مفاوضات شاقة مع صندوق النقد للخروج من الأزمة – العدد 474

Download

مفاوضات شاقة مع صندوق النقد للخروج من الأزمة – العدد 474

مقابلات
العدد 474 - أيار/مايو 2020

مفاوضات شاقة للخروج من الأزمة

وهبه: الحل بإلغاء التوافقية والنفعية التي يقوم عليها النظام السياسي والمصرفي والاقتصادي

غبريل: ما نعانيه هو أزمة ثقة وسيولة لأننا كدسنا البرامج الإصلاحية ولم تنفَّذ

يبدأ لبنان مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي طلباً للمساعدة في الخروج من أزمته المالية والمصرفية والاقتصادية، على وقع أمواج من الشكوك وعدم الثقة التي يقابله بها المجتمع الدولي، بعدما فشلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ العام 2002 وحتى الآن في الإيفاء بإلتزاماتها الإصلاحية وآخرها كان في مؤتمر سيدر، وفي ظل هلع شعبي عارم من الشروط القاسية التي يمكن أن يفرضها صندوق النقد على لبنان للقبول بمساعدته، وأيضاً عدم التصديق بإمكانية تنفيذ المسؤولين وعودهم التي أخلُّوا بتطبيقها مراراً وتكراراً ما أوقع الشعب اللبناني بأكمله في المحظور، وفي ظل هذين المعطيين يصبح السؤال مشروعاً عن خيارات لبنان للخروج من هذا المأزق وهل يملك مقومات داخلية (خصخصة القطاع العام- تسييل الذهب) للخروج من هذا النفق؟ وما مدى واقعية الآراء القائلة أنه بالرغم من كل التخبط الاقتصادي والمالي والمصرفي الذي يعيشه لبنان إلا أن الحلول الداخلية لا تزال متاحة؟

 وهبه: المشكلة أساسها الطائفية التي تحمي الفساد

تتنوع وجهات النظر حول هذا الموضوع، إلا أنها تلتقي على قاعدة أساسية هي أن الخلل يكمن في أداءالنظام السياسي- الطائفي على مدى عقود وهو السبب في ما وصلنا إليه، وفي هذا الإطار يرى الدكتور محمد سليم وهبه (خبير مالي ومصرفي، أستاذ في الجامعة اللبنانية)، أن “لبنان بإستطاعته فعلياً حل أزمته المالية والاقتصادية دون اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، فالمسألة تتعلق بالإرادة الفعلية وبالتوجه السياسي اللبناني الذي نرى أن له ميولاً رأسمالية متوحشة”.

 يضيف: “السؤال الأساسي هو في ما الذي سيقدمه صندوق النقد الدولي، وهل يستطيع لبنان والشعب اللبناني تحمل تبعات التعليمات الدولية التي ستقابل هذه التقديمات. اللجوء إلى صندوق النقد الدولي هو هدف ممنهج سوِّق له عبر الأرقام المالية المغلوطة والتي اعتمدت دون تدقيق موثوق بها، رغم أن العديد من البلدان التي لجأت إلى صندوق النقد الدولي والتي كان لديها فجوات تمويلية لم تأت نتائج توصيات الصندوق إيجابية.

المشكلة في لبنان مشخّصة وأساسها الطائفية التي تحمي الفساد، والتي تتمحور في النظرية الاقتصادية الرأسمالية الطائفية التوافقية الريعية التي نعيش تراكماتها منذ عشرات السنين، والحل يكمن في إعادة الثقة في النظام السياسي والمصرفي والاقتصادي، وبدون التخلص من هذه القاعدة التي يعتمد عليها النظام السياسي والاقتصادي التوافقي والإنتفاعي، لا يمكن البدء في طريق الحل، وبعدها لا نحتاج فعلياً لأي صندوق لوضع الوصايات السياسية التي قد يكون عليها نقاط إستفهام على صعيد الاستقلالية السيادية”.

