حرب النفط والغاز تشتعل بين روسيا ودول أوروبا فهل يُمكن الفصل بينهما؟

تنزيل

حرب النفط والغاز تشتعل بين روسيا ودول أوروبا فهل يُمكن الفصل بينهما؟

مقابلات
العدد 500 - تموز/يوليو 2022

حرب النفط والغاز تشتعل بين روسيا ودول أوروبا

فهل يُمكن الفصل بينهما؟

لا تقتصر تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية على الميدان فقط، بل تمتد إلى العلاقات السياسية والإقتصادية بين البلدان المتحاربة من جهة، وداعميها من جهة أخرى. ويُحاول كل طرف تسديد ضربات موجعة للطرف الآخر ضمن سياسة عض الأصابع، وهذا ما يُحاول الإتحاد الأوروبي المساند لأوكرانيا القيام به من خلال قراره بوقف تدريجي لمشترياته من النفط الروسي ومشتقاته، في إطار العقوبات التي تُفرض على موسكو على خلفية غزوها لأوكرانيا، وكترجمة لإرادة سياسية لوقف شراء النفط من روسيا.

تتحضّر المفوضية الأوروبية لعرض إقتراح في شأن حظر شراء النفط من روسيا «مع فترة إنتقالية تمتد حتى نهاية السنة»، مع علم الجميع أن القرار «ليس من السهل تنفيذه» بسبب صعوبتين، أولاهما إعتماد بلدين أوروبيين لا منفذ بحرياً لهما، هما المجر وسلوفاكيا، على أنابيب النفط الروسية، وهما غير متصلين بأي أنابيب نفط أوروبية، ما يعني أنه إقامة بُنى تحتية جديدة أو إيجاد بدائل، وثانيهما الحرص على ألاَّ تؤدي القرارات الأوروبية إلى إرتفاع أسعار النفط، لأنه سيُعطي نتائج عكسية لما يُريده قادة أوروبا. فهل سيتمكّنون من تجاوز هاتين العقبتين؟

الأرقام تتحدث

 بلغة الارقام في العام 2021، إستورد الإتحاد الأوروبي من روسيا 30 % من مشترياته من النفط الخام، و15 % من مشترياته من المشتقات النفطية، وبلغت كمية النفط المستورد قبل الحرب على أوكرانيا 2.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام، و1.2 مليون برميل يومياً من المنتجات النفطية المكررة وذلك حسب وكالة الطاقة الدولية. وفي منتصف إبريل/نيسان الماضي، أعلن مسؤول أوروبي أن «فاتورة إستيراد النفط الروسي أعلى بأربعة أضعاف من فاتورة إستيراد الغاز، 80 مليار دولار مقابل 20 ملياراً». وتُعدّ ألمانيا وإيطاليا وهولندا وفرنسا أكبر الدول المستوردة للوقود الأحفوري الروسي من غاز ونفط خام ومشتقات نفطية وفحم.

 في المقابل، يدخل قرار حظر إستيراد الفحم الروسي الذي إتّخذ في 7 إبريل/ نيسان، في الأول من أغسطس/آب 2022، وأفادت ألمانيا أنها تحرز تقدماً في التخلّص من الوقود الأحفوري الروسي، وتتوقع أن تكون مستقلة تماماً عن واردات النفط الخام الروسي في حلول أواخر الصيف.

وأعلنت برلين أنها قلّصت إعتمادها على النفط الروسي، وقد خفّضت وارداتها منه من 35 إلى 12 % ، مع تأييدها مبدأ الحظر التدريجي، وفق ما أعلنه وزير الإقتصاد والمناخ الألماني روبرت هابيك.

ولا بد من الاشارة أيضاً إلى أن أوروبا لا تستورد من روسيا النفط الخام، بل تستورد أيضاً منتجات النفط المكررة، مثل الديزل لتزويد سيارات الركاب، وتلك المستخدمة في القطاع الصناعي بالوقود، ومن شأن إستيراد الديزل من مناطق أبعد من روسيا زيادة تكاليف الشحن، وتالياً رفع الأسعار في محطات الوقود. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، جاء 74 % من واردات الديزل قبل الحرب من روسيا، وفقاً لبيانات من شركة «إف جي إي إنيرجي للإستشارات» (FGE Energy Consultants).

