هل يعيد «كورونا» الثقة إلى لبنان – العدد 473

Download

هل يعيد «كورونا» الثقة إلى لبنان – العدد 473

مقابلات
العدد 473 - نيسان/أبريل 2020

هل يعيد «كورونا» الثقة إلى لبنان؟

جهود لبنانية لإستعادة السياحة الإستشفائية العربية بعد إنتكاسات وإستغلال

جبق: لبنان مؤهل ليسترجع دوره الإستشفائي في المنطقة لكنه يحتاج إلى تنظيم وتأهيل

عراجي: بعد إنقضاء أزمة الكورونا سنسعى إلى تطوير القطاع لأنه قادر على جلب المليارات

علامة: على وزارة الصحة تنظيم العلاقة بين الجسم الطبي والمريض ووضع آليات تعاون

متى يستعيد لبنان دوره «كمستشفى العرب» سؤال يبدو مشروعاً في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي يعاني منها لبنان، والتي دفعت المسؤولين السياسيين إلى التفكير جدياً في تفعيل أنماط وقطاعات إقتصادية، تكسر حلقة الجمود والانهيار التي يدور بها لبنان منذ سنوات وتفتح أبواباً للإستثمارات واليد العاملة، ومن البديهي القول إن الإستثمار في القطاع الإستشفائي في لبنان أمر مفيد ومثمر، خصوصاً أنه يتمتع بسمعة دولية وعربية جيدة على صعيد مستواه الإستشفائي والكادر الطبي في مستشفياته، علماً أن هذه السمعة تعرضت لنكسة في السنوات الأخيرة بسبب الاستغلال الذي عانى منه المرضى العرب في بعض مستشفيات لبنان.

كل ما سبق يدفع للبحث عما إذا حاول الجانب اللبناني سد هذه الثغرة، وعما إذا كان لبنان يملك المقومات الضرورية للسياحة الإستشفائية في المنطقة، وعن الآليات والتشريعات التي تكفل عودته كمستشفى العرب في القرن الواحد والعشرين مثلما كان في القرن العشرين، وعن مدى تأثير «فيروس كورونا» وتحدياته التي فرضها على كل الأنظمة الطبية في العالم ومنها لبنان، على هذه الصورة المشرقة التي طالما إمتدحها اللبنانيون.

ينطلق وزير الصحة السابق الدكتور جميل جبق للإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال تأكيده أن «لبنان أهم دولة في المنطقة على صعيد السياحة الإستشفائية، فالمستوى الطبي الموجود فيه غير موجود في أي دولة عربية، أي أن «مستوى المستشفيات والأطباء اللبنانيين العلمي يضاهي المستوى الأوروبي والأميركي، وغالبية أطبائنا هم خريجو دول غربية وبالتالي يسجل لنا مستوى طبي عال جداً في لبنان وهذا ما يميزنا عن كل الدول التي تحيط بنا».

يضيف: «يمكن أن نجد حالات فردية مميزة في الطب في الدول المحيطة بنا ولكن لا يمكن أن نجد (حين يجري تقييم وإحصاء) أن كل الأطباء هم في المستوى نفسه، بينما في لبنان غالبية الأطباء يتمتعون بكفاءة وخلفية علمية عالية جداً».

في المقابل يقر جبق أنه «لا يوجد زخم عربي للقدوم إلى لبنان والإستشفاء في مؤسساته»، لافتاً إلى أنه «عمل خلال توليه مسؤولياته الوزارية على إستعادة هذا الزخم»، ويفسر غياب لبنان عن الخريطة الإستشفائية العربية بأسباب عديدة أولها «المشاكل الأمنية والحوادث والحروب التي مرت على لبنان، بالاضافة إلى التجاذب السياسي الحاصل بين القوى السياسية، وبالرغم من ذلك بقي الأخوة العرب يزورون لبنان للإستشفاء حتى في أصعب الأوقات ولكن بأعداد أقل، ووفقاً للأرقام في العام 2016 كان عدد العراقيين الوافدين إلى لبنان للإستشفاء نحو 500 ألف عراقي سنوياً، ولكن بسبب سوء المعاملة من اللبنانيين والإستغلال الذي تعرضوا له وقلة الأخلاق عند بعض الأطباء والمستشفيات دفعت العراقيين إلى عدم زيارة لبنان والتوجه إلى بلدان يدفعون فيها كلفة إستشفائية أقل ومعاملة أحسن».

