54 قانوناً إصلاحياً تم إقرارها في مجلس النواب ولا تجد طريقها نحو التنفيذ

Download

54 قانوناً إصلاحياً تم إقرارها في مجلس النواب ولا تجد طريقها نحو التنفيذ

مقابلات
العدد 479- تشرين الأول/أكتوبر 2020

54 قانوناً إصلاحياً تم إقرارها في مجلس النواب ولا تجد طريقها نحو التنفيذ

جابر: عدم تطبيق القوانين الصادرة عن مجلس النواب  مخالفة دستورية فاضحة

كورسون: البرلمان والحكومة والقضاء لا يتحركون بفعالية كافية لتطبيق القوانين

يُعطي أحد المتابعين مثالاً على سطوة القانون في بريطانيا بأن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إضطر إلى توقيع قانون صوّت عليه مجلس العموم البريطاني عند الساعة الحادية عشرة ليلاً (خوفا من الملاحقة القانونية بالرغم من معارضته له) يطالب فيه مجلس العموم، الإتحاد الاوروبي إرجاء التصويت على خروج بريطانيا من الإتحاد الاوروبي حتى نهاية كانون الاول/ديسمبر 2020، في حين أن هذه السطوة تُضرب في لبنان عرض الحائط من قبل رؤساء حكومات ووزراء ومدراء عامين من دون حسيب أو رقيب، ولعل أبسط مثال على ذلك عدم تعيين أعضاء هيئة ناظمة لسلامة الغذاء، رغم صدور قانون من مجلس النواب في العام 2015 لتأليفها، بسبب المناكفات والمحاصصات السياسية، وتم الإكتفاء بتعيين رئيس للهيئة في العام 2019 يتقاضى راتبه من دون أي عمل.

مثال قانون الهيئة الناظمة لسلامة الغذاء هو غيض من فيض القوانين الإصلاحية غير المطبّقة في لبنان والتي يبلغ عددها إلى الآن نحو54 قانونا رغم مطالبة المجتمع الدولي لبنان بتنفيذ الإصلاحات منذ إنعقاد مؤتمر «باريس- 1» في العام 2001 وحتى إنعقاد مؤتمر سيدر في العام 2018، واليوم نحن على أعتاب تنفيذ المقررات الاقتصادية للمبادرة الفرنسية (بعد تشكيل الحكومة الجديدة) في الوقت الذي يوجد في لبنان «لجنة نيابية لمتابعة تنفيذ القوانين» تجتمع دورياً لمناقشة الخطوات المطلوبة لضمان تنفيذ القوانين، وترسل الأسئلة إلى سائر الوزارات مرفقة بلائحة القوانين المتعلقة التي يجب تطبيقها وتطلب من الوزراء إبلاغها بخطط إنجاز المراسيم التطبيقية والتعيينات المطلوبة لتنفيذ القوانين التي يتم إقرارها، ولكن دون جدوى لسبب بسيط أن القطبة المخفية في هذا الموضوع تكمن في إطمئنان الوزير بأنه لن يكون عرضة للمساءلة والمحاسبة أو طرح الثقة فيه، لأن القوى الممثلة في مجلس النواب هي نفسها التي تؤلف الحكومة وتتوافق في ما بينها على تنفيذ هذا القانون وغض النظر عن وضع ذاك القانون موضع التنفيذ، إذ لا يُعقل لهذه القوى أن تعمد إلى إدانة نفسها.

القوانين غير المنفذة هي إصلاحية       

كل ما سبق، يدعو للبحث عن أدوات الضغط التي يملكها مجلس النواب والمجتمع المدني لوضع هذه القوانين الاصلاحية موضع التنفيذ، وعمّا إذا كانت الحكومة المقبلة تملك هامش المماطلة في تطبيقها كما كان يحصل سابقاً أم أن الأمور ستكون أكثر جدية مع توقيع لبنان الإتفاق مع صندوق النقد الدولي؟

                                               النائب ياسين جابر

يشرح رئيس لجنة متابعة القوانين النيابية النائب ياسين جابر لمجلة «إتحاد المصارف العربية» هذا الأمر بالقول: «معظم القوانين التي أقرّها مجلس النواب ولم تنفذ بعد هي قوانين إصلاحية، وفي العادة القوانين التي تصدر هي قوانين تغييرية، وقبل تأسيس اللجنة كنت أبحث عن قوانين تهمّني كوني كنتُ عضواً في اللجان النيابية ولا سيما القوانين المتعلقة بالقطاع الكهربائي والطيران وسلامة الغذاء وما شابه، فأشار لي أحد الموظفين الكفوئين في مجلس النواب أنه كان يسجل تواريخ القوانين حين صدورها وصدور المراسيم التطبيقية لها، فإكتشفت أن هناك 34 قانوناً صادراً عن مجلس النواب لم يطبق ( وهذا منذ خمس سنوات)، واليوم بات عدد القوانين غير المطبقة نحو 55 قانوناً ويتم تجاهلها».

