يوسف: لا بد من إعتماد أولويات  في العملية الإصلاحية للخروج من الأزمة في لبنان

Download

يوسف: لا بد من إعتماد أولويات  في العملية الإصلاحية للخروج من الأزمة في لبنان

مقابلات
العدد 497 - نيسان/أبريل 2022

من الخطر تعويم الليرة قبل حيازة الثقة بها وإعادة هيكلة المصارف

لا خلاف على الحلول… إنما على الأولويات وتطبيق الإصلاحات!

د. عدنان أحمد يوسف: لا بد من إعتماد أولويات

في العملية الإصلاحية للخروج من الأزمة في لبنان

توصيف الأزمات المالية والنقدية والإقتصادية… التي نتخبّط في قعرها لم تعد محط جدل وتباين. فجوهر الحلول لا خلاف حوله، وباتت النقاط الأساسية معروفة ومعمّمة، وخصوصاً بعدما حدّد صندوق النقد الدولي الإصلاحات التي يجب الشروع بها للتوقيع على الإتفاق الذي حصل «على مستوى الموظفين» مع السلطات اللبنانية. لكن النقطة الأبرز من أين نبدأ طالما الطبقة الحاكمة هي نفسها التي تتخبّط في خلافاتها السياسية؟

طرح صندوق النقد الدولي جملة من النقاط الأساسية لسير السلطات اللبنانية على سكة الإصلاحات، وبالتالي بدء التمويل الخارجي المحدد من الصندوق بـ3 مليارات دولار لفترة 4 سنوات، منها إعادة هيكلة المصارف، إقرار الموازنة، إقرار مشروع قانون الـ «كابيتال كونترول»، توحيد سعر صرف الليرة إزاء الدولار، تعديل قوانين السرية المصرفية، إعادة هيكلة الدين…

وكان سبق لدول عربية عدة في المنطقة أن تعاونت ولا تزال مع صندوق النقد الدولي، مثل الأردن ومصر وتونس وغيرها قبل الوصول إلى مرحلة الإرتطام الكبير الذي وصل لبنان الى حافته. من هنا ومن وجهة نظر الرئيس السابق لإتحاد المصارف العربية ورئيس جمعية مصارف البحرين د. عدنان أحمد يوسف، لا بد من إعتماد أولويات في العملية الإصلاحية للخروج من الأزمة في لبنان.

قبل الشروع في تفاصيل تلك الأوليات، أوضح يوسف أن «أزمة لبنان الإقتصادية كما يتفق الكثير من الخبراء الذين أصدروا دراسات عدة حول الموضوع، في جوهرها أزمة حوكمة وخلافات سياسية وبنيوية أثّرت على مجمل النشاط الإقتصادي».

مظاهر الأزمة

وإعتبر يوسف أنه مع مرور الوقت، «أدّت الزيادة الكبيرة في الدين، بصورة حتمية، إلى إرتفاع متزايد في مجال خدمته، كما جعلت الإحتياجات التمويلية السنوية الضخمة في البلاد عرضة إلى التأثُّر بالصدمات الخارجية والإقليمية. فمع تباطؤ التدفقات المالية الخارجية إلى لبنان، وتراجع النشاط الداخلي ولا سيما السياحة، إضطُرّ مصرف لبنان إلى بذل جهود باهظة التكلفة من أجل إستقطابها، وفي نهاية المطاف، ثبُت أن هذه السياسة المالية غير مستدامة، مما أفقد الثقة كلياً بالعملة، وقاد إلى تضخم غير مسبوق نتيجة الإعتماد الكبير للإقتصاد اللبناني على المستوردات من الخارج». وبذلك يرى «أننا اليوم أمام مظاهر عدة للأزمة:

الأولى، أزمة في ميزان المدفوعات والعملة، حيث يُتوقع أن تصل الفجوة بين عرض الدولار الأميركي والطلب عليه إلى 8 مليارات دولار في العام 2020. وفي حال عدم ردم هذه الفجوة، فإن الإقتصاد اللبناني سيُواجه صعوبة في سداد الدين الخارجي؛ ونقصاً في السلع المستوردة؛ وتراجعاً في قيمة الليرة اللبنانية؛ وإنكماشاً إقتصادياً.

الأزمة الثانية هي تلك التي لها علاقة في المالية العامة، إذ إنه بعد بلوغ العجز نسبة 10 % من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2019، بدأت الإيرادات الحكومية حالياً بالإنهيار تحت وطأة الركود والأزمة المصرفية. كما يتهاوى الإنفاق المعدّل الحقيقي، أي الإنفاق المحسوب بعد التضخم».

