مصرف لبنان: إطلاق العملة الرقمية من ضمن آلية تنظيمية لإعادة الثقة بالمصارف

Download

مصرف لبنان: إطلاق العملة الرقمية من ضمن آلية تنظيمية لإعادة الثقة بالمصارف

مقابلات
العدد 483 شباط/فبراير 2021

مصرف لبنان: إطلاق العملة الرقمية من

ضمن آلية تنظيمية لإعادة الثقة بالمصارف

يستعد مصرف لبنان إلى إحياء مشروع قديم – جديد وهو العملة الرقمية (Digital Currency) الذي وضع مداميكه في العام 2018 كخطوة مواكبة للتطوُّر العلمي، وقبل إندلاع الأزمة المالية والإقتصادية في لبنان أواخر العام 2019. الهدف حينها هو الدفع بإتجاه إقتصاد غير نقدي (Cashless society).

أما اليوم وفي ظل إستمرار الأزمة، وفي ظل غياب أفق لحلها قريباً، تُصبح العملة الرقمية محاولة لإعادة الإستثمار في الأموال المحجوزة في الإقتصاد المحلي وإدارة السيولة.

هذا الإستثمار دونه عوائق عديدة، أولها تراجع إهتمام اللبناني بالمنتجات المصرفية الإلكترونية بدءاً من الشيكات و credit card و debit card وإنحسار التعامل الداخلي تقريباً بالكاش نظراً إلى القيود الكبيرة على التعاملات المصرفية والبطاقات الإلكترونية، نتيجة غياب ثقة المواطن بأي إجراءات نقدية أو مالية جديدة بسبب الأزمة المالية غير المسبوقة التي يعيشها لبنان. علماً أن المصرف المركزي شدَّد على أن «إطلاقه العملة الرقمية هو من ضمن آلية تنظيمية لإعادة الثقة في المصارف وتحريك سوق النقد محلياً وخارجياً، مما يسمح بإنتقال لبنان من إقتصاد نقدي إلى إقتصاد رقمي».

كل ما سبق يدعو إلى البحث عن أهمية هذه الخطوة، في ظل الوضع الإقتصادي والنقدي الذي يعيشه لبنان، وعما إذا كانت هذه الخطوة ستُسهم في ضبط دولار السوق السوداء وخصوصاً أنها  تُحسب لصالح المصرف المركزي لجهة تأكيدها على قدرة لبنان على اللحاق بالتقنيات المالية العالمية، رغم الأزمة المستفحلة، ولو أن إستعمالها سيقتصر في المرحلة الأولى على الداخل اللبناني.

 في البداية، لا بد من التنويه بأن نظام العملات الرقمية بشكل عام يتميز بأمور عدَّة، أبرزها السرعة الفائقة، التكلفة المنخفضة جداً وهي تقريباً مجانية أو لقاء مبلغ لا يذكر، الحماية والشفافية، حيث إن كل عملية إقتصادية أو مالية يتم توزيعها على ملايين الحواسيب حول العالم، ممَّا يجعل عملية إختراقها مستحيلة عملياً، وكذلك بالإضافة طبعاً إلى اللامركزية، أي أنها غير تابعة لأي بنك مركزي.

أما في ما خصَّ العملة الرقمية التي سيجري التحضير لإطلاقها في لبنان فهي عملة وطنية رقمية خاضعة لسلطة مصرف لبنان، وهو من سيُصدرها ويجب أن تكون محدودة وبالليرة اللبنانية ومن المرتقب أن يتم وضع سقوف لإستعمالاتها ولحجمها في السوق.