يضيف النائب جابر: «إن أهم هذه القوانين هي قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولأعطي مثلاً عن تعطيل هذا القانون أن وزارة الطاقة والمياه لم تستعن به لإعداد خطة عن القطاع الكهربائي، وبالتالي تعطيل القوانين التي يتم إقرارها يتم بطريقتين، إما عدم تعيين مجالس الإدارة التي ينص عليها القانون كي تنطلق بعملها أو من خلال تعطيل المراسيم التطبيقية، فمثلاً قانون حق الوصول إلى المعلومات بقي من دون مراسيم تطبيقية لسنوات، ولم يقرّ إلاّ منذ أشهر».

ويشدّد جابر على «أن أهمية هذه القوانين تكمن في أن الشق الاقتصادي من المبادرة الفرنسية تضمّنت المطالبة بتعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء التي صدرت بقانون رقم 462/2002 ومن دون تعديلات، وما يُقلق في عدم تطبيق القوانين أن هذا الأمر يُعدّ مخالفة دستورية فاضحة، لأن المادتين 56 و66 من الدستور تُحدد وظيفة الحكومة (المادة 65) تطبيق القانون والأنظمة ووظيفة الوزير في المادة 66 هي تطبيق القانون والأنظمة وهو مجبر على ذلك والأمر ليس إختيارياً، ويا للأسف، أنه في الحكومات الأخيرة بات الوزير يجاهر بعدم تطبيق القوانين ويريد تغييرها بحسب مصالحه».

والسؤال الذي يطرح هو هل تملك اللجنة أدوات ضغط لتنفيذ هذه القوانين؟

يجيب ياسين: «ما نملكه كلجنة هو الضغط الإعلامي والمراجعات مع رؤساء الحكومات والمجلس النيابي والوزراء، وكانوا يقطعون وعودهم ولا ينفذونها، ووجهت أسئلة نيابية إلى الوزراء المعنيين ولكن المشكلة في لبنان أن الحياة السياسية والنيابية غير مستقرة، فمنذ العام 2014 حتى أواخر العام 2016 كنا من دون رئيس للجمهورية وحصل تعطيل لدور مجلس النواب، وبعدها إستغرق تشكيل حكومات فترات طويلة وهذا يعني أننا نعيش في عصفورية، وأيضاً في ظل وقاحة في السلطة التنفيذية، وأبرز مثال على ذلك قانون سلامة الغذاء الذي من المفترض أن يتم تعيين الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء في 21 /5/ 2018 وما حصل في آخر جلسة لمجلس الوزراء (قبل أن تُعتبر الحكومة مستقيلة قبل الإنتخابات النيابية) تم تعيين رئيس للهيئة فقط ومن دون أعضاء، ولم يصدر المرسوم التطبيقي لهذا القانون، ولم يُستكمل تعيين باقي أعضاء الهيئة، وهذا يعني أننا أمام ممارسات فاضحة، ويدل على أن إحترام القوانين في لبنان هي مسألة وجهة نظر، وإذا لم نغيّر هذه النظرة وهذه المقاربة ونتحول إلى دولة قانون، لا يُمكن أن نحل مشاكلنا التي نتخبّط فيها والوزير الذي لا يرد تطبيق القانون يجب إحالته إلى المحاكمة».

ويشرح جابر «أهمية القوانين هي أنها قوانين إصلاح هيكلية الوزارات، ففي ملف الكهرباء، القانون موجود منذ العام 1963 وتكبّدنا بسبب عدم إدخال الإصلاحات المطلوبة خسائر لا تُحصى، وتم وضع قانون لإعادة هيكلة القطاع لإدارته بشكل مختلف، وتم تجربته في معظم دول العالم، ونجح ولكننا في لبنان مصرّون على عدم تطبيقه، لأننا لا نؤمن بدولة القانون والمؤسسات، وعلينا تغيير هذه المنهجية».

ويختم جابر قائلاً: «في تطبيقنا المبادرة الفرنسية، وبعد أن تم إنكشافنا من المجتمع الدولي، فإن أي تمويل خارجي لن يتم إلاّ عبر تطبيق الإصلاحات والقوانين، ومن ضمن الخطة الموضوعة أن الدول الغربية لن تساعد لبنان إلاّ عبر صندوق النقد الدولي وعبر خططه ونظامه، وبما أن التمويل سيكون عبر صندوق النقد الدولي وبالعملة الصعبة ولأننا بحاجة ماسّة لهذا التمويل الذي سيُعطيناأيضاً المفتاح لفتح أبواب التمويل الأخرى، فصندوق النقد الدولي سيكون صارماً لجهة تطبيق القوانين والصلاحات وإلاّ سيحجب المساعدات».