وأضاف يوسف: «نتوقّع أن تكون البلاد أمام عجز أساسي يصل إلى 3 مليارات دولار (بإستثناء مدفوعات الفوائد) في العام 2020. وفي ظل الوضع الراهن، سيصعب تمويل هذا العجز».

وبالنسبة الى الأزمة الثالثة، وهي تلك المتعلقة بالنظام المصرفي اللبناني، أشار يوسف إلى أن «القطاع المصرفي يستثمر نصف موجوداته تقريباً في الديون السيادية اللبنانية، بما في ذلك مصرف لبنان، وربعاً آخر في قروض القطاع الخاص محفوفة بالمخاطر».

ولفت يوسف الى أن «المصارف تعاني فعلياً، عدم الملاءة والشحّ في السيولة، رغم الإجراءات غير الفعَّالة التي وُضِعت أخيراً لتقييد حركة الأموال والتعاملات المصرفية، إذ تشهد المصارف إقداماً كثيفاً على سحب الودائع. وفي ظلّ تجارب عالمية مشابهة، يُقدم المصرف المركزي عادةً على التدخّل وتزويد المصارف بالسيولة الضرورية. بيد أن مصرف لبنان يجد نفسه مقيّداً بإحتياطات محدودة من الدولار الأميركي، كذلك بسبب مخاوف من فائض في السيولة بالليرة اللبنانية من شأنه إضعاف العملة المحلية أكثر».

الشروع في الإصلاحات

حول الأولوية في البدء بالإصلاحات، شدّد يوسف على «ضرورة الشروع في عملية إصلاحية مالية ذات صدقية، إذ ينبغي إحداث تحوّل في الإنفاق العام، الأمر غير المتوافر حالياً ويتّسم بالهدر وعرضة إلى التأثُّر بالفساد.

إلى ذلك، تبرز الحاجة إلى إصلاح واسع لإيرادات الدولة، من شأنه التركيز بدرجة أقل على رفع الضرائب والتطرّق بصورة أكبر إلى معالجة ضعف التحصيل والإعتماد المفرط على قطاعات محددة».

بالنسبة إلى الحلول لإيفاء ديون القطاع الخاص الذي يُواجه أزمة حادة، رأى يوسف أنه «من المفيد أن تُعقد طاولة مستديرة تضم الدائنين والمدينين للإتفاق على خطوات الإغاثة المالية التي تهدف إلى صون الشركات القابلة للصمود وتصفية تلك المتعثّرة بشكل منظّم».

ويوصي يوسف بـ «إقرار سريع لمسودة مشروع قانون في شأن إفلاس الشركات وإعادة هيكلتها، كما معالجة الميزانية العامة لمصرف لبنان وديونه للحكومة وخاصة زيادة إحتياطياته من خلال الدعم الإقليمي والدولي وإستعادة سلامة القطاع المصرفي كشرط مسبق لتنشيط الإقتصاد».

إعادة هيكلة الدين

ويلفت يوسف إلى أن «إعادة هيكلة الدين العام وارتفاع قيمة القروض المتعثّرة قد يؤديان إلى إنعدام ملاءة العديد من المصارف. وما يزيد الأمور تعقيداً، أن المصارف منكشفة إلى حد كبير على مصرف لبنان الذي إنخفضت ميزانيته العمومية».

الى تلك النقاط المذكورة آنفاً، رأى يوسف أنه «لا بدّ من إعادة النظر في مزيج سعر الصرف/ السياسة النقدية، حيث تسبّب تثبيت سعر الصرف وتحديده بأعلى من قيمته الفعلية إلى حدّ كبير بحدوث عجوزات كبيرة في الحساب الجاري، وألحق الضرر بالقطاعات الموجّهة للتصدير، وأجبر مصرف لبنان على المحافظة على معدلات فائدة مرتفعة».

سعر صرف أكثر مرونة

من هنا، تبقى في المرحلة المقبلة، توصية الخبراء بحسب يوسف «أن تكون سياسة سعر الصرف أكثر مرونة وتتركز حول ليرة أضعف. لكن، إلى أن تعود الثقة بالليرة اللبنانية، سيكون من الخطر السماح بتعويم العملة. لذا سيتعيّن الحفاظ على شكل من أشكال إدارة العملة على المدى المتوسط». أما العبرة أو التحدي الأكبر فيبرز في بدء الحكومة الحالية بالإصلاحات، وإنجازها من قبل الحكومة المقبلة إن تمّ تعيينها خلال فترة زمنية قصيرة؟

(باتريسيا جلاد – «نداء الوطن» – لبنان)