التحوُّل الرقمي في البنوك المركزية والمصارف التجارية- العدد 473

تنزيل

التحوُّل الرقمي في البنوك المركزية والمصارف التجارية- العدد 473

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 473 - نيسان/أبريل 2020

التحوُّل الرقمي في البنوك المركزية والمصارف التجارية

هل تُغيّر عملات البنوك المركزية الرقمية النظام المصرفي العالمي؟

لم يعد التحوُّل نحو مجتمع غير نقدي مجرد فكرة خيالية، فالعالم في طريقه بالفعل نحو ذلك، وهناك العديد من القوى التي تدفع هذا التحوُّل بما فيها الحكومات، وشركات الخدمات المالية الكبيرة. فالتحوُّل الرقمي بات حاجة أساسية في البنوك المركزية والمصارف التجارية التقليدية والمؤسسات المالية وغيرها. ويتسم المجتمع غير النقدي بالمدفوعات الإلكترونية، فبدلاً من إستخدام النقود الورقية والمعدنية يتم إستخدام بدائل مثل بطاقات الإئتمان، بطاقات الخصم، تطبيقات الدفع الإلكتروني، خدمات الدفع عبر جهاز الخليوي وغيرها. وقد أصبحت خدمات الدفع عبر الخليوي من أكثر أدوات الدفع شيوعاً في الدول المتقدمة والنامية، والتي تحاول تقليل الإعتماد على النقود، بسبب كونها وسيلة آمنة.

بناء عليه، باتت العملات المشفرة جزءاً من التحوُّل نحو مجتمع غير نقدي، فهي تُستخدم بالفعل في عملية تحويل الأموال، وتُقدم سبلاً مبتكرة تساعد على خفض التكاليف، إلا أنها تنطوي على مخاطر وتواجه مشكلات قانونية في العديد من الدول، مما يجعل من الصعب إستخدامها على نطاق واسع.

نماذج لدول غير نقدية

تتخذ دول عدة إجراءات للتحول إلى مجتمع غير نقدي، وتُعد السويد والهند من أبرز الأمثلة على ذلك. وقد أصبح من الشائع في السويد أن تكون هناك لافتات على المتاجر كُتب عليها «لا نقبل النقود – (الكاش)»، كما أن بعض البنوك السويدية لم تعد تتعامل بالنقود.  ولا تمثل المدفوعات النقدية سوى 15% فحسب من مبيعات التجزئة في السويد. ورغم أن هذا النظام يُسعد معظم المستهلكين، إلا أن الفقراء وكبار السن لا يزالون يواجهون صعوبات في التعامل مع العالم الإلكتروني.

 في الهند ألغت الحكومة التداول بالعملات الورقية النقدية فئة 500 و1000 روبية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وذلك في محاولة لمعاقبة المجرمين والذين يعملون في الإقتصاد غير الرسمي. وتم تطبيق هذا الحظر بسرعة مثيرة للجدل، إلا أن 99% من الأوراق النقدية كان قد تم إيداعها في البنوك، مما يعني أن المجرمين لم يخسروا كثيراً. وفي حين إزدادت المعاملات الإلكترونية مؤقتاً، إلا أنها في العام التالي إنخفضت وتراجعت إلى مستويات ما قبل صدور قرار الحظر.

العملات الرقمية ستؤثر على النظام المصرفي العالمي

أفاد خبراء ماليون «أن العملات الرقمية المقرر إصدارها من بعض البنوك المركزية حول العالم في العام 2020 ستؤثر على النظام المصرفي العالمي، وستُحدث تغيرات في التعاملات المالية»، مشيرين إلى أنها «ستحل محل النقود جزئياً، لكنها ستنمو بسرعة بعد ذلك».

من المحتمل أن يتسبب إصدار الصين المرتقب لعملة رقمية في العام 2020 مدعومة من قبل البنك المركزي هناك، في تعطيل القطاع المصرفي، وأن تمتد آثاره على العالم. ويُتوقع أن يكون اليوان الرقمي، الذي تعمل الصين على تطويره منذ خمس سنوات، عبارة عن سلسلة (بلوك تشين) خاصة مقدمة من بنك الصين الشعبي (البنك المركزي) عبر النظام المصرفي، لتحل محل النقود جزئياً، لكنها قد تنمو بسرعة بعد ذلك، إذ إن سجلات سلسلة البلوك تشين الموزعة ستجعل البنوك المراسلة زائدة عن الحاجة، ما يفتح إمكانات جديدة للدفع السريع والأقل تكلفة عبر الحدود، وخصوصاً للشركات التي تُحوّل سنوياً حوالي 124 تريليون دولار حول العالم.

ومع وجود البنوك المركزية في مراكز القيادة، يُمكن أن تصبح العملات الرقمية بديلاً عن إحتياطات البنوك، كذلك الأوراق النقدية، بإعتبار أن أي حامل للعملة الرقمية يُمكن أن يكون لديه وديعة في البنك المركزي، الأمر الذي قد يُحول الدولة إلى «مورد إحتكاري للنقود لعملاء التجزئة».

