الدول الأوروبية الأكثر تضرراً في حال بريكست من دون إتفاق على التبادل التجاري

تنزيل

الدول الأوروبية الأكثر تضرراً في حال بريكست من دون إتفاق على التبادل التجاري

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 479- تشرين الأول/أكتوبر 2020

الدول الأوروبية الأكثر تضرراً في حال بريكست

من دون إتفاق على التبادل التجاري

بينما تتواصل الإجتماعات بين مفوضين بريطانيين وآخرين من الإتحاد الأوروبي لإيجاد حلول للتوصل لإتفاق على خروج بريطانيا من أوروبا، إجتماعات أحياناً تتيسر وأحياناً تتعسر، وكشفت دراسة جديدة أجرتها شركة Euler Hermes الفرنسية للتأمين على الإعتمادات (الأولى في هذا المجال عالمياً)، أن خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي (بريكست) من دول التوصل إلى اتفاق مع المفوضية الأوروبية سيكلف قطاع التصدير الأوروبي في العام 2021 حوالى 33 مليار يورو مقابل خسارة بـ18 مليار في حال خروج منظَّم مبني على أساس متفق عليها بين الطرفين.

فكل الأنظار اليوم تتجه نحو المخرج المنتظر من اليوم وحتى نهاية العام الذي على أساسه سيتم خروج بريطانيا فعلياً من عضوية الاتحاد بعدما صوت الشعب البريطاني بنعم لخروج بلادهم من الإتحاد بأكثر من 50 % صيف عام 2016، بريطانيا التي كان اقتصادها ينعم بمشاركة الاقتصاد الأوروبي في تقويته بواقع 2 % وأكثر من ناتجها المحلي ستجد نفسها بعد بريكست تعتمد على نفسها وعلى علاقاتها الثنائية التي بدأت فعلاً تبنيها من جديد بعدما تخلت عنها حين انضمت في التسعينيات إلى العضوية الأوروبية. في المقابل كانت بريطانيا تساهم حتى العام 2015 بواقع 17 مليار يورو في ميزانية الإتحاد الأوروبي بدلاً من 23 ملياراً، مستفيدة من حسم بمقدار ستة مليارات تم الاتفاق عليها أوروبياً مع رئيسة الحكومة السابقة تاتشر، وبالتالي تعتبر بريطانيا في المرتبة الثانية إلى جانب فرنسا في المساهمة في موازنة أوروبا وألمانيا التي تتحمل الحصة الأكبر ليبقي الإتحاد الأوروبي واقفاً على قدميه.

من هذا المنطلق كان تعثر المفاوضات التجارية وبالتالي خروج بريطانيا بقرار من حكومة بوريس جونسون من طرف واحد في حال لم تتوصل مع المفوضية الأوروبية على صيغة، فإن أول المتضررين من هذه الخطوة ألمانيا تليها هولندا ففرنسا بحسب Hermes (هيرميس) هذا السيناريو بدأت تشعر به هذه البلدان، ولا سيما ألمانيا التي أصبحت تهتم بقطاعات على حساب قطاعات أخرى لتعويض ما يمكن أن تخسره في المستقبل. أضف إلى ذلك، التغييرات السلبية التي أنتجتها تداعيات وباء كوفيد-19 على الاقتصادات العالمية والأوروبية واحدة منها.

شركة التأمين على الاعتمادات (هيرميس) تعتبر في دراستها وأرقامها الحديثة أن الضرر ممكن أن يكون أقل بكثير لو اتفق الطرفان (المفوضية الأوروبية وبريطانيا) على بنود تجارية تحكم الانفصال بينهما، وقد يصل حجم الضرر لكل من ألمانيا، هولندا، وفرنسا الـ18 مليار يورو في حال الاتفاق وإلى 33 ملياراً في حال العكس.

دراسة هيرميس تقول إنه في حالة “Hard Brexit” أي العودة إلى حدود جمارك بين الإتحاد وبريطانيا، فإن الخسارة في التجارة بالنسبة لألمانيا قد تصل إلى أكثر من 8 مليارات يورو وإلى نحو 5 مليارات بالنسبة لهولند، وأقل من 4 مليارات لفرنسا، إنما في حالة “Soft Brexit” يعني يبقى الحال على ما هو ولكن مع تداعيات لهذه البلدان الثلاثة تصل إلى نصف التداعيات المتوقعة في حالة وضع الجمارك.

في فرنسا (تقول هيرميس) إن قطاع المواصلات سيتحمل 20 % من الخسائر المتوقعة، وهناك قطاعات فرنسية أيضاً مثل تجارة الغذاء، والماكينات، والمعدات الإلكترونية، وقطاع الكيمياء ستتحمل بدورها خسائر بحدود 10 % من مجمل ما هو متوقع من خسارة في التجارة لفرنسا في حال خروج بريطانيا من عضوية الإتحاد من دون إتفاقية، والحال هكذا بالنسبة للدول الأخرى مثل ألمانيا وهولندا مع فارق حجم الخسارة نظراً لحجم التجارة والتبادل مع بريطانيا.

