مَن يمتلك موارد العالم؟

Download

مَن يمتلك موارد العالم؟

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 499 - حزيران/يونيو 2022

مَن يمتلك موارد العالم؟

التطوراتُ العالمية الأخيرة، وخصوصاً الحروب والتحالفات، تُحفّزنا على طرح السؤال حول مَن يملك موارد العالم. أصبح الأمن الغذائي، وإمدادات النفط والغاز وتوزيعهما، وتوفير الرعاية الصحية، وإرتفاع الأسعار إلى جانب النقص في المنتجات والخدمات الأساسية للحياة مصدر قلق كبيراً لسكان العالم.

يُقدم هذا المقال إحصاءات عالمية حول ملكية موارد العالم، مع التركيز بشكل خاص على الدول الكبرى المنتجة للنفط والغاز والقمح والسكر. كما يُلقي المقال نظرة عامة على أحدث تطورات الحروب العالمية القائمة حالياً ومستجدات وباء «كوفيد-19» (COVID-19)، ويُسلّط الضوء على تأثير الحروب على الإقتصاد العالمي مع التركيز بشكل خاص على الغزو الروسي لأوكرانيا (حرب روسيا وأوكرانيا)، بالإشارة الى مؤشرات صندوق النقد الدولي IMF، ومنظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD، والأونكتاد UNCTAD. ويُختتم المقال بالتوصيات للمصارف العربية للقيام بدور رئيسي في إدارة وضمان التوزيع العادل والمنصف لموارد العالم، وفي إصلاح إختلالات الموارد العالمية من خلال العمل على المستويين المحلي والعالمي، لتطوير سلسلة التوريد العالمية، وتعزيز الإنتاج الزراعي والتقنيات، ومكافحة الحروب السيبرانية، وإجراء البحوث والتطوير والإبتكار.

إحصاءات حول موارد العالم

يعرض هذا القسم الإحصاءات الدولية حول ملكية الموارد في العالم، مع التركيز بشكل خاص على البلدان التي تنتج النفط والغاز والقمح والسكر.

النفط

يدرُّ النفط عائدات للدول التي لديها إحتياطات نفطية كافية. بالنسبة إلى الإقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الواردات. إن الأحداث والإضطرابات في المناطق المنتجة للنفط، وإكتشافات حقول النفط الجديدة، والتقدم في تكنولوجيا إستخراج النفط، له تأثير عميق على صناعة النفط. وتُحقق الدول الأكثر إنتاجاُ للنفط في العالم أرباحاً طائلة من إنتاجها.

وقد بلغ متوسط ​​الإنتاج العالمي من النفط والسوائل البترولية الأخرى نحو 95.5 مليون برميل يومياً في العام 2021، وفقاً لإحصاءات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. إن أكبر ثلاث دول منتجة للنفط هي الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وروسيا. وتندرج كندا والصين في عداد أكبر خمس دول منتجة للنفط.

أهم الوقائع

  • رغم النمو المستمر في الطاقة المتجددة، لا يزال إنتاج النفط يلعب دوراً رئيسياً في الإقتصاد العالمي.
  • أكبر خمس دول منتجة للنفط هي الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وروسيا وكندا والصين.
  • إحتلت الولايات المتحدة مرتبة أكبر منتج للسوائل البترولية في العالم في العام 2013 وأكبر منتج للنفط الخام في العالم في العام 2018.
  • تراجع الإعتماد على إنتاج النفط من روسيا بسبب العقوبات الغربية، ولكن نفوذ روسيا في سوق النفط العالمية زاد بعد أن شكلت تحالف أوبك+ OPEC+ مع المملكة العربية السعودية وغيرها من المصدرين الرئيسيين.
  • يُلبّي إنتاج الصين ما يزيد عن ثلث إستهلاكها من النفط، مما يجعلها أكبر مستورد للبترول في العالم.

أكبر منتجي النفط في العالم

نعرض للبلدان الأكثر إنتاجاً للنفط في العالم، بالتدرّج من الأكبر الى الأصغر إستناداً الى الإحصاءات العالمية من إدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة United States Energy Information Administration، Knoema ، Investopedia، صحيفة سكان العالم World Population Review، مقاييس عالمية Worldometer، كتاب حقائق العالم الصادر عن وكالة المخابرات المركزية CIA World Factbook.

