إجراءات خطابات الإعتمادات المستندية

تنزيل

إجراءات خطابات الإعتمادات المستندية

الاخبار والمستجدات
العدد 494 كانون الثاني/يناير 2022

إجراءات خطابات الإعتمادات المستندية

 المستشار د. عبد القادر ورسمه غالب

من الخدمات المهمة التي تقدمها البنوك، التسهیلات المصرفیة التي تتم عبر فتح خطابات الإعتماد المستندیة بأنواعها المختلفة، لتسهیل تعاملات الزبون وفتح نافذة للتعامل مع أي جهة یرغب في التعامل معها. ولولا توافر خطابات الإعتماد المستندیة، لما تم التعامل التجاري خصوصاً مع العالم الخارجي بالقدر الذي نعیشه الآن. ویجوز لنا أن نقول إن خطابات الإعتماد المستندیة التي تقدمها البنوك التجاریة لزبائنها هي الأساس الداعم للتجارة الدولیة. ولهذا قامت غرفة التجارة الدولیة بإصدار القواعد والأعراف الموحّدة للإعتمادات المستندیة شاملة خطابات الإعتماد. وإصدار هذه القواعد الموحدة یُعتبر من أهم إنجازات غرفة التجارة الدولیة، ولا سيما أن أثرها واضح في ترقیة وتسهیل النشاط والتبادل التجاري بین المستوردین والمصدرین مما یؤدي إلى تنشیط التجارة.

وفي تنظیم العمل في النشاطات، تلعب القواعد والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندیة دور التجاریة الدولیة بموجب الإعتمادات المستندیة، ولقد سُمیت هذه القواعد بـ «القواعد الموحّدة» نظراً إلى أنها تنطبق على كل الدول بمفهوم موحّد، وتُطبّق على جمیع الإعتمادات المستندیة، ویجري العمل وفق هذه القواعد والأعراف الموحدة منذ فترة طویلة. وقامت غرفة التجارة الدولیة بإجراء العدید من التعدیلات لهذه القواعد، وذلك وفقاً لمستجدات التجارة الدولیة والبینیة. مع العلم أن هذه التعدیلات یتم نشرها تباعاً وأولاً بأول حتى یعلمها الجمیع.

 والسؤال هو، ما هو المقصود بخطابات الإعتماد المستندیة؟ وفي إیجاز نقول: إن هذا النشاط المصرفي، یشمل العمل أو الترتیبات التي یقوم بموجبها بنك معین بإصدار الإعتماد المطلوب، ویُسمى البنك مصدر الإعتماد، وذلك وفقاً لتعلیمات وتوجیهات الزبون أو طالب الخدمة، أو القیام بالعمل أو الترتیبات لحساب البنك الخاص. ویقوم البنك «مصدر الإعتماد» بموجب خطاب الإعتماد بتنفیذ أحد البدائل، ومنها، القیام بدفع المبلغ المطلوب للمستفید، وربما لا یدفع للمستفید مباشرة بل لأمره، أو قیام البنك بدفع أو قبول كمبیالات أو أوراق تجاریة مسحوبة من المستفید، أو أن یطلب من بنك آخر، ویُصرّح له القیام بتنفیذ ما ورد في البدیل الأول، وهذا لعدم تمكن البنك، ولأي سبب، من التعامل مباشرة مع المستفید.

وعلى البنك المعیّن التصرّف، وفقاً للتعلیمات التي وصلته من البنك مصدر الإعتماد لأنه من الناحیة القانونیة یُعتبر وكیلاً له. ومن الناحیة القانونیة والفنیة، فإن العملیات المصرفیة المذكورة في هذه البدائل هي التي تشكل خدمة خطابات الاعتماد التي تقدمها البنوك یومیاً للزبائن، وذلك حسب طلبهم أو حسب الحال المطلوبة.

وإستناداً إلى القواعد والأعراف الموحدة للإعتمادات المستندیة، فإن الشخص المستفید یُمثل أحد أركان الإعتماد الأساسیة. ومن الناحیة القانونیة، ونظراً إلى خصوصیة عقد خطاب الإعتماد وإستقلالیته عن العقد التجاري، یجب على الشخص المستفید أن یحصر نفسه فی ما ورد في عقد خطاب الإعتماد فقط. ولا یجوز له أن یجني أیة فوائد إضافیة لنفسه نظیر العلاقات التعاقدیة القائمة بین الزبون والبنك المصدر للإعتماد، أو مع أیة بنوك أخرى لها علاقة بخطاب الإعتماد، لأنه لیس طرفاً فیها. ولا بد من أن نذكر أن من القواعد الأساسیة المتعلقة بالإعتمادات المستندیة تعامل جمیع الأطراف، المرتبطة بخطاب الإعتماد، مع المستندات فقط، ولیس مع البضائع أو الخدمات أو غیرها. ولهذا سُمیت بـ «الإعتمادات المستندیة» وذلك لإرتباطها بالمستندات دون غیرها. وإستناداً إلى هذه  القاعدة، أي قاعدة التعامل مع المستندات فقط، فإن على البنوك التجاریة التي تقدم هذه الخدمة توخي الحذر في فحص المستندات والتأكد من أنها في ظاهرها مطابقة لشروط ومتطلبات خطاب الإعتماد.