من الجانب البريطاني، فإن خروج البلاد من عضوية أوروبية بلا إتفاق نهاية العام حول التبادل الحر بين الطرفين قد يكلف الناتج المحلي البريطاني تراجعاً بنحو 5 % في العام 2021، إضافة إلى تدهور في قيمة عملة الجنيه الإسترليني بنحو 10 % إضافة إلى ارتفاع في الأسعار (تضخم) بنحو 5 % ولمدة ستة أشهر على الأقل حتى تستتب الأمور عندما تعتاد البلاد على التعاطي مع هذه التداعيات، ويتم التعامل مع ظاهرة ارتفاع ثمن أسعار المواد المستوردة.

وفي هذا الإطار، فإن أسعار السلع المستوردة من المنتظر أن ترتفع بنسبة ارتفاع تعريفة الجمارك التي ممكن (بحسب دراسة هيرميس) أن تصل إلى نحو 2.6 % كمعدل وسطي، وفي الوقت نفسه، ارتفاع مقدَّر بنحو 10 % لتكلفة الحواجز غير الخاضعة للجمارك والمقصود المعاملات الإدارية بهدف التأكد من تطابق صحة السلع لقواعد الإتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية (OMC)، وكذلك الأمر بالنسبة لتكلفة أطول ناهيك عن المواد التي تتألف منها السلع خلال الإنتاج، ومن هنا تعتبر دراسة هيرميس أنه سيكون هناك كلفة غير مرئية للعديد من القضايا الإدارية، وهذه تدخل في سياق تحمل الخسائر.

هناك مسألة حول الإفتراق بين بريطانيا والإتحاد الأوروبي بخصوص التجارة والسلع وتركيبة هذه السلع والتنافسية بين الطرفين، هذه المسألة نلمسها في واقع أن الإنتاج البريطاني يعتمد كثيراً على المواد الأوروبية التي تدخل في تركيبة المنتج المحلي، وبالتالي فإن هذه الحقائق من شأنها أن تحد من ربحية التنافسية للسلع عندما يحصل الإفتراق أو الإنفصال وخروج بريطانيا من عضوية أوروبا، في موضع التبادل التجاري فإن العملة تلعب دوراً ريادياً في الموضوع، وبالتالي فإن تراجع العملة البريطانية بمقدار 10 % كما وهو متوقع في حال (Hard Brexit) سيعزز من الصادرات البريطانية لأن الأسعار عند التصدير ستكون رخيصة، لكن في المقابل ستزداد تكلفة السلع المستوردة، ولا سيما السلع التي تستوردها عادة بريطانيا وبكثرة من بلدان الإتحاد الأوروبي.

بتاريخ الأول من كانون الثاني/يناير 2021 سيكون الوضع بالنسبة للطرفين في حال الإنفصال بموجب إتفاق تجاري أو من دون إتفاق بمثابة قطيعة موجعة مع خروج بريطانيا من اتفاقية التبادل التجاري والسوق الموحدة وستضع حداً لحرية تنقل الأشخاص والسلع والخدمات ورؤوس الأموال، من هنا وبحكم الواقع والأرقام والتبادل، فإن بريطانيا لها مصلحة قبل الإتحاد الأوروبي في التوصل إلى إتفاقية بخصوص التجارة، حيث كان في برنامج المراحل التوصل بنهاية تشرين الأول/أكتوبر 2020 إلى تفاهم على أن يكون بعد هذا التاريخ مدة شهرين يتم خلالها التوقيع والتصديق على ما تم التفاهم عليه مع احترام الإجراءات الوطنية لكل من الجهتين (بريطانيا والإتحاد الأوروبي).

فنقطة الخلاف بين الطرفين ترتكز في طلب الإتحاد الأوروبي من بريطانيا أن تقوم بتنازلات من أجل التوصل إلى تفاق في التبادل التجاري على أن يتم تطبيقه مطلع 2021 تاريخ توقف العمل بالمعايير التجارية المشتركة والمعمول بها حتى الساعة، الأمر الذي أغضب رئيس حكومة بريطانيا موريس جونسون وطلب من سلطات بلاده المختصة بالملف أن تحضر نفسها إلى سيناريو الإنفصال من دون إتفاقية. في المقابل فإن الإتحاد الأوروبي قرر في وقت سابق من تشرين الأول/أكتوبر أن يضع حداً للمفاوضات معلناً أنه لا يريد تبديل موقفه.

فالتوصل إلى إتفاقية أصبح بحاجة لما يشبه معجزة في مفاوضات كل طرف فيها لا يريد التنازل فيها للطرف الآخر.

مازن حمود

محلل اقتصادي ومالي/باريس