المرتبة الأولى: الولايات المتحدة الأميركية

تُعتبر الولايات المتحدة أكبر منتج للسوائل البترولية في العالم، بمتوسط ​​18.6 مليون برميل في اليوم (ب / ي) بنسبة 20% من الإنتاج العالمي وفق الإحصاءات في العام 2020. كما أنها أكبر منتج للنفط الخام.

المرتبة الثانية: المملكة العربية السعودية 

تساهم المملكة العربية السعودية بـ 10.8 مليون برميل في اليوم بما يمثل 11% من إجمالي إنتاج العالم من السوائل البترولية. وتمتلك 15% من إحتياطات النفط في العالم. وهي أكبر مصدر للنفط الخام. وتجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية هي من أهم أعضاء منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).

يُمثل قطاع البترول حوالي 42% من الناتج المحلي الإجمالي للملكة، و87% من إيرادات ميزانيتها، و90% من عائدات التصدير. تتواجد حقول النفط الرئيسية في المملكة العربية السعودية في مناطق الغوار، والسفانية، وخريص، ومنيفة، والشيبة، والقطيف، والخرسانية وبقيق.

المرتبة الثالثة: روسيا

روسيا هي من أكبر منتجي النفط في العالم بمتوسط ​​10.5 مليون برميل في اليوم في العام 2020، ما يمثل 11% من الإنتاج العالمي.

تمت خصخصة صناعة النفط في روسيا بعد سقوط الإتحاد السوفييتي، لكن الدولة فرضت منذ ذلك الحين توطيداً وفرضت مزيداً من السيطرة على القطاع.

منعت العقوبات الغربية التي فُرضت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في العام 2014 شركات الطاقة الروسية من الوصول إلى أسواق رأس المال، وتقنيات الحفر في الولايات المتحدة. وفي العام 2017، تم تشكيل منظمة أوبك+ OPEC+ بقيادة روسيا. وتلعب أوبك+ OPEC+ دوراً كبيراً في أسواق الطاقة العالمية.

المرتبة الرابعة: الصين

تمثل الصين 5% من إنتاج النفط في العالم، وإحتلت الصين مرتبة أكبر مستورد للنفط في العالم في العام 2017. وتُعتبر الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، حيث بلغ إستهلاك الصين من النفط 14.3 مليون برميل في اليوم في العام 2021.

المرتبة الخامسة: كندا

تحتل كندا المرتبة الرابعة بين منتجي السوائل البترولية في العالم. المصادر الرئيسية لإنتاج النفط في كندا هي الرمال النفطية في ألبرتا، وحوض غرب كندا الرسوبي، والحقول البحرية الأطلسية.

الغاز

الغاز الطبيعي هو عبارة عن هيدروكربون طبيعي ووقود أحفوري غير متجدد، يتشكل تحت سطح الأرض. يُستخدم الغاز الطبيعي للتدفئة والطبخ وتوليد الكهرباء. يُمكن أيضاً إستخدام الغاز الطبيعي كوقود للسيارات وفي صناعة البلاستيك. في حين أن الغاز الطبيعي لا يزال يُساهم من الناحية الفنية في تغيّر المناخ عند حرقه، فإنه يحترق أيضاً بشكل أكثر نظافة من أنواع الوقود الأخرى مثل الفحم والنفط.

أكبر منتجي الغاز في العالم

 نعرض للبلدان الأكثر إنتاجاً للغاز في العالم بالتدرج من الأكبر الى الأصغر، إستناداً الى الإحصاءات العالمية من إدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة United States Energy Information Administration، Knoema ، Investopedia، صحيفة سكان العالم World Population Review، مقاييس عالمية Worldometer، كتاب حقائق العالم الصادر عن وكالة المخابرات المركزية CIA World Factbook.

المرتبة الأولى: روسيا

لدى روسيا أكبر الإحتياطات من الغاز الطبيعي في العالم، وتُصدر غازاً طبيعياً أكثر من أي دولة أخرى، وتشحن ما يقدر بـ 238 مليار متر مكعب من الغاز، وفق إحصاءات العام 2020. وتشجع روسيا إستخدام الغاز الطبيعي في السيارات.

المرتبة الثانية: إيران

تمتلك إيران ثاني أكبر إحتياطي للغاز الطبيعي في العالم. تُعدُّ إيران من أكثر المناطق الغنية بالنفط والغاز في العالم، حيث تم إكتشاف ما يقرب من 145 حقلاً هيدروكربونياً و297 خزاناً للنفط والغاز، وهناك إمكانية إكتشاف المزيد. في الوقت الحاضر، تستخدم إيران جزءاً قليلاً فقط من إحتياطها من الغاز، ممّا يجعلها من الدول القادرة على توفير كميّات أكبر بكثير من الغاز الطبيعي في المستقبل.