 ويتابع: “خطة صندوق النقد تقف في أفضل الظروف عند مبلغ 9 مليارات دولار مقسمة على فترة خمس سنوات، حيث يحق للبنان دعم بحدود 863 مليون دولار بما يوازي النسبة من اشتراكاته في الصندوق. وقد تم وضع بنود تتخطى إلى حد كبير ما تطلبه إنجاز توصيات مؤتمر سيدر الذي يتميز بعدم التدخل السياسي، والذي سيفرض أن يكون لصندوق النقد الحق في مراقبة الأداء المالي للبنان. ويكفي بنظرنا إعادة هيكلة الدين العام، واستعادة الأموال المهربة بالإضافة إلى الإمكانيات الاخرى المتاحة، مع وضع آليات لعودة ثقة المستثمرين لكي يستفيد لبنان من تحاويل المغتربين والتي تتخطى بأضعاف ما يقدمه صندوق النقد والمؤتمرات.

إستعادة الثقة تكمن في منهج الحكومة والذي لم يأخذ لغايته الإجراءات الكافية على الصعيدين المالي والمصرفي، فالقرارات المالية إن على صعيد الصرف والآليات المعتمدة والضغوط الداخلية التي تسعى لتأزيم وضع الصرف، يشتف منها تواطؤ يدفع نحو الانهيار الاجتماعي والمالي ليطل صندوق النقد كبطل منقذ”.

تعهدات سيدر

يوافق الخبير الاقتصادي نسيب غبريل على أن الأداء السياسي – الطائفي في لبنان هو سبب ما وصلنا إليه ويقول: “كان يمكن تجنب الأزمة لو أننا إتخذنا خطوات جدية قبل سنوات وهي الإصلاحات في المالية العامة والادارة العامة، وبالتالي كل الأزمة التي نمر بها حالياً كان يمكن تجنبها لو طبقنا الإصلاحات لأن السلطات اللبنانية منذ العام 2002 تتعهد للمجتمع الدولي بالقيام بهذه الإصلاحات ولا تطبق منها إلا الضرائب،  ما أريد أن ألفت إليه أيضاً أنه لو طبقنا التعهدات التي أعطيناها في مؤتمر سيدر منذ عام لما كانت حصلت الأزمة الحالية”.

يضيف: “ما نعانيه اليوم هو أزمة ثقة وأزمة سيولة، لأننا كدسنا البرامج الإصلاحية منذ العام 2002،  ولكن العبرة هي في التطبيق مثل ملف الكهرباء، فمنذ العام 2010 تعهد المسؤولون بأن الكهرباء ستكون 24 على 24 لكن هذه الخطط لم تنفذ بالرغم من أنها جيدة، والمجتمع الدولي أعطانا آخر فرصة في مؤتمر سيدر،  وكان يتوقع منا إصلاحات متواضعة مثل إنشاء الهيئة الناظمة للكهرباء وتخفيف نسبة العجز في الناتج المحلي، لكن كل هذه الإصلاحات لم تنفذ وأدى هذا النهج إلى ضياع العديد من الفرص بلغت قيمتها 40 مليار دولار منذ العام 2011 وحتى العام 2019”.

 شروط غير قابلة للتطبيق

والسؤال الذي يطرح هنا هو ما هي الشروط التي لا يمكن للبنان تطبيقها؟ يجيب وهبة “إن سياسات إعادة الهيكلة والتثبيت التي يروج لها صندوق النقد الدولي قد تعرّضت لنقد شديد من خلال النتائج التي وصلت لها البلدان التي إعتمدتها، حيث إرتفعت الديون الخارجية في البلدان الخاضعة لورشة الصندوق، بالقياس للناتج القومي من 82 في المئة بين السنوات 1980 ـ1985، إلى 154 في المئة ما بين 1991ـ1995، على عكس البلدان التي لم تخضع له وكانت الزيادة طفيفة”.

ويضيف: “مما لا شك فيه أن سياسات صندوق النقد وفي كثير من الحالات كانت وسيلة للتدخل وللتأثير في السياسات الداخلية والخارجية للبلدان النامية وهي من حيث المبدأ سياسات إنكماشية بطبيعتها، بسبب تخفيض الإنفاق العام الذي يؤدي إلى وقف النمو الاقتصادي، أو على الأقل تراجع معدّله. كذلك، فإنها تؤدي إلى تقلّص فرص العمل وزيادة البطالة. وهذا ما سوف يقع عبئه على الفئات الفقيرة، ما يفضي إلى توسيع دائرة الفقر والجوع وزيادة التفاوت في توزيع الدخل والثروة.

