البنوك البريطانية تخضع لإمتحان مواجهة تداعيات بريكست.. – العدد 469

Download

البنوك البريطانية تخضع لإمتحان مواجهة تداعيات بريكست.. – العدد 469

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 469 كانون الأول/ديسمبر 2019

البنوك البريطانية تخضع لإمتحان مواجهة تداعيات بريكست..

والبنوك الأجنبية عينها على الخارج

تداعيات خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي المرتقب نهاية الشهر الأول من العام 2020 لا تقتصر فقط على العلاقات التجارية بين لندن وعواصم الأعضاء الآخرين في الاتحاد أو على حرية التنقل من دون تأشيرة، بل تطال قطاعاً اقتصادياً مهماً ويشكل سمعة عريقة لمدينة المال العالمية ألا وهو قطاع المصارف.
إنطلاقاً من هنا حرص البنك المركزي البريطاني على إخضاع عدد كبير من البنوك البريطانية لإمتحان ضغط يأخذ في الاعتبار ردود فعل فورية على عملية إنسحاب بريطانيا من الإتحاد، وعكست نتائج الامتحان آفاق التعامل الخارجي مع البنوك الوطنية، لا سيما بعدما اتخذت بنوك أجنبية عاملة في لندن إجراءات متنوعة وبدأت منذ إعلان نتائج الإستفتاء في حزيران/يونيو عام 2016 بـ «نعم» لخروج بريطانيا من اتحاد أوروبا بالبحث عن ملجأ في عواصم أوروبية أخرى.

بالنسبة للبنوك البريطانية وللإمتحان الذي خضعت له تبين أنه في حال هبّت عاصفة نتيجة تقلُّب أجواء الأعمال على أثر الانفصال البريطاني عن الإتحاد الأوروبي في نهاية الشهر الأول من العام 2020 ولغاية نهاية الفترة الانتقالية نهاية العام 2020، ستكون البنوك البريطانية على استعداد قوي لمواجهة أي أزمة إذا حصلت كما ذكر بيان للبنك المركزي البريطاني في محصلة لنتائج إمتحان قوة الأعصاب (Stress Test) والذي خضعت له البنوك الأساسية الكبرى في المملكة المتحدة، وهذا الامتحان خضعت له هذه البنوك للسنة الثالثة على التوالي وتمت متابعته باهتمام زائد من قبل الهيئة المالية الناظمة للعمل المصرفي.

والخصوصية التي اتّسم بها هذا الامتحان أنه تزامن مع الانتخابات التشريعية المبكرة والتي خاضها رئيس الحكومة بوريس جونسون وفاز فيها على خصومه في حزب العمال، وأعطاه هذا الفوز هامشاً كبيراً من التحرك باتجاه الخروج المريح من عضوية الإتحاد.

إمتحان الأعصاب الذي نتحدث عنه اعتمد فيه البنك المركزي البريطاني على السيناريوهات التالية:

حصول ركود اقتصادي أشد قساوة من الركود الذي تلى أزمة العقارات والمال الأميركية عام 2008 مع هبوط للناتج المحلي العالمي بنسبة 2.6 في المئة، وهبوط للناتج البريطاني الداخلي نسبته 4.7 في المئة وبلوغ معدل البطالة نسبة 9.2 في المئة.

اعتمد البنك المركزي البريطاني أيضاً سيناريو حصول انهيار للعملة المحلية (الجنيه الإسترليني) بنسبة 30 في المئة مقابل الدولار الأميركي.

إعتماد نسبة فائدة لدى البنك المركزي بواقع 4 في المئة (مقابل 0.75 في المئة حالياً) لمواجهة التضخم.

هذه السيناريوهات التي اعتمدها البنك المركزي في امتحان أعصاب البنوك هذا العام أشد قساوة من تلك التي اعتمدها في امتحان العام 2018 بحسب البنك.

إلى جانب هذه الملاحظة بيَّنت البنوك البريطانية أنها قادرة ليس فقط على مواجهة السيناريوهات المعتمدة، بل على تلبية إقبال الزبائن على طلب اعتمادات (أفراد وشركات).

لجنة السياسة المالية البريطانية اعترفت أن امتحان أعصاب البنوك البريطانية أمام التحديات التي قد تنجم عن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي كان متشدداً ما فيه الكفاية كي يجمع تحت سقف واحد مجمل الصدمات الاقتصادية المتلازمة لبريكسيت فوضوية أو غير منضبطة، في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون أي اتفاق بين الطرفين.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن رئيس الحكومة البريطانية أكد أنه سيفعل كل ما في وسعه لعدم إطالة الفترة الانتقالية إلى ما بعد نهاية العام 2020، الفترة الانتقالية اتفق عليها الطرفان الهدف منها تسهيل عملية الإنفصال كي لا يتسبب الخروج في وقت محدد وعلى الفور بصدمة اقتصادية في البلاد تشكِّل تحدياً للعديد من القطاعات.

من بين المصارف البريطانية الكبرى التي خضعت للامتحان وحققت نتائج مرضية: HSBC, Barclays, Royal Bank of Scotland, Lloyds Banking Group, Standard Chartered, Santander UK, Nationwide.