المرتبة الثالثة: قطر

تمتلك قطر ما يزيد قليلاً عن 13% من إجمالي إحتياطات الغاز الطبيعي في العالم. تقع غالبية إحتياطات البلاد في حقل الشمال البحري. في محاولة لتوسيع صادراتها من الغاز الطبيعي وإستعادة مكانتها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، بدأت قطر في التوسع في حقل الشمال وتخطط لزيادة الإنتاج بنسبة 60%.

المرتبة الرابعة: الولايات المتحدة

تمتلك الولايات المتحدة وفرة من إحتياطات الغاز الطبيعي، يقع أكبرها في تكساس وأوكلاهوما ولويزيانا. تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة لديها ما يكفي من الغاز الطبيعي لتستمر 60 عاماً في المستقبل. بالإضافة إلى إنتاجها من الغاز الطبيعي، تستورد الولايات المتحدة أيضاً الغاز الطبيعي من كندا والمكسيك بواسطة خطوط الأنابيب.

المرتبة الخامسة: المملكة العربية السعودية

تمتلك المملكة العربية السعودية خامس أكبر إحتياطي للغاز الطبيعي في العالم، ويقع معظمها في الخليج العربي. بإعتبارها أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، تُخطط المملكة العربية السعودية لبدء تصدير الغاز الطبيعي أيضاً. بينما تعمل المملكة بشكل أساسي على النفط لإنتاج الطاقة، فإنها تخطط لإجراء التحول لإنتاج 70% من طاقتها من الغاز الطبيعي و30% من الطاقة المتجددة.

القمح

القمح هو محصول يُزرع على نطاق واسع وبذوره تُستخدم في جميع أنحاء العالم كغذاء أساسي. من بين آلاف أصناف القمح المعروفة، أهمها القمح الشائع (Triticum aestivum) والقمح الصلب (T. durum) والقمح الناضج (T. Compactum). ينمو القمح جيداً في مناخ معتدل مع موسم نمو قصير إلى حد ما، وينتج دقيقًا متعدد الإستخدامات وعالي الجودة. يُستخدم معظم دقيق القمح في صناعة المنتجات الغذائية، بما في ذلك الخبز والمعكرونة والحبوب والمعجنات والبسكويت والكعك وغيرها.

القمح هو ثاني أكثر الحبوب إنتاجا بعد الذرة، والتجارة العالمية للقمح أكبر من جميع المحاصيل الأخرى مجتمعة. في العام 2020، بلغ إجمالي الإنتاج العالمي من القمح نحو 760 مليون طن.

الصين والهند وروسيا هم من أكبر ثلاث منتجين للقمح في العالم، حيث يمثل إنتاجها حوالي 41% من إجمالي إنتاج القمح في العالم. الولايات المتحدة هي رابع أكبر منتج للقمح في العالم. إذا تم إعتبار الإتحاد الأوروبي كدولة واحدة، فإن إنتاجه من القمح يتجاوز إنتاج أي دولة بإستثناء الصين. وذلك وفق مصادر قاعدة بيانات FAOSTAT – بيانات الأغذية والزراعة من قبل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، والتوقعات السكانية العالمية التي نشرتها الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصحيفة سكان العالم، وإحصاءات إنتاج القمح الدولية على موقع «ويكيبيديا».

تأثير غزو ​​روسيا لأوكرانيا على إنتاج القمح

غزو ​​روسيا لأوكرانيا في العام 2022 له تأثير كبير على إنتاج القمح العالمي. تُمثل روسيا وأوكرانيا معاً ما يقرب من 30% من تجارة القمح العالمية. وقد أدى الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا في العام 2022 إلى إرتفاع أسعار القمح العالمية، مع تعرّض القدرة الإنتاجية لأوكرانيا للخطر، وقيّدت العديد من الدول العلاقات التجارية مع روسيا أو أغلقتها. تُعد روسيا أيضاً مورداً رئيسياً للأسمدة، وهو أمر حيوي لتعظيم غلّة المحاصيل، مما يزيد من مخاطر الأمن الغذائي في العالم في المستقبل.

السكر

يتم إنتاج السكر في عدد كبير من دول العالم. السكر هو أيضاً من الصادرات المهمة في العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم.