فبالإضافة إلى السيف المسلط على الدولة اللبنانية لناحية ترسيم الحدود النفطية، فمجمل ما سيفرضه صندوق النقد سيؤدي إلى زيادة الأسعار بنسبة 100 في المئة عن سعرها المرتفع أساساً نتيجة ارتفاع أسعار صرف الدولار بالنسبة لليرة اللبنانية في السوق الموازية، مما يعني تراجع القدرة الشرائية بنسبة 50 في المئة على الأقل والذي وبدون إنعكاسات جائحة كورونا سوف يؤدي إلى زيادة معدل الفقر والبطالة إلى أكثر من 60 في المئة، ما يتخطى 900 ألف عاطل من العمل بمن فيهم العاطلين الحاليين عن العمل.

فهل سيتحمل لبنان والحكومة العتيدة انعكاسات النتائج المحتملة في حال تطبيق اقتراحات صندوق النقد الدولي لناحية تفكك مؤسسات القطاع العام ومؤسسات التقديمات الاجتماعية والصحية والتربوية وغيرها، بما فيها الأجهزة الأمنية والعسكرية بسبب الجوع الذي سيطال الجميع، وبالتالي فإن توصيات صندوق النقد الدولي سيكون لها انعكاسات سلبية أكبر مما يتحمله لبنان حتى وإن جرى إبراز ذلك بأنه نابع من لبنان، فستفاقم الأزمة وستعمقها، وتوقف عجلة النمو الذي يتوقع لها في العام 2020 نسبة انكماش تتخطى 13.8في المئة، وزيادة البطالة والتي ستتعمق أكثر مع تفشي جائحة كورونا، بالإضافة إلى المخاطر الكبرى على أصول الدولة من أملاك والتي بدأت المصارف بطرحها، بالإضافة إلى طرد 30 في المئة من موظفي القطاع العام، مما ينذر بانعكاسات سلبية على صعيد اجتماعي واقتصادي وعامل ثقة سيزيد من عوامل عدم الأمان والهجرة. وكان الأجدر الاستعانة بالخبرات اللبنانية وغير المكلفة من أساتذة جامعيين وقضاة وعسكريين متقاعدين التي يمكنها أن تساعد وتساهم في وضع حلول محلية بعيداً عن تدخلات صندوق النقد”.

يختلف غبريل مع وهبة لجهة القول إن الاستعانة بنصائح صندوق النقد الدولي ستزيد الضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية على لبنان،  إذ يقول: “هذا الأمر يحتاج إلى توضيح،  ففكرة أن الصندوق يفرض إملاءاته على الدول المتعثرة غير صحيح،  فالوضع مختلف من بلد لآخر وليس هناك من وصفات جاهزة (رفع الدعم عن البنزين وتحرير سعر الصرف)، السلطات اللبنانية وضعت برنامجاً والنقاش يجري مع الصندوق على محتوى هذا البرنامج، والصندوق يعطي رأيه في الخطة ويضع التعديلات ويرتب الأولويات، والأهم أن لبنان هو من يحضر الخطة الإصلاحية وهذا ما حصل مع مصر التي وضعت برنامجها الإصلاحي وإتفقت على مهل وأهداف محددة”.

ويضيف: “المشكلة في لبنان هي أنه لم يكن لدى الحكومات المتعاقبة الوعي الكافي، ولو تم ذلك لما حصلت أزمة سيولة وأزمة ثقة وإنكماش إقتصادي، وبالتالي تسييل الذهب وخصخصة القطاع العام يجب أن تكون ضمن مشروع إصلاحي كامل، وأهمية التعاون مع صندوق النقد الدولي هو إعطاء الثقة بخطة الحكومة وإنضباط في تطبيق التعهدات وهذا ما يشجع المساهمين والدائنين على التعاون مع الحكومة اللبنانية”.