بنك Nationwide حقق أفضل النتائج بين البنوك الأخرى وحافظ على مستوى 1CET بحسب معايير بازل بنسبة 13.1 في المئة هبوطاً من 31.7 في المئة في إطار السيناريوهات التي اعتمدها البنك المركزي البريطاني، وبنك Barclays جاء في أسفل القائمة، أما البنوك الأخرى فاجتازت الامتحان بنجاح.

تجدر الإشارة إلى أن امتحان Stress Test ونجاح هذا الامتحان كان مشروطاً بأن لا تدفع هذه البنوك عائداً على المساهمين كأرباح على الأسهم (dividende) وبأن يتم تخفيض الإكرامية السنوية (Bonus) لكبار الموظفين في البنك بواقع (75- في المئة).

وفي هذا الإطار، قال البنك المركزي البريطاني إنه على المستثمرين والمساهمين في البنوك البريطانية أن يكونوا متفهمين لضرورة أن تقوم هذه المصارف بهذه الجهود والالتزام بها، في حال واجهت عاصفة مالية غير منضبطة إذا تسبب خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد بفوضى في الأسواق.

رغم اجتياز بنوك بريطانيا الكبرى حاجز امتحان الأعصاب بنجاح بشكل عام، ألمح بنك بريطانيا المركزي إلى ضرورة أن تقوي هذه البنوك من ملاءتها المصرفية والأرضية الآمنة حسب معايير (Bâle III) والتي تنص على دعم مستوى الأموال الخاصة لمواجهة التقلبات التي ممكن أن يتعرض لها المصرف، والهدف من coussin de sécurité هو حماية النظام المصرفي من أي خسارة محتملة مرتبطة بهذه المخاطر التي تتكرر في فترات معينة.

إلتزام البنوك بهذه الآلية التي يمتد تطبيقها بين الأعوام 2013 و2019 عالمياً يعطي البنوك القدرة على مواصلة سياسة الاعتمادات المصرفية للشركات والأفراد حتى في ظل أي أزمة اقتصادية محتملة.

إن نجاح أي مصرف بتحقيق آلية coussin de sécurité يحصل في مقابلها على تخفيف عبء قواعد إلزامية أخرى كي لا يتعرض البنك لصعوبات في أداء وظيفته بإتجاه زبائنه.

البنوك الأجنبية العاملة في بريطانيا والاستحقاق المرتقب

نجاح البنوك البريطانية على مدى ثلاثة إمتحانات Stress Test لم يقنع البنوك الأجنبية على أراضي المملكة المتحدة من العودة عن توضيب حقائبها والبحث عن ملجأ آخر منذ فوز الـ «نعم» في بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي صيف عام 2016، ولغاية شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 2019 سجلت البيانات المصرفية لبنوك أميركية وأوروبية تعمل في بريطانيا نزوحاً لافتاً لعدد منها خوفاً من إرتباك مصرفي عند خروج بريطانيا من عضوية أوروبا.

نذكر بنك Bank of America الذي حوَّل جزءاً كبيراً من أعماله إلى دبلن مع نحو 500 موظف وجزءاً آخر إلى باريس.

Barclays حوّل قسماً كبيراً من أنشطته إلى دبلن أيضاً مع فروع في باريس وفرانكفورت مع رؤوس أموال تم تحويلها بواقع 185 مليار يورو.

BlackRockBank اعتمد أمستردام مركزاً لنشاطاته في أوروبا بدلاً من لندن، فيما جعل من باريس مركزاً لصندوقه للمضاربة وفي بودابست أيضاً.

BNP Paribas نقل أعماله الأوروبية من لندن إلى باريس مع 100 موظف.

فرع كبير من بنك Citigroup الذي يملك مسبقاً مكتبين واحد في باريس والثاني في فرانكفورت، قرّر أن يتخذ من فرانكفورت مركزاً لأعماله التي كان يجريها في لندن.

بنك Crédit Suisse قرّر أن ينقل نشاطه في الاستثمارات التي يحققها مع الاتحاد الأوروبي من لندن إلى فرانكفورت، وعملاؤه في سوق المال والوسطاء تقرر نقلهم إلى مدريد وبحدود 250 شخصاً.

Deutshe Bank الألماني قرر (وذلك منطقي مثل BNP الفرنسي) أن ينقل أعماله من لندن إلى فرانكفورت مع نقل 250 موظفاً.

هناك أيضاً بنوك كثيرة قررت أن تنقل نشاطها من لندن إلى عواصم أوروبية أخرى نتيجة البريكست مثل الأميركي Goldman Sachs, JP Morgan, Morgan Stanley وبنك Nomura الياباني أيضاً، بنك Société Générale الفرنسي سيعود إلى وطنه الأم، بنوك أخرى مثل

Wells Fargo وUBS، حتى بنوك بريطانية مثل HSBC وStandard Chartered قررت توزيع قسم كبير من نشاطاتها الداخلية مع أوروبا بين باريس وفرانكفورت.

وهذا غيض من فيض بانتظار نهاية كانون الثاني/يناير 2020.

على أية حال بينت البنوك البريطانية عن قدرتها أمام سيناريوهات صعبة لكن مصائب قوم عند قوم فوائد!

مازن حمود

محلل مالي ومصرفي/ باريس