30 مليون شخص يتعاملون بها حول العالم وعددها 21 مليون وحدة فقط

Download

30 مليون شخص يتعاملون بها حول العالم وعددها 21 مليون وحدة فقط

مقابلات
العدد 450

30 مليون شخص يتعاملون بها حول العالم وعددها 21 مليون وحدة فقط

وزنة: البتكوين فقاعة لا تملك مقومات الصمود كباقي العملات التقليدية

وهبة: البتكوين تفتقر إلى الأسس التي تجعلها عملة معترف بها من قبل المصارف

يوماً بعد يوم تتحول عملة «البِتْكُويْن» من مجرد فكرة ولدت في العام 2009 كرد فعل على الأزمة المالية العالمية التي عصفت بأرجاء المعمورة في العام 2008، إلى عملة إلكترونية ذات قيمة متزايدة بشكل لافت ترتفع وتنخفض بحسب العرض والطلب، كما بات التعامل معها اليوم كسلعة، يتم شراؤها وبيعها للإستفادة من تقلبات قيمتها نسبةً إلى عملات وأصول أخرى، لكن الهدف الأساسي منها هو تسيير عمليات التبادل التجاري بين مجموعة محددة من الأشخاص، يستخدمون «البِتْكُويْن» في التعاملات المالية مباشرة دون وجود هيئة وسيطة تنظم هذه التعاملات، حيث تذهب النقود من حساب مستخدم إلى آخر بشكل فوري، ودون وجود أي رسوم تحويل ودون المرور عبر أي مصارف أو أي جهات وسيطة من أي نوع كان.

وبالرغم من أنها باتت عملة ذائعة الصيت عالمياً يمكن مقارنتها بالعملات الأخرى مثل الدولار أو اليورو، إلا أن فوارق أساسية تميزها، من أبرزها أن هذه العملة هي عملة إلكترونية بشكل كامل عددها محدود، وتتداول عبر الإنترنت فقط من دون وجود فيزيائي لها، كما تختلف عن العملات التقليدية بعدم وجود هيئة تنظيمية مركزية تقف خلفها، لكن يمكن إستخدامها كأي عملة أخرى للشراء عبر الإنترنت أو حتى تحويلها إلى العملات التقليدية، وبالرغم من إقرار الخبراء الاقتصاديين بأنها باب واعد للإستثمار في البورصات العالمية والمصارف الكبرى إلا أنها لا تزال غير مقبولة من قبل المصارف المركزية في معظم دول العالم، مما يجعل البحث عن أسباب هذه المحاذير التي يضعها القيمون على الشأن التجاري والمالي العالمي تجاه هذه العملة أمراً مشروعاً.

وزنة: عملة تحرر النقد من سيطرة الدول والمصارف

يمكن القول إن الاهتمام العالمي بـ«البِتْكُويْن» بات يكبر ككرة الثلج منذ العام 2011، بعد أن تحولت إلى حاجة فعلية ووسيلة لفتح المجال أمام التجارة غير المشروعة، وفي هذا الإطار يشرح الخبير الاقتصادي غازي وزنة أن «البِتْكُويْن»، عملة تأسست في نهاية العام 2008 بعد الأزمة المالية العالمية من قبل مجموعة من الخبراء، ويعرّف عنها الليبراليون بأنها عملة تحرر النقد من سيطرة الدول والمصارف المركزية، وليس لها حدود أو إنتماء لا مصرفي ولا دولي، من هنا بات الإهتمام بها واللجوء إليها لأهداف متعددة، فمنهم من يستعملها كعملة جديدة وجاذبة يمكن الإستثمار فيها من دون أن نعرف إلى أين يمكن أن يصل مداها، وآخرون يعتبرونها عملة للمضاربة، ومنهم من يستثمر فيها (الهند) كنوع من الإستثمار الآمن كالذهب، وفي الصين يتم إستعمالها تخوفاً من التطورات السياسية، ومنهم من يستثمر فيها بعد إرتفاع أسعارها، إذ يمكن عبرها التهرب من الضرائب وتمويل الإرهاب وتبييض الأموال، وهذه العملة سجلت إرتفاعاً في قيمتها 20 مرة في العام 2017، في حين أنه من العام 2011 حتى 2017 إرتفعت قيمتها ما يزيد عن 20 ألف مرة ، علماً أن عند تأسيسها كان سعرها أقل من سنت واحد وفي العام 2011 وتحديداً في شهر شباط/فبراير كان سعرها دولاراً واحداً، وفي نهاية 2017 صارت قيمتها (وحدة نقدية) 20 ألف دولار».

