فيروس «كورونا» يزيد التحديات أمام تأمين الغذاء المطلوب عالمياً ولبنانياً – العدد 474

Download

 فيروس «كورونا» يزيد التحديات أمام تأمين الغذاء المطلوب عالمياً ولبنانياً – العدد 474

مقابلات
العدد 474 - أيار/مايو 2020

 فيروس «كورونا» يزيد التحديات أمام تأمين الغذاء المطلوب عالمياً ولبنانياً

 عجاقة: لبنان سيمر بأزمة غذائية ولن يحصل على المواد الغذائية بالكمّيات المطلوبة

حبيقة: بعد الشفاء من «كورونا» يجب توسيع دائرة الإستثمار في القطاع الزراعي

مشيك: وزارة الزراعة تنفذ خطة طوارئ لتأمين المواد الأساسية تحسباً لتراجع الإنتاج

لم يترك فيروس «كورونا» قطاعاً إقتصادياً إلا وغيّر القواعد التي يسير عليها، ومنها القطاع الزراعي الذي طالته تأثيرات إنتشار الفيروس، ليس فقط على صعيد الإستيراد والتصدير، بل على صعيد إنتاج وتوزيع المواد الغذائية بين الدول أيضاً. بمعنى آخر، في بداية العام الحالي الذي شهد توسعاً لرقعة وباء «كورونا» إلى ما بعد الصين، بات البحث جدياً عن كيفية تدارك مخاطر هذا الفيروس وتداعياته على الأمن الغذائي العالمي، وخصوصاً أن خارطة إنتشار «كورونا» عالمياً لا تزال تتوسع، كما أن لملمة آثاره الإقتصادية والإجتماعية التي خلّفها هذا الوباء ستستغرق شهوراً إن لم نقل سنوات.

 عجاقة: بعد «كورونا» دول العالم ستغيِّر إستراتيجيتها الغذائية

أمام تداعيات فيروس «كورونا» على إقتصادات الدول المستوردة والمصدّرة للمواد الغذائية، أصبح البحث عن القواعد التي يجب على الدول الأوروبية وباقي دول العالم أخذها في الاعتبار في المرحلة المقبلة لتأمين حاجاتها الغذائية، أمراً مشروعاً.

في هذا الاطار، يشرح الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة قائلاً: «إن المُشكلة الأساسية التي تعترض القارة العجوز هي مُشكلة هيكلية إقتصادات دولها التي تتوجّه بالدرجة الأولى نحو الخدمات، الصناعة، وفي المرتبة الأخيرة الزراعة كالعديد من الدول حول العالم. وبالتالي المرحلة الحالية تفرض على الإتحاد الأوروبي من منطلق التعاضد، أن يعمد إلى تنسيق عملية تأمين المواد الغذائية زراعياً وصناعياً، وذلك بهدف تأمين المواد الغذائية الأساسية بين الدول الأعضاء بشكلٍ يؤمّن إحتياجات الشعوب الأوروبية على الأمد القصير والمتوسط».

ويضيف عجاقة: «أمّا على المدى البعيد، وبعد القضاء على فيروس «كورونا»، فقد أصبح شبه مؤكد أن الدول الأوروبية (ودول العالم بالمُطلق) ستغيّر إستراتيجياتها فيما يخصّ الأمن الغذائي، وهذا الأمر سيؤدّي حكماً إلى تعديل السياسات الإقتصادية لهذه الدول مع دعم كبير للقطاع الزراعي والصناعات الغذائية. لكن قبل الوصول إلى هذه المرحلة، سيمرّ الإتحاد الأوروربي بمرحلة من الإهتزاز الكبير نظراً إلى أن التعاضد بين دول الإتحاد ليس على المستوى المطلوب، وهذا الأمر أثار الغضب لدى الرأي العام الأوروبي، وسيؤدّي حكماً إلى تعديل في عمل الإتحاد الأوروبي وطريقة التعاون بين دول الإتحاد. علماً أن الأمر شبه الوحيد الذي قام به الإتحاد تجاه الدول المصابة هو تخفيف القيود المفروضة على عجز الموازنات (أقلّ من 3% من الناتج المحلّي الإجمالي)».