ضغط المجتمع المدني

       جوليان كورسون، المدير التنفيذي في جمعية “لا فساد”

يُقارب المدير التنفيذي في جمعية «لا فساد» جوليان كورسون ملف عدم تنفيذ القوانين الاصلاحية في لبنان، من زاوية الضغط الذي يُمكن أن يقوم به المجتمع المدني لحث الحكومات المتعاقبة على تنفيذ هذه القوانين، ومساعدة اللجان النيابية تقنياً على إعداد قوانين إصلاحية جديدة.

ويشير كورسون لمجلة «إتحاد المصارف العربية» إلى «أن هناك 5 قوانين عملت الجمعية على الدفع إلى تطبيقها منها حق الوصول إلى المعلومات والإثراء غير المشروع والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وحماية كاشفي الفساد»، لافتاً إلى أنه «بدأ العمل على هذه القوانين في العام 2009 عندما إنضم لبنان إلى المعاهدة الدولية لمكافحة الفساد وهذه المعاهدة تطلب من الدول التي تنضم إليها مواكبة التشريعات، وبدأت ورش العمل حول هذه القوانين، وأول بادرة خير كانت في العام 2017 حيث تم التصويت على قانون حق الوصول إلى المعلومات، وفي العام نفسه إنتهى العمل في مسودة قانون الإثراء غير المشروع، وبقي قانون الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتم التصويت عليه منذ نحو عام».

 يضيف كورسون: «حق الوصول إلى المعلومات أُقرّ في العام 2017 والعمل فيه بدأ بشكل خجول جداً لأسباب منها عدم صدور المراسيم التطبيقية الخاصة به وعدم إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومهمتها السهر على تطبيق هذا القانون، وهذه الأسباب بحسب مجلس شورى الدولة وهيئة التشريعات، ليست أسباباً كافية لعدم تطبيق القانون»، مشيراً إلى «أن مساندة الجمعية تقنياً تم من خلال تنظيم أكثر من 90 ورشة عمل على الأراضي اللبنانية لنشر الوعي حول أهمية هذا القانون، وكل هذه الديناميكية، كانت بحاجة إلى قدرات تقنية غير موجودة بشكل واسع في مجلس النواب، وهذا أمر طبيعي، لأن ملف مكافحة الفساد يحتاج إلى إختصاصيين وخصوصاً أن قانون مكافحة الفساد بدأ التداول به عالمياً بدءاً من العام 2000، بالإضافة إلى الضغوطات السياسية للدفع نحو إقرار هذا القانون، وهذا ما دفع الجمعية إلى العمل على تقديم المساندة التقنية للأطراف التي تعمل على إعداد هذا القانون، ومن ناحية أخرى ممارسة الضغط الإيجابي لحث الدولة اللبنانية ومجلس النواب لإصدار تشريعات تتناسب مع المعاهدات الدولية».

ويوضح كورسون أنه «منذ (ثورة 17 تشرين الأول 2019) حصل ضغط محلي، بالإضافة إلى ضغط دولي، وهذا ما أدى إلى إصدار المجلس النواب والحكومة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والمرسوم المتعلق بحق الوصول إلى المعلومات وإقرار مجلس النواب تعديل قانون الاثراء غير المشروع، وبدء وزارة العدل بتسيير مكتب شكاوى كاشفي الفساد وهذه نقطة إيجابية».

ويشرح كورسون الحلقة المفقودة في تنفيذ هذه القوانين بأن «دور مجلس النواب تشريعي ورقابي، وهنا الضعف الأساسي هو في دوره الرقابي ولم يصل إلى ضغط كافي لدفع الحكومة والوزراء المعنيين لتطبيق القوانين عبر توجيه أسئلة إلى الحكومة وطرح الثقة بوزير وهذا ما نراه بشكل واضح»، مشدَّداً على أن «وجود 52 قانوناً غير مطبّق يشير إلى أن الدور الرقابي لمجلس النواب غير كافٍ، وعلى الصعيد التنفيذي، هناك دور تنفيذي لمؤسسات الدولة هو غائب أيضاً (قانون السير – التدخين مثال واضح على عدم التشدُّد في التطبيق)، والأجهزة التنفيذية لا تلعب دورها كما يجب، وأيضا القضاء اللبناني يُمكن أن يكون له دور متقدِّم ولكنه أيضاً لا يُحرِّك ساكناً، والتحدي الموجود هو على مستوى المؤسسات التي تكوِّن مفهوم دولة القانون، أي مجلس النواب وأجهزة الحكومة والقضاء، وجميعها لا تتحرك بفعالية كافية مما يؤدي إلى عدم تطبيق هذه القوانين».

باسمة عطوي