منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية وصندوق النقد الدولي بين التفاؤل النسبي

Download

منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية وصندوق النقد الدولي بين التفاؤل النسبي

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 481- كانون الأول/ديسمبر 2020

منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية وصندوق النقد الدولي

بين التفاؤل النسبي والحذر لإقتصاد 2021 العالمي

بعد عام 2020 أقل ما يُمكن أن يُقال عنه إقتصادياً بأنه كارثي بإمتياز، تاركاً بصماته في كل موقع وكل قطاع، وفي كل مستويات طبقات المجتمع والمؤسسات المنتجة، نتيجة تداعيات الأزمة الصحية العالمية، وعليه فقد عرض كلٌ من صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الإقتصادية OECD، رؤيته للمشهد الإقتصادي العالمي للعام 2021، رؤية لا يُمكن أن تكون مستقلة عمّا قد تتركه الموجة الثانية من الوباء «كوفيد – 19» من أثر على القطاعات الإقتصادية المتضررة، أكثر من الموجة الأولى، هذا إذا توقفت الأمور هنا، ولم يشهد العالم موجة ثالثة ورابعة من فيروس كورونا المتحول.

 توقعات منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية OECD عن العام 2021:

إنطلقت المنظمة في توقعاتها من طرح اللقاحات ضد الوباء في الأسواق، الأمر الذي يُخفف من عدد الإصابات في المستقبل، وبالتالي يُخفف من تداعيات الجائحة على البيئة وعلى الإقتصاد، وإنطلقت التوقعات أيضاً من سيناريو يُركز على تعافي الإقتصاد الصيني الذي سيكون سنداً للإقتصادات الكبرى الأخرى بما في ذلك الإقتصاد الأميركي.

 وبحسب OECD، فإن الإقتصاد العالمي وكمعدل وسطي، قد يُسجل نسب نمو في 2021 بمعدل 4,2 %، بعد إنكماش برقم مماثل عام 2020، إنكماش أقل بقليل من نسبة متوقعة سابقاً (-4,5 %). المنظمة أعادت النظر أيضاً بنسبة النمو الإيجابي عام 2021 من 5 % إلى 4,2 % بسبب بروز الموجة الثانية من الوباء التي تجتاح العالم منذ نهاية الصيف، والتي ضربت جزءاً كبيراً من أوروبا والولايات المتحدة أكثر من غيرها.

منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، ورغم تفاؤلها المتراجع بالأرقام، لا تنكر أننا لا نزال أمام أزمة غير مسبوقة، وتعبر مطبّات متفاوتة العمق، أو تعتبر أنه على السياسيين فعل الكثير أيضاً لتجنّب الأعظم، وللمحافظة على بصيص أمل وخصوصاً أنه للمرة الأولى منذ بدأت الجائحة، تتضح الرؤية نحو مستقبل أفضل، وتُفضل منظمة OECD أن ترى الجانب الإيجابي بنصفه وليس بأكمله، لأن الحيطة من الآتي تفرض ذلك.

العامل الثاني الذي لفتت المنظمة إليه، وفق توقعاتها، هو عودة العافية للإقتصاد الصيني قبل غيره، وذلك لسبب أن هذا الإقتصاد هو الوحيد من بين الإقتصادات التي تتتبع المنظمة تطوره والذي قد يُسجل نسبة نمو إيجابية بمعدل 1,8 % عام 2020، قبل أن يسرع في أدائه الإيجابي ويسجل نمواً بنسبة 8 % في 2021.

هذا الإنتعاش العالمي المتوقع عام 2021 والمرهون بتعافي الصين التي كانت إحدى مدنها مصدر الفيروس، والتي تأثر إقتصادها قبل باقي الإقتصادات بها، يخفي حقائق وأرقاماً إقتصادية متفاوتة، والناتج المحلي الإجمالي لدول عدة على لائحة دول المنظمة، قد لا تعود لنموها في 2022 الذي كانت تتمتع به قبل الأزمة الصحية العالمية. ومن هنا فإن مساهمة إقتصادات مثل الولايات المتحدة وأوروبا في الإقتصاد العالمي، قد لا تعكس قدرة هذه الجهات الحقيقية من دون أزمة، أو قد لا تعكس وزنها الحقيقي في الإقتصاد الدولي.

أضف إلى ذلك، فإن هذه الإقتصادات وغيرها لا تزال تدعم قطاعاتها المتضررة من الموجة الأولى للوباء، ولم تصل بعد إلى قعر المساعدة حتى تلتفت إلى الإنتعاش من دون جائحة وتداعياتها.

منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية تتوقع كذلك أن يُسجل الإقتصاد الأميركي نسبة نمو بمعدل 3,2 % في 2021 ونسبة 3,5 % عام 2022، بعد إنكماش بنسبة 3,7 % في 2020.

