الإحتياطي الفدرالي مجبرٌ على رفع الفائدة لا بطل

تنزيل

الإحتياطي الفدرالي مجبرٌ على رفع الفائدة لا بطل

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 495 شباط/فبراير 2022

معدّل تضخم غير مسبوق في أميركا منذ عقود:

الإحتياطي الفدرالي مجبرٌ على رفع الفائدة لا بطل

مسألة رفع الفائدة المصرفية المركزية في الولايات المتحدة، ليست اليوم موضوعاً يُشكل صدمة لمن يُتابع الوضع الإقتصادي في أميركا، وإنما معرفة أي مستوى قد تشهده الفائدة عند رفعها نتيجة بلوغ معدّلات التضخم مستويات غير مسبوقة منذ أربعة عقود، مع تسجيلها 7.5 % في كانون الثاني/ يناير 2022 نتيجة تحقيق الإغلاق الذي فرضته جائحة الكوفيد والعودة إلى النشاط الإقتصادي ما قبل الجائحة. لكن العودة كانت سريعة في الشكل وبالفعل مع إقبال متزايد على الإستهلاك، وصرف أموال تم تكديسها في الحسابات نتيجة تراجع حركة الإستهلاك خلال فترة الإغلاق.

أمام معدل تضخم يتسارع ليبلغ مستويات مقلقة وخارجة عن السيطرة، في وقت يعمل فيه البنك المركزي الأميركي (الإحتياطي الفدرالي) على إستقرار المعدل ذاته عند 2 % كمعدل وسطي للولايات المتحدة، مع التدخل المباشر عند تخطي النسبة صعوداً أو هبوطاً عنها، وذلك بواسطة زيادة معدل الفائدة أو تخفيضها. فاليوم مع معدّل تضخم الأعلى منذ الثمانينيات في القرن العشرين، سيكون الإحتياطي الفدرالي أمام خيار واحد وهو رفع الفائدة المركزية بعدما خفّضها خلال عامي الكوفيد 20–21 إلى صفر و0.25 %. وهناك أيضاً مَن يتطلع إلى وقف سياسة التيسير الكمي وضخ المال، مقابل شراء سندات حكومية، وأخرى للشركات المتعثرة، حيث إن السيولة الميسّرة هذه، ساهمت في ضخّ زخم كبير في محرّك الإستهلاك والمنتجة سخونة في الأسعار، هذا إن لم تُحتسب أيضاً أسعار الطاقة الخيالية اليوم، نتيجة إرتفاع أسعار برميل النفط عالمياً مقترباً من المئة دولار، إن كان برميل خام تكساس أو بحر الشمال الأوروبي.

الإحتياطي الفدرالي كان شديد الحذر في سياسته حتى أواخر العام 2021، ولا سيما حيال معدلات الفائدة كي لا يكسر عجلة إقتصادية في عزّ تقدمها بعد فترة جائحة ضربت الأخضر واليابس، في الولايات المتحدة والعالم ككل وبمستويات متفاوتة بحسب قوة وحجم الإقتصاد وطبيعته. الإحتياطي لم يكن يرغب بتغيير الفائدة حتى نهاية العام 2021، أيضاً كي لا يُعطل مسيرة سوق العمل الذي بدأ يتعافى مع إستفادة الشركات من قروض ميسرة تهدف إلى تنشيط الإقتصاد وتسهيل التوظيف.

هذه التسهيلات حتى اليوم قد أعطت ثمارها، لكننا أصبحنا أمام صعود غير منضبط لمعدل التضخم الذي يفرض بدوره سياسة نقدية قد تحدّ من بعض النشاطات في الشركات والقطاعات الناشطة، ولا سيما بعد تعافيها من الكوفيد، حيث إن النمو الإقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة بعد الجائحة، أصبح مهدّداً بتضخم يحمل معه مفاجآت غير مشكور عليها، وتضع العصي في دواليب العجلة الإقتصادية، الأمر الذي لا يمرّ من دون تداعيات سياسية على الإدارة الأميركية، ولا سيما أن شعبية الرئيس جو بايدن آخذة  في التراجع بعد المئة يوم الأولى من عهده، وإقتصادياً شكلت التطورات ضغوطاً على وزيرة الخزانة جانين يلين، التي تحاول أن تأخذ السيطرة على الأوضاع، وتضغط بشكل غير مباشر على الإحتياطي الفدرالي ليتصرف، ولا سيما عندما تقول إنها قلقة جداً حيال معدّل تضخم جداً مرتفع وغير مسموح أن يبقى عند هذه المستويات المرتفعة.

هذه المسؤولة نفسها، كانت توقعت في الخريف الماضي، أن يتراجع معدل التضخم منتصف العام 2022، لكن المعدل بدأ العام الجديد بمستويات لا تُبشر بالخير ويشكل ذلك صدمة في النهاية.

هذه الصورة الصادقة للتضخم في الولايات المتحدة، قد تُسرّع من رحلة رفع الفوائد، وأن تفرض زيادة أعلى من المتوقع، وخلافاً لمرحلة ما بعد العام 2015، كما توقع المشاركون في إجتماعات الإحتياطي الفدرالي في 25 كانون الثاني/ يناير و26 منه 2022. ومن المرجح أن يرفع الإحتياطي معدل الفائدة بمعدل نصف نقطة مئوية خلال إجتماعه في 15 آذار/ مارس 2022 و16 منه، وليس بربع نقطة كما إعتاد البنك المركزي الأميركي على ذلك بعد 2015. وسيتبع الزيادة الشهر المقبل زيادات أخرى في الإجتماعات التالية، وليس بالضرورة أن تكون بنصف نقطة، لكن أقلّ في حال إستطاعت الزيادة الاولى أن تعطي ثمارها على معدل التضخم من دون أن تضرّ بالنمو الإقتصادي.

مازن حمود

محلل إقتصادي ومالي/ باريس