تخفيف شروط

فرضية أخرى يجري الحديث عنها في أروقة المحللين والمتابعين للوضع اللبناني، وتقول هذه الفرضية إن وجود النازحين السوريين في لبنان وتحمل أعبائهم منذ العام 2011 يمكن أن يجعل صندوق النقد أقل صرامة في فرض توصياته على لبنان، وبالتالي قد لا تحصل تعديلات كبيرة على خطة الحكومة اللبنانية الإنقاذية، وفي هذا الإطار يقول وهبة، “إن خطة الإنقاذ الحكومية هي خطة الحكومة السابقة مضافاً إليها شروط صندوق النقد الدولي، خاصة بما يتعلق بالإنفاق العام وإعادة الهيكلة وتثبيت سعر الصرف مع بند استجد حول هيكلة المصارف والذي لن يؤثر كثيراً على واقع الطلبات المفروضة من قبل الصندوق، فالخطة القديمة المستجدة التي سوقت لها الحكومة وقبلها المجلس النيابي هي على قياس صندوق النقد وبالتشاور معه، مع الاشارة إلى إضافة بند في نهاية الخطة الحكومية الموضوعة، إلى أن الحكومة مستعدة لتبني كل الخيارات التي يراها صندوق النقد الدولي مناسبة. مما يعني أن لبنان لن يكون له قدرة على إدخال تعديلات على شروط صندوق النقد حتى تلك التي لها تأثير سلبي على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والأمني في لبنان”.

من جهته يبدي غبريل ملاحظات على خطة الحكومة فيقول: “هناك بنود غير واضحة، ومنها تقديم الحكومة أرقاماً لخفض الدين بالنسبة للناتج المحلي وهذا أمر لا يمكن الجزم به خصوصاً انها لم تبدأ إلى الآن المفاوضات مع حاملي سندات اليورو بوند، بالإضافة إلى مقاربتها للخسائر مع القطاع المصرفي، وبالتالي أنا لا أصدق الوعود حتى أراها”.

الخصخصة

ماذا عن حل الخصخصة للقطاعات أو تسييل الذهب في هذه الظروف؟ يجيب وهبه: “بنظرنا أن الخصخصة في حضن النظام السياسي الذي كان المسبب لواقع الأزمة، ودون تعديلات قانونية موضوعية سيعطي هذا النظام قدرة على تجديد نفسه حيث سيتم توزيع الشركات على أصحاب السلطة وبالأموال التي هربت إلى الخارج، خاصة بغياب الكثير من قوانين الحماية من الاحتكار وتأمين المنافسة، مع ذكر أن أكثرية المؤسسات العامة في لبنان تعاني من خسائر وعجز نتيجة لتضخيم البطالة بها، ويتم العمل على إبراز الخصخصة كخشبة خلاص، والتجربة تعيدنا إلى خصخصة TMA والتي تم التخلي عنها مقابل دولار واحد، على أن يتم دفع الالتزامات والتي حينها كانت بحدود 20 مليون دولار، وما حصل هو استملاك الاراضي بقيمة 40 مليون دولار ولم يتم دفع كامل الاستحقاقات لموردي الشركة.

إن تشغيل القطاع العام لقطاعات الهاتف، المياه، الكهرباء، المؤسسات المصرفية المختلطة، تلفزيون لبنان سابقاً، طيران الشرق الأوسط، شركة الريجي، كانت خاسرة ومكلفة لخزينة الدولة، فإذا كان القطاع الخاص يرفض شراء المؤسسات المُتعثّرة، فكيف سيتم التخلي عنها وبأي أسعار ولمن؟، وهناك عدد من الحلول بديلة عن الخصخصة فمن الأفضل تشغيل هذه القطاعات لتصبح مربحة، وهي ستؤمن واردات للدولة، ويمكن تلزيم تشغيل هذه القطاعات للقطاع الخاص بدل تحويل الملكية بشرط وجود رقابة فعلية وموضوعية عليها، وبما يتعلق بقطاع الكهرباء والذي أثقله النهب والسرقة والهدر، من الأفضل تلزيمه بطريقة BOT، (بناء، تشغيل، وتحويل الملكية)، والتي ستخفض استنزاف المالية العامة وستعطي أرباحاً للدولة».

باسمة عطوي