حبيقة: يجب الإستثمار في الزراعة

إن الحديث عن أن معظم دول العالم لم تكن تهتم بالإستثمار في القطاع الزراعي في الشكل الكافي، يقود للحديث أيضاً عن لبنان الذي يُجمع الخبراء الإقتصاديون على أنه من هذه الدول، (في ظل التحضير لخطة إنقاذ إقتصادية). من هنا، لا بد من السؤال عما إذا كان لبنان يملك الشروط الضرورية (أراض زراعية وبنى تحتية) تُتيح له سد جزء كبير من حاجاته الغذائية في حال قرر إعتماد النهج الزراعي في سبيل تنمية الإقتصاد الوطني.

في هذا الإطار، يوضح الخبير الإقتصادي لويس حبيقة «أن الإستهلاك الداخلي في لبنان أقل من الفترة السابقة نتيجة الظروف الحالية، كما أن نسبة التصدير إلى الخارج قليلة، وهذا أمر متوقع، لأن لبنان في المرحلة السابقة كان يستورد أضعاف مما ينتج. علماً أن الإستيراد لن يتوقف ولا خوف من المجاعة في لبنان».

يضيف حبيقة: «إن الإستثمار في القطاع الزراعي في لبنان أمر مجدٍ وقد تأخرنا كثيراً في هذا المجال، ويُمكن أن تأخذ الزراعة حيّزاً مهماً. علماً أن الأراضي الزراعية محدودة ومرتفعة السعر، لكن من الممكن أن نُنتج زراعات نوعية ومختلفة تُحقق بعض التوازن مع دول تملك إمكانات زراعية مهمة مثل سوريا (على سبيل المثال لا الحصر)، عندها يمكن التبادل في ما بيننا. وهذا أمر لم يحصل، لأننا لم نكن جديين في المرحلة السابقة، وأعتقد أنه بعد الشفاء من أزمة «كورونا» يجب النقاش جدياً في كيفية توسيع دائرة الإستثمار في القطاع الزراعي في لبنان ضمن الخطط التي ستُوضع للنهوض بالإقتصاد اللبناني».

 مقومات زراعية

من جهته يرى البروفسورعجاقة «أن لبنان في الأساس هو بلد ذات مقومات زراعية هائلة، بدليل أن الرومان ومن بعدهم الفرنسيين أرادوا جعل لبنان مركز الزراعة للسوق الأوروبية نظراً إلى المناخ المؤاتي للزراعة. إلا أنه ويا للأسف لم تُعط السياسات الإقتصادية منذ الحرب الأهلية وحتى يومنا هذا أي إهتمام للقطاع الزراعي مما جعل حجمه أقل من 4% في الإقتصاد اللبناني».

يضيف عجاقة: «إن قلّة الإهتمام هذه، حرمت القطاع الزراعي من الإستثمارات التي بقيت فردية ومُحتكرة من قبل قلّة من المزارعين، وبالتالي لم يعد هذا القطاع قادر على سدّ حاجة السوق اللبنانية الذي أصبح يستورد مواد غذائية بقيمة 7 مليارات دولار. من هذا المنطلق نرى أن الأمن الغذائي اللبناني مفقود، والأصعب أنه مع أزمة الدولار وتخلّف الدولة اللبنانية عن دفع مُستحقاتها، أصبح من شبه المؤكد أن لبنان سيمر بأزمة غذائية كبيرة، حيث لن يكون من المُمكن في الأشهر المقبلة الحصول على كل المواد الغذائية وبالكمّيات المطلوبة».

يتابع عجاقة: «من هذا المُنطلق، نرى أن التوجّه نحو القطاع الزراعي سيكون أكثر فردياً منه سياسة حكومية، نظراً إلى ضعف هامش الحركة للحكومة على الصعيد المالي. وفي حال وضعت الحكومة اللبنانية سياسة زراعية مؤاتية، في هذه الحال، نرى أن هناك خطة يجب أن تحتوي على خطوات لتحديث نظام الريّ، وتحديث البنى التحتية، وإنشاء أسواق زراعية في المناطق، وإتباع سياسة ضريبية تساعد على توجيه اللبنانيين نحو الإستثمار في الزراعة. في هذه الحالة فقط، يُمكن للبنان أن يسدّ قسماً كبيراً من حاجاته الغذائية وبالتالي أمنه الغذائي».