 وبعد فحص المستندات یتوجب على البنك، وفي جمیع الأحوال، أن یدفع للمستفید أو لأمره ما دام قد تبین له، أن المستندات في ظاهرها صحیحة، ولیس على البنك الإنتظار حتى یتأكد من إستلام البضاعة أو تقدیم الخدمة، وذلك لأنه یتعامل بـ «المستندات فقط»، ولا علاقة له بالبضائع أو الخدمات التي تشیر إلیها المستندات. ویتم تقدیم المستندات للبنك المعني على حسب الحال، وقد یكون هذا البنك هو البنك مصدر خطاب الإعتماد أو البنك المعزز له أو البنك المعین الذي یعینه البنك مصدر الإعتماد كوكیل له. والتعلیمات الواردة في خطاب الإعتماد یجب أن تكون كاملة ودقیقة في جمیع الأحوال، وهذا أیضاً ینطبق على أیة تعدیلات تطرأ، ویتم إدخالها في خطاب الإعتماد. والغرض من هذا تجنّب حدوث أي لبس أو سوء فهم أو تباین في التفسیر والآراء، بحیث تكون التعلیمات الواردة في خطاب الإعتماد قاطعة وواضحة لجمیع الأطراف.

ومن المستحسن تجنب إضافة أیة تفاصیل زائدة أو كلمات «حمّالة أوجه» في الإعتماد أو التعدیلات اللاحقة له. علماً أن معظم المنازعات أو الخلافات القانونیة قامت أو تقوم بین الأطراف، نظراً إلى عدم الوضوح في التعلیمات، والأمثلة كثیرة والحذر واجب حتي لا یقع سوء الفهم لاحقاً.

وقد یُشكل خطاب الإعتماد إعتماداً «قابل للإلغاء» أو إعتماداً «غیر قابل للإلغاء»، ونظراً إلى أن المسؤولیة القانونیة تختلف وفقاً لنوع الإعتماد، فلا بد من توضیح صفة الإعتماد، وهذا یعنى،  هل هو إعتماد قابل للإلغاء أو اعتماد غیر قابل للإلغاء، وإذا لم یتم توضیح الصفة لأي سبب من الأسباب، یُعتبر الإعتماد من الناحیة القانونیة غیر قابل للإلغاء.

وفي الواقع، إن الإعتمادات غیر القابلة للإلغاء، تمثل ضماناً كافیاً للمتعاملین، لأن البنك یلتزم ضمان حقوقهم، وفقا لما ورد في خطاب الإعتماد. وغني عن القول إن الإعتمادات القابلة للإلغاء تفتقر لهذا الضمان البنكي المهم، ولذا فالإعتمادات غیر القابلة للإلغاء لها قصب السبق في هذا المضمار، مما یجعلها تلعب دوراً كبیراً في التجارة الدولیة.

كما نشير إلى ضرورة قیام مراقب الحسابات أو من یقوم مقامه بمضاهاة التوقیع للتأكد من صحته، وقد یستدعي الأمر مضاهاة التوقیع لدى بنك آخر یتعامل معه الزبون أو الإتصال مباشرة مع الزبون لمزید من الحرص. وهناك قضایا أمام المحاكم محورها التوقیع ومدي صحته، ولذا یجب على  البنوك أخذ الحیطة وكل الحذر والتأكد من التوقیع وصحته، ولا سيما أن هناك من یستغل عملیات فتح الإعتمادات المستندیة لإرتكاب جرائم غسل الأموال وتمویل الإرهاب. حماكم الله من هذه الطغمة الاجرامیة التي تتحیّن الفرص لإختراق الصناعة المصرفیة وتدنیسها لتنفیذ أغراضها الإجرامیة.

وبعد التأشیر علي صحة البیانات وسلامة المستندات والتأشیر على  مضاهاة التوقیع یرفع الملف إلى رئیس قسم الإعتمادات لیقوم بالمراجعة النهائیة مستفیداً من خبرته التراكمیة في هذا الخصوص. وبعد هذا یتم تعبئة طلب تصدیق الإستیراد الذي یتم إرساله للجهات الأعلى في البنك للتصدیق بفتح خطاب الإعتماد، مع ذكر إسم البنك المراسل في الخارج وتحدید الهامش النقدي المطلوب دفعه بواسطة الزبون الذي طلب فتح الإعتماد والتصدیق على  عملیات النقد الأجنبي (في بعض البلدان) أو تحدید سعر العملات الأجنبیة وفق الأحكام المتبعة والتعلیمات ذات العلاقة.

وبعد ذلك یقوم الموظف المسؤول بإعداد خطاب الإعتماد وفق الشروط والمستندات المطلوب تقدیمها كما ورد في طلب العمیل. كل هذه الإجراءات، یجب أن تتم وفق الأحكام والأصول المصرفیة والأعراف الموحدة التي تنظم خطابات الإعتماد وذلك فق نشرات غرفة التجارة الدولیة بباریس النافذة المفعول. والعاملون في مجال الإعتمادات المستندیة یعرفونها جیداً من أرقامها التي تحملها، وآخرها (یو سي بي 600).