يضيف: «تتميز «البِتْكُويْن» بأنها محدودة العدد (21 مليون وحدة فقط) لا تزيد ولا تقل، وقد إرتفع سعرها إلى 700 دولار وأسباب إرتفاعها هو زيادة الطلب عليها ومحدودية عددها، وكما أن من يقوم بصفقات حولها هم مجهولي الهوية، وهذا ما يساعد على القيام بعمليات غير مشروعة كتبييض أموال وتهريب أموال، كما أن تزايد الطلب عليها ساهم في إرتفاع سعرها عشرين ألف مرة، كل هذه المعطيات تجعلها أقرب إلى أن تكون فقاعة لأنه ليس لها مقومات صمود كباقي العملات التقليدية التي تستند إلى مقومات إقتصادية وذهب يغطيها، بينما «البتكوين» لا يغطيها سوى العرض والطلب ولذلك فهي نوع من المقامرة الكبيرة يتسع مجدها وقوتها نتيجة كثرة الطلب عليها».

وهبه: إرتفاع أسعار البتكوين سببها النظام الرأسمالي

يقدم الخبير الاقتصادي الدكتور محمد سليم وهبه (أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية)، أسباباً متعددة لعدم قبول «البتكوين» من قبل المصارف المركزية في الدول، إذ يشير إلى أن «العملات الافتراضية البتكوين، الاثروم، اللايتكوين، البيت فينكس والريبل مبادئها ومنهجيتها متقاربة، وتعتمد على معادلات لوغارتمية معقدة، تطورت وانتشرت نتيجة التحكم المصرفي بكل مفاصل الاقتصاد والعمليات».

يضيف: «هذه العملة الغامضة تشبه إلى حد كبير شخصية واضعها ساتوشي ناكاموتو والذي تبين أنه غير ياباني، لتكون في أطرها البديل المصرفي العالمي بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008 وسقوط المصرف الدولي Lehman Brothers، فأصبحت المنافس الأكبر للنظام الرأسمالي وللمصارف المركزية، بعد أن بدت وكأنها خارج النظام المصرفي ورقابة المصارف المركزية، والبتكوين تفتقر إلى الكثير من الأسس التي تجعلها عملة معترف بها من قبل مصرف التسويات الدولية والمصارف المركزية وهيئات أسواق المال في العالم، وذلك لناحية عدم تمتعها بالغطاء القانوني المالي والمعنوي من دولة الإصدار، وبالرغم من أن عدداً من البنوك الأميركية الكبرى تتردد في فكرة إدخال عملة البتكوين، سوق العقود الآجلة، بعد إعلان السلطات النقدية والمالية الأميركية أن النظام المالي الأميركي غير مستعد لإطلاق هذه العقود نظراً لعدم ثباتها وللتقلبات التي تحدث في أسعارها مقابل العملات الدولية، من البارز أن العديد من المجموعات الاقتصادية والمالية لا زالت ترغب بإعتماد هذه العملة الافتراضية، وعلى سبيل المثال مجموعة «مان غروب» التي تشرف على إدارة 85 مليار يورو والتي أدخلت البتكوين في استراتيجيتها على أن تتم مقاربة التسعير حسب Chicago Mercantile Exchange (CME)E، كما وأن GOLDMAN Sachs إستثمر بقيمة 50 مليون دولار في شركة ناشئة تقدم خدمات تخزين واستخدام عملة البتكوين، كما أطلقت Nasdaq للمرة الأولى منتج Blockchain، والملفت للنظر أن دولاً صناعية كألمانيا واليابان والولايات المتحدة وعدد من البلدان الاوروبية لم تمنع التداول بالبتكوين، وأن العديد من الدول تعترف بعملة البتكوين لشراء السلع والخدمات والتداول، ويبحث العديد من الدول عن تنظيم هذه العملة، فيما بعض الدول خارج إطار الدول الصناعية الكبرى منعت التعامل بها. علماً أن المنع لا يعني بالضرورة عدم اقتنائها وتحميل حائزيها مسؤولية المخاطر، وعلى الصعيد المصرفي في لبنان فقد حذر مصرف لبنان في العام 2014، من حيازة أو إستعمال النقود الالكترونية، وبإعتقادنا أن من صالح المصارف المركزية في العالم التشكيك بصلاحية هذه العملة، حيث إن تملك البتكوين، وتطور القيمة الحاصلة في أسعارها، متأتية من النظام الرأسمالي نفسه الذي يملك القدرات المالية والرأسمالية الكافية، بهدف زعزعة الثقة في هذه العملة التي تعتبر المنافس الأكبر للنظام التقليدي».

