الحكومة ومصرف لبنان يتفقان على حجم الخسائر في القطاع المصرفي

تنزيل

الحكومة ومصرف لبنان يتفقان على حجم الخسائر في القطاع المصرفي

مقابلات
العدد 494 كانون الثاني/يناير 2022

الحكومة ومصرف لبنان يتفقان على حجم الخسائر في القطاع المصرفي

تمهيداً لبدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي

شكّل الإعلان عن توحيد أرقام الخسائر بين الحكومة ومصرف لبنان في نهاية العام 2021 بارقة أمل للبنانيين، كونها أحد المداخل الأساسية لبدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهذا أمر إنتظروه منذ إشتداد الازمة المالية مع قرار حكومة الرئيس حسان دياب التوقف عن دفع لبنان لمستحقاته المالية في آذار العام 2020. لكن رغم خسارة الوقت وتضييع الفرص أمام التدقيق الجنائي والتفاوض مع الصندوق، توصلت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي إلى تحديد قيمة الخسائر، وأعلن نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي خلال الشهر الاخير من العام أن «رقم الخسائر الذي تم التوصل له، هو في حدود 68 مليار دولار أو 69 ملياراً، وهذا الرقم قابل للتعديل»، موضحاً أن «لا خلاف على هذه الأرقام».

هذه العبارة الاخيرة قد تكون المفتاح الذي لم تتمكن حكومة الرئيس دياب من إيجاده لفتح باب الحل أمام اللبنانيين وإخراجهم من المأزق الإقتصادي الذي يتخبطون فيه منذ نحو ثلاث سنوات، إذ شكل الإختلاف حول الارقام بين حكومة دياب ومصرف لبنان عائقاً أمام بدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي ينتظرها اللبنانيون على أحرّ من الجمر، لإخراج بلاد الارز من أسوأ أزماتها منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990. وهذا ما يبدو أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قد نجحت فيه، إذ أعلن الشامي أن «أبرز خطوط خطة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، تقوم على حماية المودعين الصغار أولاً، أما مَن إستفاد من المودعين من الفوائد العالية سابقاً فقد يتحمّلون أكثر بموضوع سدّ الفجوة الحاصلة».

تشاطر لتحديد حجم الخسائر

أفيوني: لتوزيع الخسائر بشكل عادل وعلمي وموضوعي

وفق المبادىء المالية الأساسية بالتراتبية

إذاً، الإتفاق على حجم الخسائر خطوة أولى ضرورية للحكومة اللبنانية مع سعيها للتفاوض على برنامج دعم من الصندوق، لأن التوصل إلى إستراتيجية للتعامل مع هذه الخسائر يحتاج إلى توليفة تتضمن توحيد أرقام الخسائر وتنفيذ إصلاحات شاملة لإستعادة الثقة وتقوية حوافز الإستثمار وتعزيز الحوكمة والشفافية.

يُقدم الخبراء الإقتصاديون قراءات متعدّدة لهذه الخطوة التي قامت بها الحكومة اللبنانية، لكنهم يُجمعون على أنها ضرورية للبدء برحلة العلاج المالي والإقتصادي الذي يحتاجه لبنان والقطاع المصرفي. في هذا الإطار، يشرح الوزير السابق والخبير المصرفي عادل أفيوني لمجلة «إتحاد المصارف العربية»، أن «تحديد الخسائر خطوة مهمة جداً، وهذه العملية كان يجب أن تحصل منذ أكثر من عامين. ويا للأسف حصل تعطيل لهذه العملية من دون أي مبرّر علمي، وجرت محاولات «تشاطر في تحديد الخسائر» مما أضاع على لبنان الوقت وسبّب المزيد من الإنهيار بالإقتصاد والبلد».

ويرى أفيوني أنه «حالياً يبدو أنه تم الإتفاق على هذه الخطوة، ولكن الأهم هو كيفية توزيعها، وهذا هو الخطأ الذي إرتكبته حكومة الرئيس حسان دياب (رغم تحديد الخسائر بطريقة علمية)، إلا أنها أخفقت  في توزيع الخسائر»، مشدِّداً على أنه «من المهم في هذه الخطة الجديدة  أن يكون توزيع الخسائر عادلاً وعلمياً وموضوعياً، ويتبع المبادئ المالية الأساسية بالتراتبية، لأنه في خطة الرئيس حسان دياب تم تحميل المودعين نحو 40 مليار دولار كخسائر وهذا أمر غير مقبول، ووعدوهم بأنهم سيُخفّفون من هذا العبء عبر إسترجاع الأموال المنهوبة وهذه مجرد وعود».

