المصارف المركزية وإستراتيجية استهداف التضخُّم

تنزيل

المصارف المركزية وإستراتيجية استهداف التضخُّم

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 494 كانون الثاني/يناير 2022

المصارف المركزية وإستراتيجية استهداف التضخُّم

 

 

د. عادل عبدالله الكيلاني

محاضر في كلية الإقتصاد – جامعة عمر المختار

يؤدي المصرف المركزي دوراً أساسياً في تحقيق الإستقرار الإقتصادي، من خلال إدارة السياسة النقدية على وجه الخصوص، وذلك من خلال إستخدام أدوات لها تأثير مباشر على الإستقرار النقدي، بالإضافة إلى دوره كمصرف المصارف في ما يتعلق بالإصدار النقدي والإشراف والرقابة على القطاع المصرفي والمالي . كما نعلم أن السياسة النقدية تسعى إلى تحقيق الإستقرار على المستوى الإقتصادي والمستوى النقدي من خلال فعاليتها في مكافحة التضخم، وأن فعالية السياسة النقدية تتوقف في الأساس على فاعلية الأدوات التي يستخدمها المصرف المركزي ودرجة إستقلاليته ومستوى شفافيته.

شهد عقد التسعينات من القرن الماضي تطوراً مهماً على صعيد السياسة النقدية، وهو ما يُعرف بإستراتيجية إستهداف التضخم (Inflation Targeting)، والتي حظيت بإهتمام المصارف المركزية حول العالم، حيث تشكل هذه الإستراتيجية إلتزاماً من قبل المصرف المركزي بتحقيق الإستقرار السعري، وتقليص معدلات التضخم من خلال تبنّي تحقيق معدلات مستهدفة للتضخم . لقد إنتقلت السياسة النقدية من سياسة إنتقائية إلى سياسة القاعدة النقدية، بحيث ظهر مصطلح جديدة كإطار تسعى من خلاله السياسة النقدية إلى تحقيق إستقرار الأسعار، وأصبح عنصراً أساسياً من السياسة النقدية الحديثة، من خلال إعطاء إدارة السياسة النقدية إلى مصرف مركزي مستقل، وجعل سعر الفائدة الأداة الرئيسية في هذه السياسة، من منطلق أن إستقرار الأسعار يجب أن يكون هو الهدف طويل المدى للسياسة النقدية.

إن سياسة إستهداف التضخم هي أسلوب حديث في إدارة المصارف المركزية لسياساتها النقدية، ترتكز على إستهداف معدل تضخم بشكل مباشر، إضافة إلى الوصول إلى هدف نهائي وهو إستقرار الأسعار في الأجل الطويل، بحيث يتم إنجازه من خلال ثلاث خطوات هي (تحديد السياسة النقدية الكفيلة بمعدل التضخم المستهدف، تنبؤ المصرف المركزي بمعدل التضخم في المستقبل، ومقارنة المعدل المستهدف بالمتوقع، فإذا كان المعدل المستهدف أقل من المتوقع تم إتباع سياسة نقدية إنكماشية والعكس صحيح).

لقد أصبح استهداف التضخم استراتيجية مهمة من صلب عمل المصارف المركزية، ومن خلالها يتأكد المصرف المركزي بشكل دوري من تحرك مستويات الأسعار في مسارات مستقرة ويحرص عند خروجها عن مسارها على تبني الآليات والأدوات النقدية الكفيلة بعودتها لمسارها المستهدف مرة أخرى. لقد أخذ إستهداف التضخم زخماً كبيراً بين المصارف المركزية والأكاديميين منذ العام 1990، حيث كان أول تطبيق لهذه السياسة في نيوزيلندا في العام 1990، عندها تعهد المصرف المركزي، بإعتبار هدف السيطرة على تقلبات الأسعار، وتخفيض التضخم محور إرتكاز للسياسة النقدية. يُعدّ إطار سياسة إستهداف التضخم جزءاً من السياسة الإقتصادية التي تتسم بالشفافية وتخضع لقواعد تقنية، ويُعتبر النواة الأساسية لخفض عجز الموازنة والسيطرة على التضخم.

ما هو إستهداف التضخم؟

يُعرف إستهداف التضخم بأنه النظام النقدي الذي لا يكون له هدف وسيط، وإنما يتم إستهداف معدل التضخم بشكل مباشر، وفي هذا المجال، يقترح Liedman et Svensson  تعريفاً واسعاً لسياسة إستهداف التضخم، إعتماداً على خبرات كل من نيوزيلندا وكندا وفنلندا وانكلترا، هو «أن إستهداف التضخم هو عبارة عن نظام يتميَّز بتوافر هدف صريح كمي ورقمي لمعدل التضخم من خلال تحديد المؤشر، المستوى المستهدف، مجال التغيير، الأفق الزمني، وتعريف الحالات الممكنة التي تسمح للسلطات النقدية من تغيير الهدف، عدم وجود أهداف وسيطة مثل إستهداف المجمعات النقدية أو سعر الصرف».