آلية الصرف

والسؤال الذي يطرح هنا، ما هي آلية صرف «البتكوين» بعد أن باتت ذائعة الصيت وشاغلة الأسواق؟، يجيب وزنة بالقول: «آلية صرفها تكون من خلال إستعمالها من قبل الذين يقبلون بالتعامل فيها، فهناك 30 مليون شخص يتعاملون بالبتكوين و50 في المئة منهم في الولايات المتحدة الأميركية والباقون في خارج الولايات المتحدة، وكل دولة تتعامل معها من منظورها الخاص، الصين وكوريا منعتاها خوفاً من إستعمالها في أعمال غير شرعية، وروسيا تتعامل معها بشكل ملتبس أي أنها لا تقبل بها علناً ولكن لا ترفضها، اليابان تبنتها وإعتبرتها عملة شرعية لأنها تأمل من خلال تبني هذه العملة أن تصبح المركز المالي لكل العملات الافتراضية في المستقبل والمركز والملاذ والجنة الضرائبية عبر هذه العملة، أما الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية لم يمنعوها ويحاولون وضع تدابير وإجراءات حمائية (فرنسا تخضع الارباح التي تحققها الاستثمارات عبرها إلى الضريبة 60 في المئة، وفي الولايات المتحدة تمنع إخفاء هوية المتداولين في هذه العملة)، ولا شك أن مصيرها هو أنها ستكون فقاعة لأن ليس لها أسس، وهذا يرجع إلى الدول الأوروبية في أخذ القرار لتقليص حجمها، أما أحد عناصر قوة هذه العملة فهو الاهتمام بها من قبل بورصات العالم، بينما المصارف المركزية لا تشجع التعامل معها،على إعتبار أنها عملة ليس لها أسس أو تخضع لأي رقابة، واليوم الايجابية التي تتمتع بها البتكوين تكمن في أمرين، الأول أن بورصات عالمية (بورصة شيكاغو) تقبل التداول فيها، كما أن مصارف عالمية كبرى تحاول التعاطي معها من خلال عقود آجلة، وهذا يظهر أنه لا يزال لديها وقت للإستمرار».

يفسر وهبة آلية صرف البتكوين من الناحية العملية بالقول: «هي عملة إفتراضية الكترونية معنوية ولا وجود مادي وملموس لها، يتم تداولها عبر الإنترنت فقط، وتستخدم في العمليات بين أطراف متوافقة بصورة مباشرة عبر شبكة الإنترنت ولا تتحكم فيها أي سلطة أو بنوك مركزية، وتعتمد على الآلاف من أجهزة الكمبيوتر في أنحاء العالم التي تتحقق من صحة المعاملات، ويعتبر الدفع بواسطة البتكوين أسهل من الشراء بواسطة بطاقات الائتمان العادية، ويمكن قبولها دون الحاجة لوجود حساب مصرفي للتاجر، وتتم مدفوعات البتكوين من خلال برنامج لمحفظة بتكوين، إما من خلال الحاسوب الشخصي أو الهاتف الذكي، عن طريق إدخال عنوان المستلم والمبلغ المدفوع وإرساله دون أي رسم أو عمولة».

يضيف: «ما يحفز عملة البتكوين على الإستمرار أنها تسهل التعامل بين الأطراف، فلإتمام العملية لا تحتاج إلى وسيط، حيث يتم وضع شروط الإتفاق بين الطرفين، ويتم تحويل المبالغ بين محفظتي الأطراف عند تنفيذ الشروط، وبالتالي فإن العمليات تتم بوقت أقصر، وكلفتها أقل، ولا يمكن تغيير المعلومات والشروط أو التدخل بها ومراقبتها، فالعمليات آمنة وتتمتع بالخصوصية وتقلل من سيطرة المصارف، ومن ناحية ثانية وكون العمليات تحصل على الشبكات الالكترونية، فلا ترتبط بموقع جغرافي محدد، مما يلغي تحكم المصارف المركزية في إصدار النقد وطبع الأموال، وتخفيض الإنعكاسات السلبية التي تسببها هذه السياسات من تضخم وإنخفاض القيم الشرائية».

وينبِّه وهبة إلى أن «كل ما يحصل في البتكوين والعملات الافتراضية غامض وتحكمه ضبابية شاملة، وكذلك بالنسبة للتسعير، فإن الخصوصية التي تتمتع بها عملة البتكوين والتشفير تمثل العديد من السلبيات الناتجة عن عدم شفافية العمليات، وسهولة أن يتم القيام بعمليات مشبوهة وبخاصة في الشبكة العميقة. فأسعار الصرف يحددها العرض والطلب، المشكلة أن مطلق العملة الإفتراضية وضع خطة إنتاج للعملة كي تصل في بداية العام 2140 إلى ما عدده 21 مليون عملة، وهذا العدد المحدود ساهم في الارتفاع غير المنظور لهذه العملة مع الارتفاع الكبير في الطلب».