يتحدث جبق عن مبادرة قام بها لتصحيح هذا الوضع الشاذ فيقول: «حين إستلمت مهامي في الوزارة إستدعيت كل أصحاب المستشفيات وأخبرتهم بأننا بصدد إعادة الزخم للسياحة الإستشفائية العربية إلى لبنان، وما أريده منكم وقف إستغلال المرضى العرب والتعامل معهم كأنهم مرضى لبنانيون، واتفقنا على هذا الوضع وانطلقت حينها بجولة على الدول العربية (العراق والكويت وقطر) في محاولة لاستعادة أمجاد لبنان في هذا الموضوع، وكانت النتيجة توقيع إتفاقية مع الجانب الطبي العراقي لعودة لبنان كوجهة إستشفائية لهم، وتم توقيع إتفاقيات مع العديد من المستشفيات وتم حل العديد من المشاكل العالقة بين العراق وبعض المستشفيات وأهمها مستشفى الجامعة الأميركية».

ويعطي جبق مثلاً على الثغرة التي يشتكي منها الأخوة العرب، فيقول: «سأعطي مثلاً بسيطاً، تكلفة عملية المرارة للبنانيين درجة أولى (5 آلاف دولار) في حين أن بعض المستشفيات كانت تحسب كلفة هذه العملية على الزائر العراقي 15 ألف دولار، وهذا ما دفع العراقيين إلى عدم المجيء إلى لبنان لأنهم شعروا أن المستشفيات اللبنانية تستغلهم، وما حاولت شرحه للجانب العراقي أن الثغرة التي ينفذ منها بعض المستغلين هي رغبة الزائر العراقي بأن يتلقى الطبابة وفقاً للدرجة الأولى وبالتالي الكلفة أعلى ولا يمكن حسابها ككلفة مريض الضمان الاجتماعي، فوافقوا شرط أن لا تكون التكلفة 10 أضعاف السعر الحقيقي، وما قمت به هو وقف الاستغلال للمرضى العرب، وخصوصاً العراقيين من قبل السماسرة وسائقي التاكسي الذين يلتقون بالمرضى العراقيين في المطار، وأنشأت خطاً ساخناً يتيح للزائر العراقي تقديم شكوى لوزارة الصحة، كما قمت بتهديد العديد من المستشفيات بالإقفال في حال استمر استغلال المرضى العرب، مما اضطرهم إلى إعادة الأموال لأصحاب الشكوى وتم في المطار استحداث مكتب تابع لوزارة الصحة يتيح للمرضى العراقيين تقديم المعلومات اللازمة لتتمكن الوزارة من متابعة أحوالهم وحمايتهم من الاستغلال».

ويتابع: «في ما يتعلق بالجانب الكويتي الأمور مختلفة قليلاً، فبالرغم من المقومات الطبية العالية في الكويت وهناك العديد من الأطباء اللبنانيين الذين يعملون في المستشفيات الكويتية، إلا أن الشعب الكويتي يحب لبنان ويرغب في الإستشفاء فيه لسببين الأول هو القيام بالسياحة العادية، والثانية وهي الخضوع للإستشفاء الذي يرغبون به، للأسف كل هذا توقف، علماً أننا كنا نريد تنشيط هذا القطاع الذي كان من المتوقع أن يُدخل إلى لبنان 5 مليارات دولار سنوياً».

يعتبر جبق أن «تنشيط هذا القطاع يستند إلى مدى معرفتنا بتفاصيله وهذا الأمر يمتلكه الأطباء وفقاً للقول «أهل مكة أدرى بشعابها» وهم الأقدر على فهم التعقيدات والعلاجات اللازمة لتنشيطه ومن يكن من خارج هذا الاختصاص من الصعب عليه الإلمام بهذا القطاع كلياً».