الدول العشر الأولى من حيث كمية السكر التي تنتجها هي البرازيل والهند والصين وتايلاند والولايات المتحدة وباكستان والمكسيك وروسيا وفرنسا وألمانيا. وذلك وفق مصادر قاعدة بيانات FAOSTAT – بيانات الأغذية والزراعة من قبل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، والتوقعات السكانية العالمية التي نشرتها الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصحيفة سكان العالم، وإحصاءات إنتاج القمح الدولية على موقع «ويكيبيديا».

كانت الهند أول دولة منتجة للسكر. غالباً ما يتم إنتاج السكر من البنجر. وفقاً لمصادر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، هناك 124 دولة تنتج السكر. تُنتج جيبوتي أقل كمية من السكر، في حين أن دولة البرازيل القوية في أميركا الجنوبية تتفوّق بسهولة على كل دولة في العالم من حيث انتاج السكر.

تتكوّن صناعة السكر بنسبة 80% من إنتاج قصب السكر. يتم تقسيم باقي إنتاج السكر إلى سكر البنجر، وسكر القصب، والسكر الخام، وهناك كميات صغيرة جداً من أنواع السكر الأخرى غير المصنفة. لم تعد الصناعة العالمية لتصنيع السكر تتسارع كما كانت عليه في السابق. وتشهد صناعة السكر إنخفاضاً طفيفاً في الوظائف والإيرادات والموظفين ومستويات الإنتاج الإجمالية للسكر، كما وتشهد أيضاً إنخفاضاً في المبيعات والإنتاج.

الحرب العالمية وإنتشار COVID-19

نظرة عامة على الحقائق والأرقام الرئيسية للحرب الروسية على أوكرانيا، والحرب السيبرانية ذات الصلة والمعلومات المضللة على وسائل التواصل الإجتماعي، وإنتشار «كوفيد-19» (COVID-19) المتزايد جرّاء الحرب.

حقائق وأرقام الحرب الروسية على أوكرانيا

شنّت روسيا غزواً عسكرياً واسع النطاق على أوكرانيا في 24 فبراير/ شباط 2022. وقد تسبّب ذلك في مقتل أكثر من 900 مدني، ودفع ملايين الأوكرانيين إلى الفرار إلى البلدان المجاورة.

في 24 فبراير/ شباط 2022، أعلن فلاديمير بوتين البدء بغزو بريّ، بحريّ وجويّ واسع النطاق على أوكرانيا، إستهدف الأصول العسكرية الأوكرانية والمدن، في جميع أنحاء البلاد. وأعلن رئيس الولايات المتحدة جو بايدن أن هذا الهجوم «غير مبرّر». وأصدر منذ ذلك الحين، عقوبات صارمة بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، تستهدف أربعة من أكبر البنوك الروسية، وصناعة النفط والغاز، وصادرات الولايات المتحدة التكنولوجية إلى روسيا.

وتواصل الأمم المتحدة، ومجموعة الدول السبع G7، والإتحاد الأوروبي، ودول أخرى إدانة الإجراءات الروسية ودعم القوات الأوكرانية. في جلسة طارئة للأمم المتحدة، صوّتت 141 دولة عضواً من أصل 193 لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا. وطالبت روسيا بالوقف الفوري لإستخدام القوة في أوكرانيا. وأصدرت الولايات المتحدة عقوبات متصاعدة على الأصول المالية لوزير الخارجية الروسي، وقامت بإزاحة البنوك الروسية من النظام المالي العالمي «سويفت» SWIFT، ووضعت حظراً على واردات النفط والغاز الطبيعي الروسي.

إستمرّت المفاوضات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا، حيث أعلنت روسيا في أواخر مارس/ آذار 2022 أنها ستُقلّص النشاط العسكري بالقرب من كييف وتشرنيغوف. في غضون ذلك، تُواصل القوات الروسية محاربة المدن الأوكرانية الكبرى. تسبّبت ضربات صاروخية روسية عدة طويلة المدى، في إلحاق أضرار جسيمة بالأصول العسكرية الأوكرانية، والمناطق السكنية الحضرية، والبنية التحتية للإتصالات والنقل في أوكرانيا. كما تعرّضت المستشفيات والمجمّعات السكنية لقصف وتفجير. ويُواجه المدنيون في ماريوبول، وهي مدينة ساحلية في جنوب شرق أوكرانيا، أزمة نقص حاد في الغذاء والماء والحرارة.