يضيف أفيوني: «في الخطة الجديدة، يجب أن يحصل تخفيف من العبء على المودعين قدر المستطاع، عبر تحميل الدولة  أولاً المسؤولية، وبعدها المصرف المركزي والمصارف، وأخيراً المودعين، بمعنى آخر أن يكون هناك تراتبية في تحديد الخسائر وعلى الدولة أن تتحمّل قسماً مهماً من هذه الخسائر بطريقة أو بأخرى، لأنها المسؤول الأول عن سوء الإدارة المالية والإنهيار».

يلفت أفيوني إلى أن «المعضلة الأخرى التي يجب التصدّي لها هي كيف تتحمّل الدولة مسؤوليتها في توزيع الخسائر، وبرأيي، هذا الأمر من خلال آلية تعويض المودع اللبناني بالتحديد بطريقة خاصة وإضافية، كونه تكبّد خسائر ولم يكن لديه الخيار سوى وضع مدّخراته في المصارف اللبنانية، لأن هذا الأمر يُشكل مشكلة إجتماعية كبيرة»، مشدِّداً على أنه في «عملية توزيع الخسائر، على الدولة تحمّل مسؤوليتها، وهذا يتم عبر آلية معينة يتم الإتفاق عليها  لتعويض المودعين مباشرة من الدولة لتجنب الكارثة التي ضربت المودع والمدّخر اللبناني، عكس المستثمر الأجنبي أو المضارب الذي إتخذ مخاطر وعليه تحمل المسؤولية».

الحل بفتح الأفق السياسي والحوكمة

خسارة الناس أموالها يصيب لبنان بسمعته وبقطاعه المصرفي

ومن غير المسموح أن يخسر المودع ويبقى المصرف

 

ينطلق الرئيس السابق  للجنة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان الدكتور سمير حمود في مقاربته ملف تحديد الخسائر، إنطلاقاً من مبدأ الحفاظ على حقول المودعين، ويعتبر لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أنه «لا يُمكن فرز المودعين اللبنانيين بين مودع كبير ومودع صغير، وعندما نُفكر بحقوق المودعين، علينا أن نسلك إتجاهاً مزدوجاً وهو أن حقوق الناس وتعبهم ورزقهم هي أمور مقدَّسة»، لافتاً إلى أنه «يجب أن نأخذ في الإعتبار أن خسارات الناس لأموالها يُصيب لبنان بسمعته وبقطاعه المصرفي، لأنه غير مسموح بأي منطق مالي محاسبي وقانوني أن المودع يخسر والمصرف يبقى»، ويُشير إلى أنه «إذا المودع خسر أمواله، فالمصرف يجب أن يختفي عن الخارطة المصرفية حتى ولو كانت الخسارة 1 % من الوديعة، لأن الودائع قبل الرساميل، والمودع لا يخسر إلاّ بعد خسارة الرأسمال، وحين يختفي الرأسمال يختفي المصرف أيضاً».

ويضيف الدكتور حمود: «في حال كانت الخسائر على حساب المودعين، يجب ألاّ يبقى أي مصرف، وهذا أمر غير مطروح، ولغة الخسائر هي لغة مطّاطة، وهناك فعلاً خسائر لكنها لم تنتج عن تآكل موجودات المصارف والمصرف المركزي أو الدولة، بل من تأثير سعر الصرف على العملة الأجنبية وعدم وجودها في مصرف لبنان والمصارف، وهذا النقص هو ما يشكل الخسائر»، مشدِّداً على أن «مشكلتنا الحقيقية هي العملة الأجنبية بمخزونها، والطلب عليها، أي ما هو الحجم الذي يملكه القطاع المصرفي من العملة الأجنبية وكدولة وما هي إلتزاماتهم بالعملة الأجنبية».

يرى حمود أنه «إذا كنا نعتبر أن 69 مليار دولار هي خسائر القطاع المصرفي، علينا أن نُحدّد إلتزامات بالعملات الصعبة وهي من وجه نظري نحو 140 مليار دولار، تُمثل نحو 105 مليارات دولار ودائع بالعملة الأجنبية، وتمثل 35 مليار دولار كقروض مباشرة مع المؤسسات المالية إلى جانب سندات اليوروبندز»، موضحاً أن «الموجود  هو 14 مليار دولار في المصرف المركزي، وموجودات الذهب بنحو 16 ملياراً، والقطاع المصرفي بإستثماراته وودائعه في الخارج 6 مليارات، والسلف الممنوحة للقطاع الخاص بالعملة الاجنبية بحدود 10 مليارات، ما يعني أن الفرق هو ما بين 95 مليار دولار و105 مليارات، وهو الفجوة أكثر مما هي خسارة، لأن موجودات البلد تُغطي 100 مليار دولار، ودين الدولة هو 35 ملياراً، بالاضافة إلى فجوة مصرف لبنان».