ومن المرجح أن يدعم هذه العملية الإقتصاد العالمي الراكد، مدفوعاً بأسعار الفائدة السلبية، إذ إن العملات الرقمية الرسمية ستسمح للبنوك المركزية بتيسير السياسات النقدية بطريقة فعالة. وبما أن الشركات، بما في ذلك فيسبوك، تمضي قدماً في إجراء الأبحاث حول تطوير العملات الرقمية الضخمة، فإنه يجري حث البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم على النظر بجدية أكبر إلى ما يعنيه إصدار عملاتهم الرقمية الخاصة.

في هذا السياق، تُفيد وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، «أن البنوك التقليدية تميل إلى تحمل ثقل البنية التحتية والأنظمة القديمة، بما في ذلك جزء كبير من العمليات التي تتم من خلال فروعها، وتواجه تحديات في تغيير نموذج أعمالها بعيداً عن بنيتها التحتية المادية عبر رقمنة عملياتها بطريقة تشمل جميع عملائها. وعلى النقيض من ذلك، فإن البنوك الإفتراضية ذكية ولا تحمل أمتعة قديمة، بل إنها تميل إلى أن تكون رقمية بالكامل».

وخلصت الوكالة إلى «أن البنوك التقليدية سواء في الأسواق التي دخلتها بنوك تكنولوجية أو لم تدخلها، تستشعر الخطر وتسعى إلى التوسع في تدشين فروع رقمية بالكامل، إلى جانب تحسين تطبيقاتها، وذلك لضمان الحفاظ على ولاء العميل، ويُتوقع أن يشهد ذلك الإتجاه تنامياً كبيراً».

نموذج مصر

رغم بعض المخاطر الرئيسية، والتي تُراوح من تهميش البنوك التجارية، وهي مصدر تمويل رئيسي للإقتصاد الحقيقي، إلى تقليص قدرة الدولة على إستخدام العملة كأداة في مفاوضات السياسة الخارجية، وفقدان الهوية الإفتراضية في المعاملات، بالإضافة إلى قضايا الأمن السيبراني (الجرائم المالية في العالم)، تُعتبر مصر من بين الدول التي تدرس تدشين عملة رقمية عبر البنك المركزي، حيث أعلن البنك المركزي المصري في أغسطس/ آب 2019 أنه يدرس إطلاق عملة رقمية في العام 2020، وذلك كطريقة لتعزيز كفاءة القطاع المصرفي، وتجنّب أن يتخلف عن ركب التطورات التقنية الجديدة.

كما شكل نمو العملات الرقمية نقطة نقاش رئيسية خلال الدورة 43 لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية التي عُقدت في العاصمة المصرية القاهرة، والتي ضمت أكثر من 200 مسؤول من البنوك العربية ومحافظي البنوك المركزية والوزراء والخبراء الاقتصاديين ومسؤولين في صندوق النقد العربي. ومن المرجح، وفق مصادر مصرفية عربية وإقليمية أن تدرس تركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إطلاق عملاتها الرقمية الخاصة.

طارق فايد: التحوُّل الرقمي

ينعكس على النمو الإقتصادي والمالي

في هذا السياق، تحدث رئيس مجلس إدارة بنك القاهرة، طارق فايد، فقال: «إن الدور الذي يتبناه البنك المركزي المصري برئاسة المحافظ طارق عامر في دعم التحوُّل الرقمي والتكنولوجي، ذات أهمية خاصة في إطار إستهداف الدولة لهذا التحوُّل، وما ينعكس منه على النمو الإقتصادي والمالي»، متوقعاً «دخول نماذج جديدة من البنوك التي تعتمد على التكنولوجيا بشكل كامل في القطاع المصرفي في وقت قريب».

الشبيني: التحوُّل الرقمي ورؤية البنك المركزي

من جهته، قال مدير إدارة البحوث في شركة «مباشر لتداول الأوراق المالية»، هشام الشبيني:  «إن وجود بنك تكنولوجي وعملة رقمية في مصر خلال السنوات المقبلة، ليس صعباً نظراً إلى كون التجربة نجحت في أكثر من دولة أخرى».

ولفت الشبيني إلى «أن الأمر يتوقف على رؤية وتشريعات البنك المركزي للبنوك التكنولوجية والعملات الرقمية، بالإضافة إلى البنية التحتية التكنولوجية المتطورة».

سعيد: العملات الرقمية تنتشر بشكل سريع

من جانبه، قال إيهاب سعيد، خبير أسواق المال: «إن العملات الرقمية تنتشر بشكل سريع في مختلف دول العالم، وستؤثر على النظام المصرفي العالمي»، مشيراً إلى «أن إتجاه البنك المركزي المصري لإصدار عملة رقمية بعد رفضه الفكرة لسنوات خطوة جيدة، والتعامل معها، سيكون من خلال إدخال بعض التعديلات التشريعية للإعتراف بهذه العملات الرقمية، ولكن بالطبع سيتم تحديد عملات معينة، وليس كل العملات الرقمية بعد دراسات علمية تجريها الأجهزة المعنية في هذا الشأن».

ولفت سعيد إلى أنه «قد ينتج بعد ذلك عملة رقمية عربية موحدة لو إتحدت الجهود العربية مع بعضها البعض»، مشيراً إلى «أن خطورة العملات الرقمية تتمثل في أنها تُنهي دور البنوك المركزية على مستوى العالم في إصدار النقد، لذلك فإن هذه البنوك لا تزال ترفضها بشدة».