فقاعة لا تموت

بالإضافة إلى شراء المنتجات، يستطيع المستخدم تبديل قطع البِتْكُويْن النقدية الموجودة لديه بعملات أخرى حقيقية. عملية التبديل هذه تتم بين المستخدمين أنفسهم الراغبين ببيع مبالغ «البِتْكُويْن» وشراء عملات حقيقية مقابلها أو العكس. كل هذه التعاملات تتم وفق حديث الخبراء بأنها مجرد فقاعة، ما يعني أن ذلك يمكن أن يعرض المصارف التي تتداول بها للمخاطر، وفي هذا الاطار يشرح وزنة ذلك بالقول: «إنها فقاعة ولكن لا تموت ولا تعرض المصارف للمخاطر لأن الأرباح والعمولة التي يتقاضاها المستخدم نتيجة التداول مضمونة، وبينما المخاطر تقع على الزبون نتيجة تغيّر أسعار الصرف، من هنا تعتبر المصارف أن البتكوين هي أحد الاستثمارات التي تؤمن المداخيل وهناك صفقات مالية تزيد ومخاطر البتكوين يمكن استيعابها لأن كل قيمتها لا تتجاوز 300 مليار دولار، والتداول اليومي فيها يصل عالمياً إلى 5300 مليار دولار، وبالتالي التداول فيها محدود وقليل المخاطر، وما عزز دور البتكوين البورصات الأميركية التي تتداول بها والمصارف المركزية الكبرى التي تسمح بالاستثمار فيها وهذا ما يجعل آفاقها واعدة ويتعزز دورها ومكانتها، لكن في المقابل ليس وارداً التداول بالبتكوين في لبنان والدول العربية لأنها عملة إلكترونية، وكبار الاختصاصيين في أميركا يجزمون بأن التداول في العملة الالكترونية بدأت مع القطاع الخاص، وستنتقل إلى القطاع العام ولكن تحتاج إلى مزيد من الوقت وقد يمتد إلى عقود حتى يصل التداول بها إلى منطقتنا».

من جهته يجيب وهبه بالقول: «المضاربة هي وسيلة المستثمرين الذين يودون الحصول على أرباح سريعة، خاصة وأن مجتمع البتكوين يضم أكثر من 30 مليون مستخدم، منهم مليون من كوريا الجنوبية، وفي أقل من عام قفزت قيمة العملة من 847 دولاراً للبتكوين الواحد ليتخطى في الاسبوع الاول من العام 2018 ما يقارب 17000 دولار، هذه القيمة الجوفاء لا يفترض بها أن تعطي الثقة للمستثمرين الجدد، نظراً للتطاير والهبوط المفاجئ في أسعار الصرف، والذين هم على دراية أن سعر الإنطلاق لوحدة البتكوين هو بسنت واحد والكثير من المستثمرين حصلوا على البتكوين عندما كان سعرها 28 سنتاً في 2011، ومن ثم التطاير الكبير الكامن في العملة نفسها، مع الاشارة إلى أن رسملة البتكوين بلغت حوالي 250 مليار دولار، وهي تشكل نسبة غير جوهرية من النظام المالي العالمي، وبالمقابل يوجد إقبال للعديد من الشركات الكبرى نحو هذه العملة للمزايا التي تتمتع بها، لناحية الخسائر، فهي تنعكس على المضاربين، وهناك العديد من المؤثرات التي تنعكس بشكل مباشر على أسعار البتكوين، وكمثال فقد أثارت مراسلة رابطة صناعة العقود الآجلة في الولايات المتحدة (والتي تضم أكبر المصارف الاستثمارية في «وول ستريت» تم إرسالها إلى لجنة تداول السلع الآجلة) برسالة تطلب فيها عدم السماح بدخول التعاقدات الآجلة للبتكوين بسبب الشفافية العامة ومخاطر تتعلق بمراقبة وتنظيم هذه العملة الالكترونية في نهاية العام 2017 على الأسعار، حيث خسرت عملة البتكوين ما يقارب 20 في المئة من قيمتها خلال تداولات يوم واحد بعد أن كانت قفزت إلى أكثر من 40 في المئة خلال اليومين اللذين سبقا المراسلة، مما أثار المخاوف لدى المستثمرين من إنهيار للأسعار، ولا شك أن عدم ثبات سعر التداول وربط البتكوين بالدولار يخرج العملة عن الخط الرئيسي الذي وضعه مؤسس هذه العملة، وبنتيجة الغموض وعدم الشفافية والتطاير السريع للأسعار فإنها تترك مخاوف من أن تصبح هذه العملة مع تعاظمها مجرد فقاعة، لعدم وجود قيمة فعلية في مقابلها ومن المؤكد أنها سوف تنفجر بفعل ضغوط المصارف المركزية الدولية، ولكنها مع حجمها الحالي وكونها خارج الاطار المصرفي فلن تحدث معها أزمات مالية إقتصادية».

باسمة عطوي