حمود: أهمية هذه التقنية أنه لا يمكن إستعمالها لدى الصرافين لشراء الدولار من السوق السوداء

يُوافق الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف في مصرف لبنان سمير حمود على هذه الميزات الوارد ذكرها، ويشرح إلى مجلة «إتحاد المصارف العربية» حيثيات إطلاقها في هذا التوقيت تحديداً أي في خضَّم الأزمة المالية والنقدية في لبنان فيقول: «منذ أن تمَّت دراسة هذا المشروع كان من المقترح أن تستعمل داخل لبنان  وليس خارجه، أو بالعملة الأجنبية، لكن ما تحتاج إليه هذه العملة حالياً هو توافق بين المؤسسات التي يُمكن أن تقبل التداول بها وبين الأفراد الذين من المفترض أن يستعملونها»، معتبراً أنه «إذا إستطعنا تسويقها تصبح بديلاً للعملة الورقية اللبنانية، وبالإمكان إستعمال هذه الوسيلة كأداة للدفع وهي شبيهة بالبطاقات الإئتمانية credit card و debit card بالليرة اللبنانية وأدواتها إلكترونية أي الهاتف المحمول».

 يضيف حمود: «أهمية هذه التقنية أنه لا يُمكن إستعمالها لدى الصرافين لشراء الدولار من السوق السوداء، وبالتالي فإنتشارها وتداولها سيخفِّف من إستعمال العملة الورقية، علماً أن الطلب على الدولار سيبقى مرتفعاً سواء أكان لدينا الليرة اللبنانية أم لا، لأن الجميع يريد تحويل دولاره المصرفي إلى دولار نقدي»، مشيراً إلى أن «العملة الرقمية لن تكون أسلوباً أو أداة لمعالجة أزمة كما يشهدها لبنان، بل كانت تطوُّراً في أدوات الدفع المستعملة في ظل الإستقرار المالي الذي عاشه لبنان، اليوم نحن نأخذها بغير الغاية التي وُضعت لأجلها أو إستعمالها الحقيقي أو تطوُّرها، وهناك من يعتبرها أداة لمعالجة الطلب على الدولار المحلي، لأن هدفها الأساسي أن تحلّ مكان credit card  والشيكات المصرفية والدفع نقداً، وليس لتخفيف الطلب على الدولار لأن هذا الهدف لن يتحقَّق».

ويسأل حمود «كيف يُمكن للمؤسسات التي باتت ترفض credit card والشيكات كأداة للدفع وحصرت طريقة الدفع بالكاش، أن تقبل بهذه الوسيلة للدفع؟ فما الذي يدفعها إلى إستعمال digitel؟  digitel يجب أن يحلّ (بصورة جزئية) مكان العملة النقدية الورقية وcredit card والشيك المصرفي بالليرة اللبنانية والبطاقات المتداولة بالليرة اللبنانية، وليس غايتها أن تستبدل الليرة اللبنانية النقدية التي تحوَّل إلى السوق السوداء لشراء الدولار».

لا يعُوِّل حمود على أن العملة الرقمية يُمكن أن تحلّ مشكلة دولار السوق السوداء في لبنان، لكنه يرى أنها «ستخفِّف من إستعمال العملة الورقية. هذا صحيح، لكن المؤسسات تريد الكاش باللبناني كي تُحوِّله إلى دولار لكي تتمكَّن من شراء موادها الأولية»، مشيراً إلى أن «حسنات هذه العملة الرقمية أنها تمكِّن المصارف عبرها من زيادة معدَّل المبالغ التي يُمكن للمودع أن يسحبها من حسابه في الدولار ليصرفه على سعر المنصَّة، عندها يمكن أن تلاقي رواجاً لأنها تريح المودع من تحويل الأموال لتغطية مصاريفه».

ويختم حمود: «العملة الرقمية هي جزء من أدوات الدفع في السوق اللبنانية، وكان من المفترض أن نكون من أوائل الدول التي يجب أن تستعمل هذه العملة، و لكن الأزمة المالية التي عصفت بلبنان أفقدت العملة الرقمية أهميتها ودورها، والإطلالة بها إطلالة حضارية وبتنا نطل بها كإحدى الأدوات لمعالجة الأزمة وسدّ الإحتياجات».