 دور متضعضع

يشارك رئيس لجنة الصحة النيابية النائب عاصم عراجي، الوزير جبق في أهمية المؤسسات الطبية في لبنان ومستواها العالي، فيقول: «دور لبنان الإستشفائي مميز منذ ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، وقد استعاد هذا الدور بعد الحرب وباتت بيروت مركزاً مهماً للخدمات الطبية بفضل المستوى العالي الذي يتمتع به الجسم الطبي والمراكز الإستشفائية في لبنان، لكن هذا الدور تضعضع في السنوات الأخيرة بسبب الاستغلال الذي كان يلاقيه المرضى العرب، وخصوصاً العراقيين منهم في بعض المستشفيات اللبنانية وقد عملت وزارة الصحة في عهد الوزير جميل جبق على معالجة هذه الثغرات».

 

ضغوطات

من جهته يُرجع عضو لجنة الصحة النيابية الدكتور فادي علامة تراجع القطاع الإستشفائي في لبنان مؤخراً إلى «الضغوطات الاقتصادية والمالية في لبنان لكن «الصناعة الصحية في بلدنا لا تزال تتمتع بطاقات هائلة، بسبب حرص الجسم الطبي والمؤسسات الإستشفائية على التطور والمشاركة في كل المؤتمرات الدولية التي تقدم كل جديد في القطاع الإستشفائي».

وحول إستغلال بعض المؤسسات الإستشفائية للمرضى العرب يقول علامة: «يتمتع لبنان بالاقتصاد الحر وعلى من يريد شراء خدمة إستشفائية أن يسأل عن كلفتها وبعدها يقرر، وهذا ما يحصل في الولايات المتحدة الأميركية مثلاً، وعلى وزارة الصحة اللبنانية أن تنظم هذه العلاقة بين الجسم الطبي والمريض والإتفاق على تصنيفات وآليات تعاون، وهذا ما حاول الوزير السابق جميل جبق القيام به حيال المرضى العراقيين الذين تم إستغلالهم بشكل كبير للأسف».

خطة للنهوض

والسؤال الذي يطرح هو هل يمكن وضع خطة لإستعادة دور لبنان الإستشفائي في المنطقة؟ يجيب الوزير جبق بالإيجاب قائلاً: «أولاً من خلال تسويق القطاع الإستشفائي اللبناني بين الدول العربية، وهذا ما كنت أود القيام به من خلال استضافة لبنان في العام 2021 لمؤتمر جامعة الدول العربية للقطاع الصحي العربي، وكنت أهدف حينها إلى البرهان للحاضرين في المؤتمر بأن القطاع الصحي اللبناني يتمتع بمميزات كثيرة وهذا يشكل إنطلاقة للبنان لعودته على الخريطة الإستشفائية اللبنانية، ثانياً تأهيل بنية تحتية ضرورية مثل الكهرباء والطرقات والأمن والمواصلات والحماية من الإستغلال عندها نستعيد ثقة العرب، ليعود لبنان كوجهة إستشفائية لهم لأن إخواننا العرب يحبون لبنان ومناخه وطيبة أبنائه».

يضيف: «لبنان مؤهل ليسترجع دوره الإستشفائي في المنطقة بشكل كبير، لكنه يحتاج إلى تنظيم وتأهيل، فمثلاً  سوق الدواء اللبناني في العراق وحده يمكن أن يؤمن 7 مليارات دولار للبنان سنوياً، وهذا ما ينعكس إيجاباً على كل القطاعات الإنتاجية في لبنان لكن للأسف الفوضى هي التي تحكم لبنان».