ويتأثر الأفق الزمني للإستهداف بعاملين هما (قدرة السياسة النقدية على مواجهة صدمات الطلب أو العرض الكلي قصيرة الأجل. إضافة إلى نوع نظام إستهداف التضخم صارماً أو مرناً، المطبق من قبل المصرف المركزي). كل التعريفات تتفق على هدف واحد لإستهداف التضخم وهو إستقرار الأسعار.

وفي هذا الخصوص، يُمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من إستهداف التضخم حسب ترومان (2004) وهي:

– الإستهداف التام (الكامل) للتضخم: ويخص هذا النظام النقدي البلدان التي تتمتع بمستوى من متوسط إلى عال من المصداقية والوضوح، مع إطار من الشفافية تسمح للمصرف المركزي بتحقيق الهدف.

– نظام شبه إستهداف التضخم: ويخص هذا النظام البلدان الحساسة الناشئة إلى حد كبير من الصدمات الاقتصادية (المالية والدورية) وذات الوضع المالي غير المستقر وضعف نظامها المؤسسي ذي الدرجة المنخفضة نسبياً من المصداقية، وتتميز بعدم قدرة المصرف المركزي لإستكمال هدف إستقرار الأسعار، ويقع عدد كبير من الدول النامية ضمن هذا النظام.

– إستهداف التضخم الإنتقائي: يتضمن هذا النظام سلوكاً للنظرة المستقبلية، بحيث يكون هناك رصد دقيق لإشارات التضخم المستقبلي، أي لا بد من إستخدام أدوات السياسة النقدية في الوقت الحالي للحد من الضغوط التضخمية المستقبلية، حتى وإن كان معدل التضخم الحالي مستقراً. ينطبق هذا النظام على البلدان التي تمر في مرحلة إنتقالية ذات مصداقية عالية جداً وتتميز بالإستقرار المالي.

وحسب دراسة صندوق النقد العربي، فإن الدراسات الإقتصادية تعزو ثلاثة أرباع التطور الإقتصادي الذي إتسمت به حقبة التسعينات من القرن الماضي، المتمثل في تراجع مستويات التضخم، والزيادة في معدلات النمو الإقتصادي العالمي، إلى تحسن السياسات النقدية خلال تلك الفترة، وإتجاه عدد من المصارف المركزية على مستوى العالم، إلى تبني إستراتيجية إستهداف التضخم كمحور أساسي لإرتكاز السياسة النقدية، فيما يعزو الربع المتبقي إلى إستقرار البيئة الإقتصادية العالمية، حيث كان من نتائج هذه الإستراتيجية إنخفاض معدل التضخم في الولايات المتحدة من 6 % في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، إلى 2 % في نهاية عقد التسعينيات. دراسات أخرى أظهرت أن إستراتيجية إستهداف التضخم ساعدت العديد من الدول الناشئة على تجاوز أزماتها الإقتصادية المتمثلة في إرتفاع مستويات التضخم لمستويات حادة تفوق 20 %، وأن ذلك ساعد بالإضافة إلى خفض مستويات التضخم إلى تحقيق المزيد من الإستقرار في مستويات التضخم خلال الفترة التي إتبعت فيها الدول النامية هذه الإستراتيجية.

البنوك المركزية هي المسؤولة عن تحديد التضخم المستهدف:

يرى العديد من المهتمين أن ليس من الضرورة أن يقوم المصرف المركزي بتحديد التضخم المستهدف، أي ليس بالضرورة أن يكون له إستقلالية الهدف فقط، بل يجب أن يكون للمصرف المركزي الإستقلالية التشغيلية، بمعنى أن الشرط الأساسي لإستهداف التضخم أن يكون المصرف المركزي متمتعاً بالإستقلال التشغيلي.

فالمصرف المركزي يجب أن يلتزم صراحة الوفاء بمعدل تضخم محدد، أو إلتزامه تحرك معدل التضخم في حدود معينة خلال فترة زمنية محددة، والإعلان الدوري عن مستهدف التضخم للجمهور، ووجود ترتيبات مؤسسية لضمان مُساءلة المصرف المركزي عن تحقيق هذا الهدف. بمعنى أن يتحلّى المصرف المركزي بالإستقلالية في تحديد الهدف، وإستقلالية في تحديد الأدوات، وأن يتمتع أيضاً بمستوى عال من الشفافية، والخضوع للمساءلة.