 مشيك: ندعم المزارع منذ ما قبل «كورونا»

في المقابل، وفي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان، تحرص وزارة الزراعة على القيام بدورها لتأمين الحد المطلوب من الأمن الغذائي في لبنان.

في هذا الإطار تشير رئيسة دائرة البرامج في وزارة الزراعة ومستشارة الوزير عباس مرتضى السيدة ماجدة مشيك، الى «أن وزارة الزراعة تسعى إلى دعم المزارع اللبناني (ضمن خطتها للأمن الغذائي) من خلال خطوات عدة هي:

أولاً: تأمين البذار، والأسمدة، والأدوية الزراعية للمزارعين الصغار. وحالياً تقوم وزارة الزراعة بالقيام بالمناقصات لتأمين هذه المساعدات.

ثانياً: الضغط على المنظمات الدولية التي تُعنى بالقطاع الزراعي لمساعدة الوزارة في هذا الموضوع، وخصوصاً في ظل أزمة «كورونا» وإرتفاع أسعار هذه المواد الضرورية نتيجة الأزمة المالية والمصرفية التي تعصف بلبنان.

ثالثاً: إرشاد المزارعين على الزراعات المناسبة لأراضيهم بحسب الإرتفاع عن سطح البحر، والتعاون مع البلديات والأوقاف الدينية لتأمين أراض للمزارعين (الذين لا يملكون أراض) كي يتمكنوا من تأمين الحد الأدنى من الإكتفاء الذاتي.

رابعاً: تشجيع الزراعات النوعية (هذه الخطوة تتم منذ ما قبل «كورونا» والأزمة المالية) وتخفيف الزراعات التقليدية التي تعاني منافسة شديدة.

خامساً: تنفيذ خطة طوارئ لتأمين المواد الأساسية (قمح، وأرز، وسكر، وحبوب) في ظل الحديث عن تراجع الإنتاج العالمي لهذه المواد بسبب «كورونا».

الدول النفطية

الجولة على الدول النفطية تُظهر أيضاً أنها لا تُعطي القطاع الزراعي الحيّز الذي يُمكّنها من الإكتفاء الذاتي على صعيد الغذاء، مما يعني أن على هذه الدول تغيير إستراتيجيتها الإستثمارية في المرحلة المقبلة.

 في هذا الإطار، يقول البروفسور عجاقة: «من دون أدنى شكّ، إن إستراتيجيات الدول أكانت نفطية أو غير نفطية، سوف تعمد إلى تعديل وجهة إستثماراتها، حيث من المتوقّع أن يتمّ إعطاء إهتمام كبير للقطاع الزراعي والصناعات الغذائية. وهذا الأمر أصبح شبه مؤكد في ظل الخطر الغذائي الذي فرضه تفشي فيروس «كورونا». وهنا نرى خصائص تمايزية للدول النفطية من خلال القدرة المالية التي تتمتّع بها والتي بواسطتها قادرة على القيام بردّة فعل أسرع من الدول غير النفطية».

يضيف عجاقة: «بالطبع، إن تفشي فيروس« كورونا» قلّل من الطلب على النفط بسبب إنخفاض الطلب الصيني، وهذا الأمر سيكون له تداعيات كبيرة على موازنات الدول المُنتجة للنفط من ناحية تسجيل هذه الموازنات لعجز سيفرض دون أدنى شكّ لجماً للعديد من المشاريع الإستثمارية في قطاع النفط، والقطاعات الخدماتية لصالح القطاع الزراعي والصناعات الغذائية. كما أن إستمرار تفشي الفيروس من دون أي أفق زمني لعلاج له، سيؤخّر من علمية الإستثمار في القطاع الزراعي. فالكلفة على الخزينة العامة في الدول النفطية وغير النفطية عالية (فحوص، طبابة، مواد طبّية، خسائر في الإيرادت ناتجة عن تراجع النشاط الإقتصادي..) ولن يكون بمقدور الدول إصدار سندات خزينة بأسعار معقولة نظراً إلى الحاجة للسيولة في كل دول العالم».

باسمة عطوي