، موضحاً «أن أميركا سمحت بـ»تدفق حر» للبضائع والسلع الآتية إليها، فيما سمحت في الوقت عينه أيضاً للآخرين بمنع دخول سلعها إلى أسواقهم، في محاولة منها لمعاونة الدول الأخرى على تحسين أوضاعها الإقتصادية».

وأوضح سكاراموتشي «أن تلك السياسات الأميركية خلال أكثر من 70 عاماً نجحت في تحقيق أهدافها، ومنعت حدوث تضارب مصالح عالمي، وعليه، فقد كان دور الولايات المتحدة كبيراً في وضع أسس الإتفاقات التجارية والمفاهيم العالمية للتجارة الحرة. لكن الإدارة الأميركية الجديدة ترى أنها في واقع الأمر «حرة من غير توازن أو عدالة»، نتيجة النقاط السابقة». وقال: «إن كل ما يريده الرئيس ترامب وإدارته هو إعادة التوازن لطرفي هذه العلاقات، حيث إن هذه السياسة أضرّت بإقتصاد أميركا».

وأفاد سكاراموتشي «أن الإتفاقات التجارية الأميركية مع دول عدة أدّت إلى شطب وظائف في قطاع الصناعة وتآكل الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة»، مشيراً إلى «أن الإدارة الأميركية الجديدة تريد أن تُحقق مزيداً من الأرباح من خلال علاقاتها التجارية مع الدولة الآسيوية العملاقة»، وقال: «إن الولايات المتحدة، ولا سيما الإدارة الجديدة – لا تريد خوض حرب تجارية»، مؤكداً «أن الولايات المتحدة ترغب في علاقة ثنائية متميزة مع بيجينغ، إذ نسعى إلى علاقات تجارية حرة وعادلة لا متفاوتة».

مستقبل الإقتصادات العربية في ظل التكنولوجيا

في سياق منتدى الإقتصاد العالمي في «دافوس»، خُصّصت جلسة مستقلّة عن مستقبل الإقتصادات العربية في ظل التحديات التي يطرحها ما يُعرف بـ «الثورة الصناعية الرابعة»، وعصر التكنولوجيا و«الأتمتة» الذي بدأ يفرض واقعاً جديداً في المنطقة والعالم.

وشارك في هذه الجلسة، رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد، ووزير التجارة والصناعة المصري طارق قابيل، والرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات السعودية خالد بياري، والرئيس التنفيذي لشركة تطبيقات «بلوك تشين» بيتر سميث.

وقد أجمع المشاركون في هذه الجلسة، على ضرورة تهيئة الإقتصادات العربية لإستيعاب الطفرة التكنولوجية الحالية، التي تهدد آلاف الموظفين والعمال، إن لم يكن ملايين، بترك وظائفهم وتحويلهم عاطلين عن العمل. وإتفق المشاركون على أن الطريقة الأنسب للإستفادة من هذه الطفرة في تنمية الاقتصادات الوطنية، دون تهميش الوظائف التقليدية وإخراج آلاف عمال المصانع وموظفي الإدارات من أعمالهم، هي عبر تطوير وإصلاح ثلاثة جوانب أساسية، هي: البنية التحتية، والتعليم والمهارات، والقوانين التنظيمية.

الإصلاحات الإقتصادية السعودية

من جهته، أكد وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، في سياق منتدى «دافوس»، «أن الإقتصاد السعودي هو الأكبر في الشرق الأوسط، إذ يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي الـ 1.6 تريليون ريال، كما نتمتع بعملة مستقرة، وبنية تحتية قوية رغم بعض الثغرات»، مشيراً إلى «أن أعمار 70 % من السعوديين لا تتجاوز 25 سنة مما يؤهل المملكة الحصول على قوة إنتاجية بارزة يستفيد منها القطاع الخاص».

أما عن «رؤية 2030»، فأوضح الفالح أنها «رؤية تحويلية، لا تهدف إلى إضعاف صناعة النفط أو تقويض تطويرها، لأننا واثقون بأن العالم سيحتاج إليها، إنما إلى تنويع الإقتصاد، عبر تعزيز قطاع المعادن والخدمات والسياحة والقطاع المصرفي وغيرها»، مؤكداً «أن المملكة ستصبح منصة لتسهيل مرور البضائع والخدمات إلى بقية أنحاء منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أنها تتمتع بموقع جغرافي متميز يصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويتمركز في قلب الشرق الأوسط».

عام 2017 يشكل تحدياً للمرأة المصرية

بدورها شاركت وزيرة التعاون الدولي الدكتورة سحر نصر، في الجلسة الخاصة في منتدى البرلمانيات ومجلس قادة العالم من النساء، في سياق منتدى «دافوس»، وقد عرضت نصر في كلمتها وضع المرأة المصرية، مؤكدة «أهمية دورها في تحقيق تنمية إقتصادية وإجتماعية شاملة، والقضاء على التطرف والإرهاب من خلال تنشئة جيل واعٍ محب لوطنه».