يضيف حمود: «أنا من الحرصاء على حقوق المودع والبلد والقطاع المصرفي، وفتح الباب عن هذه الفجوة لا يعني أنه سيتم تغطيتها من قبل صندوق النقد الدولي في حال تم الإتفاق معه على خطة إنقاذ، بل سيغطي 5 % منها على الأكثر، ومساعدات مؤتمر «سيدر» والدول العربية والمجتمع الدولي لن تغطي هذه الفجوة»، مشدِّداً على أن «الإنقاذ يتم من خلال برمجة هذه الإلتزامات على الأمد الطويل، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإعادة فتح البلد على العمل، وهذا لا يُمكن أن يتم إلاّ من خلال الحل السياسي،  ومن دون ذلك هو ضياع في لعبة الأرقام وإهدار في الوقت، وزيادة في الفجوة المالية».

ويختم حمود: «لا حل إلاّ من خلال شمولية الحركة، بدءاً من الحل السياسي، وفتح الأفق السياسي والحوكمة والإقتصاد. أما لغة الأرقام لا تُفيد إذا لم تستند إلى هذا الحل الصحيح».

سطو غير مسلّح على القطاع المصرفي

غبريل: إلتزام الدولة بدفع ديونها ينقل النقاش من البحث

في الخسائر والفجوة المالية الموجودة إلى نقاش آخر

يُسجل الخبير الإقتصادي والمالي ورئيس مركز الأبحاث في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل ملاحظات عدة على خطوة تحديد الخسائر التي قامت بها حكومة الرئيس ميقاتي، إذ يقول لمجلة «إتحاد المصارف العربية» إن «لا شك في أن أداء الحكومة الحالية مختلف عن أداء حكومة الرئيس حسان دياب التي إتخذت قراراتها في شأن القطاع المصرفي، في غرفة مغلقة مع مستشاريها، ولم تتباحث بالأمر مع الاطراف المعنية، وأصدروا ما يسمى بمشروع الإنقاذ المالي، ليتبين في ما بعد أنه سطو غير مسلّح على القطاع المصرفي في لبنان، وتحميله كل ما يُسمّى بالخسائر وإستبداله بـ 5 مصارف جديدة غير واضحة المعالم».

ويرى الدكتور غبريل أن «ما يحصل اليوم، أن حكومة الرئيس ميقاتي تتبع مقاربة مختلفة لجهة التعاون مع الأطراف المعنية، ولا سيما مصرف لبنان، وتأخذ برأيهم، والأهم أنها مدركة أن التعافي الإقتصادي لا يُمكن أن يتم من دون قطاع إقتصادي سليم والهدف هو إستمرارية القطاع المصرفي»، لافتاً إلى أن «تحديد الفجوة المالية بـ 69 مليار دولار، هي برأيه  «خطة ب»، لأنه يرى أن هناك خياراً آخر يتمثل في تعهد الدولة بدفع إلتزاماتها بالكامل وديونها، ولكن هذا الخيار لا يتم نقاشه. علماً أن الدولة اللبنانية لديها مقدرات كافية وأصول للقيام بهذه الخطوة، والجميع يتفهم أن مدة الدفع لن تكون في فترة قصيرة أو مع فوائد، ولكن المطلوب هو الإلتزام بدفع ديونها عندها ينتقل النقاش من البحث في الخسائر التي حصلت والفجوة المالية الموجودة إلى نقاش آخر».

يضيف غبريل: «الرقم الذي طرحه نائب رئيس مجلس النواب لم يناقش بعد مع المصارف أو الجمعية، ولا علم لي كيف تم التوصل إليه أو كيفية توزيعه، وليس صحيحاً أن صندوق النقد الدولي كان قابلاً بالخطة التي طرحتها حكومة الرئيس دياب»، مشدِّداً على أن «مصرف لبنان والحكومة متفقين على أن يذهبوا إلى طاولة المحادثات مع صندوق النقد بأرقام موحدة، والأخير يؤيد الخطوة التي وصلت إليها الحكومة في شأن الفجوة، بغض النظر عن التعديلات التي يمكن أن تحصل».

ويختم غبريل: «الأهم أن هناك تواصلاً يحصل بين الأطراف المعنية، أي الحكومة ومصرف لبنان وصندوق النقد الدولي، صحيح أنه غير رسمي ولكنه مؤشر جيد».

باسمة عطوي