أدى هذا الصراع إلى توتّر شديد في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، وزاد من خطر نشوب صراع أوروبي على صعيد واسع. من المرجح أن تزداد التوترات بين روسيا والدول المجاورة الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وسيكون للنزاع في أوكرانيا تداعيات أوسع على التعاون المستقبلي في القضايا الحاسمة مثل الأمن السيبراني وأمن الطاقة. علماً أن الغزو الروسي سيُحدث صداماً بين القوى العالمية النووية، إذ إنه يُزعزع إستقرار المنطقة، ويُرهب المواطنين الأوكرانيين. ويُؤثر أيضاً على التضخم وأسعار الغاز والإقتصاد العالمي.

من المرجح أن تصبح الحرب في أوكرانيا أكثر عنفاً. وتُفاقم هذه الحرب الكارثة الإنسانية على الأرض في أوكرانيا، حيث يقطع القصف محطات الطاقة وخطوط الإمداد الأخرى، مما يؤدي بشكل فعال إلى محاصرة الناس داخل مناطق الحرب في درجات حرارة تحت الصفر، من دون كهرباء أو ماء، مع تضاؤل ​​الغذاء والوقود والإمدادات الطبية.

الحرب السيبرانية

كانت أوكرانيا هدفاً لآلاف الهجمات السيبرانية في السابق. في كانون الأول (ديسمبر) 2015، واجهت أوكرانيا هجوماً سيبرانياً على شركات توليد الطاقة. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، تعرّضت أجزاء من كييف لإنقطاع آخر للطاقة في أعقاب هجوم سيبراني إستهدف شركة مرافق أوكرانية. في يونيو/ حزيران 2017، تعرّضت أنظمة الكومبيوتر الحكومية والتجارية في أوكرانيا للهجوم السيبراني NotPetya، الذي نُسب إلى روسيا. وقد إنتشر الهجوم إلى أنظمة الكومبيوتر في جميع أنحاء العالم، وتسبّب في أضرار بمليارات الدولارات. في فبراير/شباط 2022، تم إستهداف مواقع الحكومة الأوكرانية، بما في ذلك وزارتي الدفاع والداخلية والمواقع المصرفية وغيرها من المنظمات التابعة لهجمات سيبرانية، جنباً إلى جنب مع الغزو الروسي.

من جانبه، دعا رئيس الولايات المتحدة، جو بايدن، الشركات والمؤسسات الخاصة في الولايات المتحدة إلى «إغلاق أبوابها الرقمية»، لأن المعلومات الإستخباراتية تشير إلى أن روسيا تُخطط لهجوم إلكتروني على الولايات المتحدة.

تدعم السلطات الإلكترونية في المملكة المتحدة البريطانية أيضاً دعوات البيت الأبيض لزيادة إحتياطات الأمن السيبراني.

تُعد روسيا قوة عظمى على الصعيد التكنولوجي، ولديها العديد من الوسائل التقنية لشنّ هجمات سيبرانية مدمّرة على العالم. يخشى الخبراء من أن روسيا قد تشنّ هجوماً سيبرانياً ضد حلفاء أوكرانيا.

الإختراقات التي يخشى الخبراء منها هي:

  • الطاقة السوداء BlackEnergy التي تستهدف البنية التحتية: في العام 2015، تعطلت شبكة الكهرباء في أوكرانيا بسبب هجوم سيبراني يُسمّى BlackEnergy، مما تسبّب في إنقطاع التيار الكهربائي قصير الأجل لـ 80000 عميل لشركة مرافق في غرب أوكرانيا.
  • التدمير السيبراني NotPetya الذي لا يُمكن السيطرة عليه: يُعتقد أن NotPetya هو الهجوم السيراني الأكثر تكلفة في العالم. وتتهم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وسلطات الإتحاد الأوروبي، مجموعة من المتسللين العسكريين الروس في إستخدامه. وقد تم إخفاء البرنامج المدمّر في تحديث لبرنامج المحاسبة الشهير المستخدم في أوكرانيا، لكنه إنتشر في جميع أنحاء العالم، ودمّر أنظمة الكومبيوتر لآلاف الشركات، وتسبّب في أضرار بنحو 10 مليارات دولار (7.5 مليارات جنيه إسترليني).
  • الهجمات الإجرامية السيبرانية: في مايو/ أيار 2021، تم إعلان حالة الطوارئ في عدد من الولايات المتحدة، بعدما تسبّب المتسلّلون في إغلاق خط أنابيب نفط حيوي.