وأشارت الوزيرة نصر إلى «أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، داعم للمرأة ويُدرك جيداً أهمية دورها لذلك أعلن 2017 عاماً للمرأة، وهو ما يشكل تحدياً يُواجه المرأة المصرية نفسها ثم الدولة»، لافتة إلى «ضرورة أن تُدرك المرأة تنمية قدراتها والإلتحاق بالدورات التدريبية والتثقيفية للإرتقاء بقدراتها وأفكارها وإظهار إبداعاتها في المجالات المختلفة، وهنا يأتي دور الدولة في توفير تلك البرامج التدريبية والتثقيفية، والتمويلية للمرأة في مختلف المحافظات».

وأوضحت نصر، «أن وزارة التعاون الدولي تعمل على التمويل اللازم للمشروعات التي تدعم المرأة المُعيلة في مختلف القرى والمحافظات وخصوصاً الأكثر إحتياجاً، مثل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر التي تُساهم في تمكين المرأة إقتصادياً وإجتماعياً على حد سواء، وتُوفر لها فرصاً متساوية في سوق العمل»، مؤكدة»أن الدولة نفّذت العديد من المبادرات والسياسات المهمة التي من شأنها القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وقد إستهدفت في الأساس إيجاد إطار مؤسسي ملائم يسمح بمواجهة الفجوات النوعية، ودعم مشاركة المرأة في عملية التنمية، إضافة إلى تحقيق إصلاح تشريعي، يهدف أولاً إلى تغيير القيم والمفاهيم المجتمعية المؤثرة على المرأة وتفعيل دورها».

وخلصت الوزيرة نصر إلى»أن المرأة عموماً، والمهمّشة والمعيلة خصوصاً، تحظى بكافة أوجه الرعاية والمساندة حتى تتمكن من أداء دورها نحو وطنها. لذا نص دستور مصر الجديد على تخصيص 13 ألف مقعد للمرأة في المجالس المحلية، و70 مقعداً في البرلمان، وأكد حقها في تولي المناصب العليا والقضائية».

خلاصة التقرير النهائي

أظهر تقرير النمو الشامل والتنمية لعام 2017 الصادر عن «دافوس»، أن مصر (الواقعة في المنطقة العربية) حققت تقدماً في مجموعة من المجالات، إذ تم تصنيف مصر ضمن أفضل 20 دولة في مجال مكافحة الفساد، ووجود قيادة سياسية داعمة وملتزمة بتحقيق التنمية الشاملة المستدامة.

في المقابل، حققت مصر مستويات منخفضة في التعليم ووجود عمالة منتجة، كما تم ترتيب مصر ضمن أسوأ 20 دولة فى مجال الاستثمارات وبيئة الأعمال والوساطة المالية، وهو ما أثّر على ترتيب مصر الكلي، فجاء ترتيبها في المركز الـ73 من إجمالى 79 دولة المصنّفة ضمن مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض. وقد حققت مصر معدلات مرضية في ما يخص توفير البنية والخدمات الأساسية من بينها الخدمات المرتبطة بالصحة.

وأكد التقرير «أن الإصلاحات الاقتصادية التي إتخذتها مصر لن تكفي للإسراع بمعدّلات النمو دون زيادة حقيقية فى معدلات الإستثمار وشمول الوساطة المالية لتشمل قطاعات أوسع من المصريين»، مشيراً إلى «أن نسبة الفقر في مصر تُمثل نحو 27 %، إذ إرتفعت نتيجة قرار تعويم سعر الصرف إلى جانب تطبيق ضريبة القيمة المضافة».

وخلص التقرير إلى «أن الدول التي إستطاعت أن تبني طبقة متوسطة قوية، وتُقلّل من مستوى الفقر، وتُخفّض التهميش الاجتماعي، هي الدول التي نجحت بعد ذلك في بناء مؤسسات إقتصادية مؤثرة بالتوازي، مع وضع سياسات إقتصاد كلّي فاعلة تدعم تحقيق الإصلاح والتنمية الإقتصادية الشاملة والمستدامة.

وقد شمل التقرير 109 دول مقسّمة إلى مجموعتين: الأولى للإقتصادات المتقدمة، والأخرى للدول متوسطة ومنخفضة الدخل. علماً أن التقرير إعتمد على 140 مؤشراً إحصائياً لتحليل ومقارنة ما تم تحقيقه في القطاعات التي يتناولها التقرير بهدف تحديد ما تم إنجازه لتحقيق التنمية الاقتصادية والشمول الاجتماعي. كذلك يُعد التقرير أداة إسترشادية جيدة للأداء الاقتصادي، وإطاراً يضم 7 قطاعات رئيسية و15 مجالاً فرعياً يتم من خلالها تحديد العوامل الهيكلية التي تؤثر على وجود مشاركة مجتمعية تُسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والإستفادة من عائداته.