نذكّر أنه ووفق الإجراءات المتبعة في كل البنوك، فإن خطاب الإعتماد المستندي یتم فتحه بوسائط ووسائل إتصال عدة كالبرید أو التلغراف أو التلكس  أو الفاكس، ومن وسائل الإتصال أیضاً نظام الـ «سویفت». وفي كل هذه الحالات یتم طباعة خطاب الإعتماد، ویعطي رقماً متسلسلاً وتتم مراجعته مرات عدة، بواسطة الموظف ورئیس القسم المختص، ویتم التوقیع علیه بواسطة إثنین من الموظفین، ممن لدیهم سلطة التوقیع نیابة عن البنك. وبعد هذه الخطوات الروتینیة، یُرفع الخطاب مع المستندات الضروریة للمراجعة النهائیة مع وضع التوقیع النهائي إیذانا بإرسال الخطاب لعمل «الشيفرة» أو إرساله عبر وسائط الإتصال الأخرى. ویجب أن یكون هناك توقیع من الدرجة (أ) علي الأقل، لأن حامل هذا التوقیع یكون لدیه خبرة كافیة تضمن أن الإجراءات المتبعة والمستندات المقدمة سلیمة وصحیحة.

وجمیع المستندات الخاصة بخطاب الإعتماد المستندي والصور المكتبیة الخاصة بالقیود المحاسبیة، یجب أن تُحفظ في ملف خاص لهذا الغرض، وذلك حتى یسهل الرجوع إلیه، كلّما دُعي الحال وعند الضرورة. وجرت العادة، في البنوك، أن تتم كتابة البیانات الموجزة علي ظاهر الملف، مع توضیح ما تم من إجراءات وفق التسلسل المطلوب، وفي العادة، یتم تثبیت ورقة في داخل الملف تتضمن كل البیانات التاریخیة عن خطاب الإعتماد والقیود التي أنشئت وتاریخ تمریرها وأي ملاحظات هامة خاصة بالإعتماد. مع العلم أن هذا الملف قد یمرّ على الدائرة القانونیة للإدلاء بالرأي القانوني عند الضرورة ولتوضیح بعض النقاط القانونیة، لذا یجب على  القانونیین بالبنوك الإلمام بالإحكام المنظمة لإصدار خطابات الإعتماد لتقدیم النصح القانوني السلیم، بما یخدم مصلحة الزبائن مع صیانة حقوق البنك القانونیة، كما یجب التأكد من وضع السیاسات السلیمة التي تحكمها اللوائح الواضحة في التعامل مع هذه الخدمة المصرفیة الهامة.

هذه الإجراءات والخطوات، رغم أنها تبدو سهلة وغیر معقدة، إلاّ أن التنفیذ تكتنفه العدید من المشاكل والصعوبات العملیة، وهذا قد ینجم من عدم إدراك أي من الأطراف بدوره المناط به، أو عدم التدقیق في المستندات عند تقدیمها أو عدم وضوح شروط التصدیق، أو الموافقة النهائیة أو اللبس في الفهم ولغیر هذا وذاك. وفي جمیع الأحوال فإننا ننصح كل من یعمل في مجال الإعتمادات المستندیة ببذل كل الحرص وممارسة كل الإجراءات، وفق متطلبات الممارسة المهنیة المصرفیة والأعراف الموحدة وسلامة الضمیر والوجدان السلیم حتى تتكلل العملیة بالنجاح وبما یُرضي طموحات جمیع الإطراف، وهذا بیت القصید.

يُشار إلى أن البنوك یومیاً تفتح أعدادا كثیرة ولا تحصي من خطابات الإعتماد، وفي هذا فوائد عدیدة للبنوك، أهمها خدمة الزبائن  وتلبیة طلباتهم، إضافة إلى تحصیل رسوم ثابتة مقابل إصدار الخطابات، وهذه الرسوم متكررة یومیاً، وتساهم كثیراً في دخل البنك وأرباحه. وقبل كل هذا، فالبنوك عبر هذه الخدمة المصرفیة الهامة، تساهم وبإیجابیة في تنمیة ودعم التجارة الدولیة، لأن خطابات الإعتماد لتغطیة الصادر والوارد من كل أرجاء المعمورة. والواضح أن البنوك بتقدیمها لهذه الخدمة الهامة، تقوم بخدمة المجتمع في تذلیل العمل التجاري على المستویین المحلي والدولي. ولو إنقطع هذا الدور الهام، سیتوقف دولاب التجارة مما یضعف الحركة الإقتصادیة والتجاریة  ویضرّ على نحو بلیغ بمتطلبات المستهلكین. ومن هذه الخدمة، وغیرها، تسمو الصناعة المصرفیة وتزداد أهمیة دورها یومیاً وعلى مدار الساعة.