التضليل على وسائل التواصل الإجتماعي

أبلغ موقع فيسبوك Facebook عن إرتفاع في عمليات القرصنة، والمعلومات المضلّلة، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا. وقد حاول قراصنة مرتبطون بروسيا إقتحام حسابات ضباط عسكريين أوكرانيين، لتحميل مقاطع فيديو لجنود أوكرانيين مستسلمين على مواقع الوسائط الإجتماعية. هذا مثال عن إرتفاع عمليات القرصنة السيبرانية والمعلومات المضلّلة، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا. أبلغت فيسبوك أيضاً عن زيادة في المعلومات المضلّلة والدعاية المحلية في مختلف البلدان في العالم.

إرتفاع إصابات كوفيد-19 COVID-19))

حذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الحرب في أوكرانيا ستزيد من إنتقال «كوفيد-19» (COVID-19)، مما يُعرّض أعداداً كبيرة من الناس لخطر الإصابة بأمراض خطرة. يقول بعض الخبراء: إن الحرب في أوكرانيا وما تلاها من تدفق اللاجئين إلى بلدان أخرى، يُمكن أن يؤدي إلى إندلاع موجة أخرى من «كوفيد-19» COVID-19.

بالإضافة إلى الآثار الوحشية للغزو الروسي، يُواجه الشعب الأوكراني هجوماً من الأمراض وتهديدات بإنتشار «كوفيد-19» (COVID-19)، إذ يتجمّع الناس في الأقبية ومحطات مترو الأنفاق والملاجئ المؤقتة لحماية أنفسهم من القصف. من المؤكد أن حالات الإصابة بالأمراض سترتفع في غياب المياه والصرف الصحي المناسب.

التأثير على الموارد العالمية

ثمة تحليل لتأثير الحرب القائمة حالياً على الموارد العالمية، والإقتصاد العالمي، بالإشارة الى آراء ووجهات نظر صندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية – الأونكتاد.

مؤشرات صندوق النقد الدولي

يتوقع صندوق النقد الدولي، أن غزو روسيا لأوكرانيا قد يُغيّر بشكل أساسي النظام الإقتصادي العالمي. تسبّبت الحرب في أوكرانيا بأضرار لإقتصاد روسيا والدول المجاورة لها، ومن المتوقع أن تشهد هذه الدول ركوداً حاداً. إن العواقب الإقتصادية للحرب لا يشعر بها أطراف النزاع فقط، إذ أنه يُمكن للعقوبات المفروضة على روسيا وإرتفاع أسعار إمدادات الطاقة أن تُلحق الضرر بالدول الأخرى. ويُشير صندوق النقد الدولي (IMF) الى أن الحرب يُمكن أن يكون لها تأثير خطير على الإقتصاد العالمي. ويخفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو على مستوى العالم. إلى جانب المعاناة والأزمة الإنسانية الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، سيتعرّض الإقتصاد العالمي بأكمله الى تباطؤ في النمو وتضخم في الأسعار.

ثمة ثلاث خطوط رئيسية للتأثيرات:

  • سيؤدي إرتفاع أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والطاقة إلى زيادة التضخم، مما يؤدي بدوره إلى تآكل قيمة الدخل والتأثير على الطلب العالمي.
  • ستُواجه الإقتصادات المجاورة تعطلاً في التجارة، وسلاسل التوريد والتحويلات، بالإضافة إلى طفرة تاريخية في تدفقات اللاجئين.
  • إنخفاض الثقة في الأعمال ولدى المستثمرين سيكون لهما تأثير على أسعار الأصول، مما يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية.

تُعتبر روسيا وأوكرانيا منتجين رئيسيين للسلع الأساسية، وقد تسبّبت الإضطرابات في إرتفاع الأسعار العالمية، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي. وقفزت تكاليف الغذاء، مع إرتفاع أسعار القمح، حيث تشكل أوكرانيا وروسيا 30% من الصادرات العالمية، لتصل إلى مستوى قياسي.

إلى جانب التداعيات العالمية، ستُواجه البلدان صعوبات في التجارة المباشرة والسياحة، بالإضافة الى المخاطر المالية. وستشهد الإقتصادات التي تعتمد على واردات النفط عجزاً مالياً وتجارياً ومزيداً من ضغوط التضخم، إلاّ أنه بعض المصدرين في الشرق الأوسط وأفريقيا قد يستفيدون من إرتفاع الأسعار.