 تحديات كورونا

بعد تفشي الكورونا في المنطقة والعالم ومنها لبنان، لا بد من التوقف عند هذا التحدي وتأثيره على دور لبنان في المنطقة على الصعيد الإستشفائي، يجيب الوزير جبق: «في حال إستطاع لبنان إستيعاب تفشي فيروس الكورونا، سينعكس هذا الأمر إيجاباً على سمعتنا الإستشفائية ليس فقط على صعيد العالم العربي بل أيضاً على صعيد العالم أجمع، لأننا نكون بذلك استطعنا السيطرة ضمن الإمكانيات الموجودة إستعادة ثقة العالم بهذا القطاع، شخصياً لدي ملاحظات عديدة أولها أننا بلد غير مهيىء للأوبئة، علماً أننا نمتلك 133 مستشفى من ضمنها 33 مستشفى حكومياً، ولبنان يتكل في قطاعه الإستشفائي على المستشفيات الخاصة وليس الحكومية، علماً أنه تم تأهيل العديد من المستشفيات الحكومية بطريقة جيدة، والسؤال الذي يطرح هو لو حصل إنتشار للكورونا وبات لدينا نحو 10 آلاف حالة تحتاج للحجر، فإن عدد الأسرة في كل لبنان هو 27 ألف سرير، وعند وجود عدد هائل من الإصابات يتوجب علينا إخلاء جميع المرضى غير المصابين عندها ماذا نفعل بهم؟ الحل الوحيد الذي كان موجوداً والذي إقترحته من قبل هو خطة من قسمين، الأول هو عزل مستشفى الحريري كلياً وتخصيصه لمرضى الكورونا (400 مريض)، بالاضافة إلى القيام بالإجراءات اللوجستية على الأرض مثل إقفال المطار أمام الطائرات القادمة من البلدان الموبوءة وإيقاف المدارس والجامعات والمقاهي والأراغيل وأكل السوشي واللحم النيء والقيام بحجر على الأشخاص المحتمل إصابتهم، بالاضافة إلى إيقاف النقل العام وضبط الحدود البرية والبحرية هذه الخطة لو تم إتباعها كان يمكن أن تؤدي إلى إستيعاب كامل لكل الانتشار للمرض من الخارج».

ويرى النائب عراجي أن «إنتشار وباء الكورونا ضعضع القطاع الطبي والإستشفائي ليس في لبنان ولكن في العالم أيضاً لأن ما حصل يفوق قدرة الدول على الإحتواء، وبعد إنقضاء مرحلة فيروس الكورونا فأنظمة صحية كثيرة ستعيد تقييم نفسها لأن العالم لم يكن جاهزاً للوباء، لأن العالم لم يشهد هذا النوع من الأوبئة منذ العام 1918، ولكني أعتقد في المقابل أن لبنان سيتعافى سريعاً من هذه الأزمة كون القطاع الإستشفائي في لبنان يتمتع بخبرات عالية وممتازة، سواء على صعيد المستشفيات أو الأطباء، لكن على الحكومات اللبنانية في المرحلة المقبلة أن تعمد إلى دعم المستشفيات الحكومية على كافة الأراضي اللبنانية التي أثبتت أنها خط الدفاع الأول ضد الوباء، وأن تعمد إلى إبعاد السياسة عن مجالس الإدارة في المستشفيات الحكومية لأنها للأسف هي السبب في فشلها نتيجة التجاذبات التي تحصل. وبعد إنقضاء أزمة الكورونا سيكون لنا كلجنة صحة نيابية أفكار لتطوير القطاع الإستشفائي وتطوير إمكاناته لأنه قطاع قادر على أن يجلب إلى لبنان مليارات الدولارات سنوياً، وهذا ما يمكن أن يحصل مثلاً إذا حصل تعاون بيننا وبين السوق العراقي في مجال الدواء الذي يمكن أن يدخل على لبنان نحو 7 مليارات دولار».

يعتبر علامة أن «التغلب على وباء الكورونا هو الاختبار الحقيقي للنظام الصحي اللبناني وأعتقد أننا بالإجراءات وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، سبقنا العديد من دول العالم، وأعتقد أن ذلك سيضيء على النموذج اللبناني وقدراته وسيساعدنا أيضاً على معرفة الثغرات التي يعاني منها نظامنا الإستشفائي بعد الخلاص من محنة الكورونا. وكلجنة الصحة النيابية نعمل على إقرار البطاقة الصحية لكل اللبنانيين وكلفة الدواء وتنظيم وجوده في السوق اللبناني، ونسعى إلى خلق هيئة ناظمة على غرار ما يحصل في الولايات المتحدة الأميركية، لأن هذا الأمر يخفف كلفة الدواء والإستشفاء على المريض والدولة من خلال تحديد الأدوية المطلوبة وجودتها وتحسين مستوى تصنيف المستشفيات ونوعية الخدمة الطبية وكلفتها، وتفعيل دور المستشفيات الحكومية ودعمها من خلال القروض المقدمة من البنك الدولي والتي تم استعمال 150 مليون دولار منها لمكافحة الكورونا».