حبيقة: العملة الرقمية لن تلقى القبول المطلوب

 من اللبنانيين بسبب إعتمادهم على الكاش

العملة الرقمية لن تحل المشكلة المالية

يوافق الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة على أن إطلاق العملة الرقمية لا يعني حلولاً سحرية للأزمة المالية والنقدية المستفحلة، ويقول إلى مجلة «إتحاد المصارف العربية»: «إن إطلاق العملة الرقمية أو الإلكترونية لا علاقة لها بالوضع المالي الحالي، لأن العالم يتوجَّه اليوم نحو الخدمات المالية الرقمية، ولبنان  بدأ التحضير لإطلاق العملة الرقمية منذ أكثر من عام  تماشياً مع هذا الهدف الذي تسعى له كل دول العالم».

يضيف حبيقة: «لا علاقة لإطلاق العملة الرقمية بالأزمة المالية التي تعصف بالبلاد، والسؤال هو هل سيكون لهذا المنتج رواج ؟ برأيي نحن في لبنان تراجعنا كثيراً على صعيد التطوُّر المالي، وعدنا نتداول بالكاش بسبب الأزمة المالية الحالية، لذلك فالعملة الرقمية لن تلقى القبول المطلوب من اللبنانيين بسبب إعتمادهم على الكاش».

في المقابل، يشدِّد حبيقة، على أنه «من المفيد إطلاق العملة الرقمية حالياً، والعودة أيضاً إلى المنتجات المالية الأخرى مثل الشيكات و credit card و debit cardوبالتالي هي منتج تسوُّقي لا أكثر. وبرأيه لن يكون لها قبول حالياً، ولكن يُمكن أن تتحسَّن مكانتها مع معالجة الأزمة المالية».

باسمة عطوي

  1. العملة الرقمية هي عبارة عن قيمة مالية كقيمة العملة الورقية، إلا أنها غير موجودة بأشكال فيزيائية ملموسة، بل إنها إفتراضية، وعادة ما تحمل وتُتناقل عبر الإنترنت، وتهدف إلى الدفع الإلكتروني في المعاملات التجارية أو نقل الأموال وتحويلها من دون حدود ومعوِّقات.
  2. في ظل إنعدام الثقة في القطاع المصرفي وتعثُّر عمله، أصبحت المصارف في لبنان كصناديق تفتقر إلى التنظيم، وإطلاق العملة الرقمية قد يُسهم في تيسير صرف الودائع في الإستهلاك المحلي.
  3. إستعمال العملة الرقمية طوعياً وليس إلزامياً، أي برضى العميل لإعادة بناء الثقة في النظام المالي والقطاع المصرفي، كما يتوقَّع أن يكون إصدارها محدوداً في المرحلة الأولى، أي بقيمة نقدية غير كبيرة، وأن تُسهم في الحدِّ من إنتشار ظاهرة الإقتصاد النقدي.
  4. العملة الرقمية تمكِّن المصرف المركزي من مراقبة إنتقال العملة من محفظة إلى أخرى، وتتبُّع الموقع الدقيق لكل وحدة من العملة، مما يحدّ من تخزين الأوراق النقدية التي يقدِّر المركزي أنها الآن نحو 10 مليارات دولار، وتحدّ العملة الرقمية من إمكانية المتاجرة بالعملة اللبنانية عبر الحدود.
  5. ستُسهِّل العملة الرقمية التعامل بين المواطنين الذين يضطرون حالياً إلى حمل رزم من الليرات لتسديد المدفوعات العادية، ويمكن أن تحميهم من عمليات سرقة متوقَّعة.
  6. يُساهم التداول بالعملة الرقمية في تعزيز الشفافية، ما يؤدِّي إلى وضوحٍ أكثر في القطاع التجاري المحلِّي أقلَّه، وجزء من التداول فيها إيجابي إذ يُمكن معرفة إتجاهات السوق من خلالها، ويجب إعطاء حوافز للناس كي يستخدموها وإلا سيستمرُّون في الإحتفاظ بالليرة لديهم.
  7.  العملة الرقمية تُعيد إدخال السيولة في النظام الإقتصادي، إذ يُمكن تعقُّبها أكثر في ظلِّ الفوضى السائدة خصوصاً مع العملة الوطنية.