قد تؤدي الزيادات الحادة في أسعار الغذاء والوقود، إلى زيادة مخاطر الإضطرابات في بعض المناطق، من أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا الوسطى، ومن المرجّح أن تزداد مخاطر الأمن الغذائي في أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط.

يُراجع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو. على المدى الطويل، قد تُغيّر الحرب بشكل أساسي النظام الإقتصادي والجيوسياسي العالمي، في حال تحوُّل تجارة الطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، وتجزئة شبكات الدفع، وإعادة النظر في حيازات العملات الإحتياطية. ويزيد التوتر الجيوسياسي في مخاطر التفتت الإقتصادي، وخصوصاً بالنسبة إلى التجارة والتكنولوجيا.

مؤشرات الأونكتاد

يُظهر تقييم الأونكتاد السريع لتأثير الحرب على التجارة والتنمية، أن الآفاق المستقبلية للإقتصاد العالمي، يزداد سوءاً بشكل سريع، والوضع مثير للقلق بشكل خاص بالنسبة إلى البلدان الأفريقية والبلدان أقل نمواً.

يُظهر تقرير الأونكتاد الذي نُشر في مارس/آذار 2022 مخاطر مالية، وتراجع الإستثمارات في التنمية المستدامة، وعمليات إعادة تشكيل معقدة لسلسلة التوريد العالمية، وتزايد تكاليف التجارة.

يدور القلق حول عاملين أساسيين في أسواق السلع، هما الغذاء والوقود. أوكرانيا وروسيا لهما دور كبير في أسواق الأغذية الزراعية في العالم، وهما يمثلان 53% من التجارة العالمية في زيت دوار الشمس والبذور و27% في القمح، وذلك يُنذر بالخطر بشكل خاص للدول النامية، حيث يستورد ما يصل إلى 25 دولة أفريقية، بما في ذلك العديد من البلدان أقل نمواً، أكثر من ثلث قمحها من روسيا وأوكرانيا. والحصة تزيد عن النصف في بعض الدول. وسيؤثر الإرتفاع الشديد في أسعار الغذاء والوقود على الفئات الأكثر ضعفاً في البلدان النامية، مما يزيد الضغط على العائلات الأكثر فقراً التي تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء، وذلك يؤدي إلى المعاناة والجوع.

وفقًا لإحصاءات الأونكتاد، تتكون أكثر من 5% من سلّة واردات البلدان الأكثر فقراً من المنتجات، التي يُرجّح أن تواجه إرتفاعاً في الأسعار بسبب الحرب. الحصة أقل من 1% للبلدان الغنية.

لا يُمكن إستبعاد مخاطر الإضطرابات المدنية، ونقص الغذاء والركود الناجم عن التضخم، لا سيما بالنظر إلى الحالة الهشّة للإقتصاد العالمي بسبب جائحة «كوفيد-19» COVID-19)).

إن الإجراءات التقييدية على الخطوط الجوية، والمخاوف الأمنية تُعقّد جميع طرق التجارة التي تمرُّ عبر روسيا وأوكرانيا. تُعدُّ البلدان مكوناً جغرافياً رئيسياً للجسر البري الأوراسي.

في العام 2021، أشار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن زيادة معدل الشحن أثناء الجائحة، أدى إلى إرتفاع الأسعار العالمية بنسبة 1.5%، مع تأثيرات كبيرة بشكل خاص على الإقتصادات الضعيفة في الدول الصغيرة النامية والدول النامية غير الساحلية وأقل البلدان نمواً.

مؤشرات منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD

وفقًا لمنظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD، يُمكن للحرب في أوكرانيا أن تُخفّض النمو الإقتصادي العالمي بأكثر من نقطة مئوية واحدة في السنة الأولى بعد الغزو، وقد يتسبّب التأثير أيضاً في ركود عميق في روسيا، إذا إستمرت الحرب. كما حذّرت منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية من أن الصراع قد يرفع الأسعار عالمياً بنحو 2.5%. ورغم أن روسيا وأوكرانيا لا تشكلان سوى نسبة صغيرة من الإقتصاد العالمي، إلاّ أنهما منتجان ضخمان للمواد الخام.

وتتوقع منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية في بحثها الجديد، أن أسعار النفط ستظل مرتفعة بمقدار الثلث والغاز بنسبة 85% والقمح بنسبة 90%.

خارج روسيا وأوكرانيا، أشارت منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية إلى أن معظم الألم سيكون محسوساً في أوروبا، بما يصل إلى 1.4% مما يؤدي إلى تدمير الإقتصاد.