ويتم ذلك من خلال الإعلان العام لأهداف رقمية لمعدل التضخم المستهدف متوسط الأجل، بحيث يشير هذا الهدف العددي للتضخم لمؤشر محدد السعر. على أن يكون تحقيق مستوى التضخم المستهدف هو الهدف الرئيسي للسياسة النقدية. إضافة إلى إعتماد المصرف المركزي على أسلوب النظرة المستقبلية في تقدير معدل إستهداف التضخم المتوقع في المستقبل، أي أن إستهداف التضخم هي عملية صنع القرار، بمعنى أن توقعات المصرف المركزي للتضخم لها دور مهم، حيث يتم تعيين أدوات السياسة النقدية التي تتفق مع الهدف في تقدير الضغوط التضخمية في المستقبل، وهذا بتوافر نموذج تستخدم كافة البيانات والمعلومات المتاحة والدقيقة للتنبؤ بالتضخم ووجود القدرة الفنية اللازمة لصوغ السياسة النقدية، بالإعتماد على مجموعة من المؤشرات الرائدة مثل (الطلب والعرض الكلي، سعر الفائدة، معدل التضخم، معدل سعر الصرف والمجاميع النقدية).

 كما يستلزم على  المصرف المركزي زيادة الشفافية في إستراتيجية تنفيذ السياسة النقدية من خلال التواصل مع الجمهور والأسواق حول خطط وأهداف وقرارات السلطات النقدية، وزيادة مساءلة المصرف المركزي لتحقيق أهداف التضخم من خلال تصريح السياسة النقدية لأهدافها ومعدلاتها الرقمية المستهدفة، إصدار البيانات الاقتصادية، والتنبوءات والنماذج التي يستخدمها المصرف المركزي وشرحها للجمهور.

من شروط نجاح استراتيجية استهداف التضخم مساءلة المصرف المركزي في إنجاز معدل التضخم المستهدف كهدف رئيسي، أي تقديم تفسيرات مقبولة في حال إنحراف معدل التضخم عن معدله المستهدف. إرساء مبدأ الإتصال المفتوح بين المصارف المركزية التي تستهدف التضخم والجمهور، المصارف والمستثمرين، الأكاديميين، وسائل الإعلام، المراكز البحثية والمؤسسات الدولية، وهو ما يعرف بالشفافية، وهذا الذي بدوره يُعزز المصداقية.

كما يتطلب لنجاح إستراتيجية إستهداف التضخم، أن يتمتع المصرف المركزي بدرجة عالية من الإستقلالية، بل ويراه العديد من المهتمين أنه من أهم الشروط التي تساعد المصرف المركزي للوصول إلى الهدف النهائي، بحيث يتم إعطاء المصرف المركزي إستقلالية كاملة بتوجيه أدوات السياسة النقدية بشكل فعَّال وعدم تمويله لعجز ميزانية الحكومة إلا وفق شروط صارمة.  فالإستقلالية تعطي المصرف المركزي قدراً أكبر من الحرية في إستخدام سياسته النقدية وتوجيه أدواته بشكل فعَّال لبلوغ أهداف معينة.

من جانب آخر يحتاج نجاح سياسة استهداف التضخم إلى وجود أسواق نقدية ومالية متطورة، حتى يتم من خلالها تمرير توجهات السياسة النقدية إلى القطاع الحقيقي. فنقطة البداية تتمثل في وجود سعر فائدة السياسة النقدية الذي يعتمده المصرف المركزي كأساس لنقل توجهات السياسة النقدية إلى القطاع المالي، مثل فائدة عمليات الإقراض لليلة واحدة من قبل المصرف المركزي في سوق التعاملات ما بين المصارف، أو سعر فائدة عمليات إعادة الشراء في عمليات السوق المفتوحة، وهذا يستلزم تبني سياسة تطوير أدوات للسياسة النقدية قادرة على نقل أثر السياسة النقدية إلى القطاع الحقيقي (عبدالمنعم وطلحة 2020).

إذاً من خلال العرض السابق، فإن المصرف المركزي يقع عليه الدور الأكبر في إدارة إستراتيجية إستهداف التضخم، فهو المسؤول الأول عن تنفيذ هذه السياسة، وهو المعرَّض للمساءلة من قبل الشعب والسلطة التشريعية ووسائل الإعلام. على أن يتمتع المصرف المركزي بالإستقلالية الكافية لتحقيق معدل مستهدف للتضخم.