توقعُ المنظمة لإنتعاش في الإقتصاد الأميركي عام 2021 مرهون بمدى نجاح خطة الإنعاش لمساعدة القطاعات المتضررة منذ الموجة الأولى للوباء بالنسبة إلى منطقة اليورو، حيث ترى المنظمة أن إقتصاد المنطقة يُسجل إنكماشاً بواقع – 7,5 % في 2020 كمعدل وسطي مع توقع أن تنكمش إقتصادات منطقة اليورو بنسبة 10 %، وأكثر من ذلك، نظراً إلى التأخر في إطلاق العنان للإقتصاد بسبب موجة الإغلاق الإلزامي للعديد من القطاعات المنتجة، تفادياً لتفشي الوباء.

من هنا فإن الإنتعاش في أوروبا، قد يتحقق بنسبة نمو 3,6 % عام 2021 وبنسبة نمو حذرة بواقع -3,3 % عام 2022، هذا كمعدل وسطي لكافة إقتصادات المنطقة. وبالنسبة إلى فرنسا توقعت المنظمة نسبة إنكماش بواقع 9,1 % قبل تسجيل نسبة نمو بواقع 6 % عام 2021.

كيف يبدو الإقتصاد العالمي عام 2021 بالنسبة إلى صندوق النقد الدولي FMI؟

صندوق النقد الدولي لا يختلف بتوقعاته للإقتصاد العالمي في 2021، من ناحية النمو الإيجابي، إنما الإختلاف يكمن في نسبة التفاؤل، ولا سيما وأن الموجة الثانية من تفشي الجائحة العالمية تواصل تعميق الأزمة، وأن المرحلة المقبلة لا تزال قاتمة، وتُلقي بظلالها على قدرة الإقتصادات الكبرى في الإنطلاقة من جديد في التعافي، وفي جبر خواطر القطاعات التي أصابتها الجائحة في الصميم.

صندوق النقد الدولي وبحسب دراسة شملت أبرز الإقتصادات الصناعية الكبرى، والإقتصادات الصاعدة أو الناشئة، فإن الإقتصاد العالمي سيتعافى بنسبة 5,2 % عام 2021. وهنا كان الصندوق متفائلاً أكثر من منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية. في المقابل يتوقع صندوق النقد الدولي نسبة إنكماش للإقتصاد العالمي وكمعدل وسطي في العام 2020 بواقع -4,4 %. هذه التوقعات إستند صندوق النقد عليها بناء على إنتعاش قوي سجله الإقتصاد على صعيد العالم في الجزء الثالث من 2020، لكن بشكل جزئي، لأن الإقتصاد لم يجد في الفصل الثالث النمو الذي كان يتمتع به قبل الجائحة، والأنظار تركز على نتائج الفصل الرابع والأخير من 2020.

صندوق النقد الدولي يتوقع أنه مع نسبة نمو مرتقبة عام 2021 بواقع 5,2 %، فإن منطقة اليورو الأوروبية (ولا سيما إسبانيا وفرنسا في الطليعة)، ستخرج مستفيدة من الإنتعاش المرتقب أكثر من الولايات المتحدة أو اليابان. مع العلم أن الإنكماش الإقتصادي في العالم عام 2020 يأتي في طليعته الدول الأوروبية.

صندوق النقد يلتقي أيضاً مع منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية عند توقع أن يكون الإقتصاد الصيني قاطرة كافة إقتصادات العالم عام 2021، مع نسبة نمو بواقع 8 % من دون أن يمر بمطبات إنكماش سلبية كما هي الحال في الإقتصادات الكبرى حول العالم. فقدرة الإقتصاد الصيني كبيرة على التأقلم مع ما تفرضه الظروف الكونية وإقتصاد مرن ونشط.

بين توقعات منظمة التعاون OECD، وصندوق النقد FMI، يبقى الترقب سيد الموقف، ويبقى حجم خطط الإنقاذ الوطنية مؤشر لمدى رغبة الأنظمة في مساعدة القطاعات المتضررة، وأن لا ينعكس ذلك على مستقبل تعاطي السلطات الإقتصادية والمالية مع الجهات المستفيدة من الإجراءات الإستثنائية في المساعدة، كزيادة في الضرائب أو التخفيض من المعاشات إلخ..

هناك عامل آخر ومهم إلى جانب عدم اليقين من الآتي ألا وهو أن التوقعات الإقتصادية للعام 2021 بعد الكارثة التي حلّت على الإقتصاد في 2020، ترتكز على عوامل مرتبطة بالصحة العامة ومرتبطة بالإقتصاد، وكلها معرّضة للتقلب. إنطلاقاً من هنا، لم يخف صندوق النقد الدولي قلقه حيال توقعاته وإعادة النظر فيها في حال إستفحلت الجائحة وتداعياتها ولا سيما على مدى 2021.

هذا السيناريو سينعكس سلباً وبشكل تلقائي على عام 2022، حيث إنه وبعد إنتعاش مرتقب في 2021 وعلى المدى المتوسط، يتوقع صندوق النقد أن يتباطأ الإنتعاش عام 2022 من 5,2 % إلى 3,5 %.

صندوق النقد الدولي، يتوقع في دراسته الأخيرة أن جائحة كورونا ستمحي عن خارطة التقدم الإقتصادي المجتمعي، كل ما تحقق منذ التسعينيات من القرن الماضي، على مستوى خفض الفقر وشطب اللامساواة بين طبقات المجتمع.

مازن حمود

محلل مالي وإقتصادي/باريس