تعتمد أوروبا بشكل كبير على روسيا وأوكرانيا في إمدادات الطاقة والغذاء. ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن التأثير الإقتصادي العالمي للحرب الأوكرانية سيطال أفقر الفئات. ستشعر الأُسر في جميع أنحاء العالم بالغزو الروسي لأوكرانيا من خلال إرتفاع أسعار الطاقة والغذاء، مع إضطرابات التجارة التي تُسهم في إضعاف النمو الإقتصادي العالمي بشكل كبير.

دور المصارف العربية في حوكمة وموازنة موارد العالم

تكشف التحاليل الإقتصادية لمنظمة التعاون الإقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والأونكتاد، عن تأثير كبير للحرب الروسية على أوكرانيا، ومخاطر على الموارد والإقتصادات العالمية. يتجلى ذلك في إرتفاع الأسعار، والتضخم، والحواجز التجارية، وأزمة الرعاية الصحية، والهجمات السيبرانية. ويؤدي ذلك إلى الإنكماش الإقتصادي والركود التضخمي مع تضرُّر أفقر البلدان من الآثار السلبية.

بناءً عليه، نتقدم بالتوصيات التالية للمصارف والحكومات في الدول العربية، للقيام بدور رئيسي في حوكمة وإدارة وضمان التوزيع العادل، والمنصف للموارد العالمية، من خلال العمل المشترك على المستويين المحلي والعالمي.

أولاً: تطوير سلسلة التوريد العالمية

يجب على المصارف والسلطات العربية الإستثمار في تطوير سلسلة التوريد العالمية، لضمان إستمرار تدفق التجارة العالمية ومنع إنسداد التجارة. يجب أيضاً المساهمة في وضع المعايير العالمية لتتبع الأداء التجاري. علماً أن التكنولوجيا هي عامل التمكين الرئيسي في هذا المجال.

ثانياً: تعزيز الإنتاج والتقنيات الزراعية

يجب على المصارف والسلطات العربية الإستثمار في تطوير قطاع الزراعة لتعزيز الإنتاج الغذائي من أجل معالجة مشاكل الأمن الغذائي التي تسبّبها الصراعات العالمية في البلدان التي تتصدّر قائمة الدول المنتجة لموارد العالم. وعليه يتوجب على المصارف والسلطات العربية دعم برامج تنمية القدرات على نطاق واسع للمزارعين والشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الإنتاج الزراعي. كما أن الإستثمار في التكنولوجيا الزراعية مهم للغاية.

ثالثاً: مواجهة الحروب السيبرانية

قد تكون الحروب السيبرانية أكثر تدميراً من الحروب الحقيقية كما ورد أعلاه عن الهجمات السيبرانية الروسية التي إستهدفت أوكرانيا والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة. وتسبّبت الحروب السيبرانية أضراراً للبنية التحتية ولا يُقتصر تأثيرها على قطاع التكنولوجيا وحسب، بل يمتد إلى جميع الموارد والمنتجات والخدمات الحيوية في الإقتصادات. وعليه يتوجب على المصارف والسلطات في الدول العربية، بناء القدرات ومهارات في مجال المرونة السيبرانية، والتنبؤ بالحروب الإلكترونية ومنعها ومكافحتها.

رابعاً: البحث والتطوير والإبتكار

يتوجب على المصارف والسلطات في الدول العربية الإستثمار بكثافة في البحث والتطوير والإبتكار من أجل:

  • تقييم التأثيرات
  • إتخاذ القرارات
  • تطوير البُنى التحتية
  • تسريع التحوّل الرقمي
  • ضمان الأمن
  • ضمان التوزيع العادل للموارد

خامساً: إستكشاف مصادر بديلة للطاقة

يجب على المصارف والسلطات في الدول العربية، الإستثمار في مصادر جديدة للطاقة ودعم أفقر الدول في مواجهة الإختلال العالمي والسيطرة غير العادلة على موارد العالم جرّاء الجروب والمنازعات.

سادساً: مواجهة الأزمة الصحية العالمية

يجب على المصارف والسلطات في الدول العربية، العمل المشترك لمنع حدوث أزمة صحية عالمية جرّاء «كوفيد-19» COVID-19)) الجديدة، بالإضافة إلى زيادة الأوبئة الأخرى، الناجمة عن الحرب واللاجئين، وتدهور الظروف المعيشية في مناطق الحرب.

الدكتورة سهى معاد