وتُفيد وكالة الطاقة الدولية بأن النفط الروسي يُشكل خُمس النفط المكرر في أوروبا. وتعتمد بعض المصافي التي تنتج وقوداً مثل البنزين ووقود الطائرات وغيرهما، مثل «بي سي كيه شفيت»، و«لوينا» الألمانيتين، كذلك مصافي في جمهورية التشيك، والمجر، وسلوفاكيا وبولندا على النفط الخام الروسي القادم عبر خط أنابيب «دروجبا»، الذي يعني (خط الصداقة). وتسعى سلوفاكيا وبلغاريا والتشيك إلى الحصول على إعفاءات من حظر الإتحاد الأوروبي الوشيك للنفط الروسي، في حين لا تدعم المجر الخطط خوفاً على أمن طاقتها.

هل يُمكن الإستغناء فعلاً عن النفط الروسي؟

كل هذه المعطيات، تدفع  إلى البحث عن مدى قدرة الإتحاد الأوروبي الإستغناء فعلاً عن النفط الروسي، وتداعيات هذه الخطوة على إقتصادات دوله وعلى روسيا أيضاً التي تحاول تعويض خسائرها التي تتكبّدها جرّاء الحرب والعقوبات، من خلال إرتفاع أسعار النفط والغاز.

ياغي: توقف أوروبا عن إستيراد النفط الروسي قد يترافق مع عدم إستيراد الغاز  وهي خطوة تُشبه من يُطلق النار على قدميه

في هذا الإطار، يشرح الخبير النفطي ربيع ياغي لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أن هناك ترابطاً وثيقاً بين إستيراد الغاز والنفط الروسي، ولا يُمكن فك حلقاتهما بسهولة بالنسبة إلى الروس، حين تدق ساعة الحقيقة، ويقول إن «75 % من صادرات روسيا من الغاز الطبيعي (9 تريليونات قدم من الغاز) تتوجه إلى دول الإتحاد الأُوروبي وأكبر مستورد للغاز هو ألمانيا. أما في ما يتعلق بالنفط، فروسيا تُصدر يومياً 4.5 ملايين برميل، ونصف هذه الكمية يستوردها الإتحاد الأوروبي. والباقي تستورده الصين وكوريا الشمالية، وجزء بسيط إلى الولايات المتحدة (800 ألف برميل)»، معتبراً أنه «حين يُعلن الإتحاد الأوروبي أنه يريد التوقف عن إستيراد النفط الروسي، فهذا يعني أنه سيتبع ذلك خطوة عدم إستيراد الغاز الروسي أيضاً. وهذا ما لا يُمكن أن يحصل لأن هذه الخطوة تُشبه مَن يطلق النار على قدميه».

  يُضيف ياغي: «صحيح أن هذا الأمر سيؤدي إلى أزمة لدى روسيا، بسبب خسارتها السوق الأوروبية، لكن من ناحية ثانية، الإتحاد الأوروبي الذي يُشكل سوقاً إستهلاكية كبيرة  للنفط والغاز، يُلحق الضرر بنفسه أيضاً، لأنه لا يملك إنتاجاً ذاتياً»، مشدِّداً على أنه «يُحاول الضغط على إقتصاد روسيا في هذا الأمر، لأنه ليس من السهل عليه إيجاد أسواق جديدة لغازها ونفطها، والصين لا يُمكن أن تحل مكان الإتحاد الأوروبي، لأن طلباتها الجديدة للنفط والغاز الروسي، ستكون محدودة لأن لديها إلتزامات مع دول تُنتج النفط أيضاً».

ويرى ياغي «أن الإتحاد الأوروبي يُحاول إيجاد مصادر بديلة للنفط الروسي خلال 6 أشهر (نهاية العام 2022) وتعويضه من دول أوبيك، والولايات المتحدة، ونرويج وبريطانيا، لكن إيجاد البدائل ليس أمراً سهلاً، وسيؤدي إلى إرتفاع في أسعار النفط عالمياً ولا سيما في دول الإتحاد الأوروبي، مما سينعكس ذلك على نسب التضخم في هذه الدول وعلى أسعار المواد الغذائية، وكل البضائع التي تعتمد على النفط وهذا ما يحصل حالياً»، لافتاً إلى أن «دول أوبيك بلاس (بما فيها روسيا) ملتزمة  إتفاقاً، بأن لا تزيد إنتاجها اليومي للنفط خلال العام الحالي أكثر من 400 ألف برميل، وفقاً لمبدأ العرض والطلب في الأسواق العالمية، ولغاية اللحظة، دول أوبيك لن تزيد من إنتاجها لتغطية الحاجات الأوروبية في حال الإستغناء المطلق عن النفط الروسي».

ويشير ياغي إلى أن «الطاقة الإنتاجية الإضافية غير متوافرة لدى أوبيك بلاس، لتغطية نحو مليونين ونصف مليون برميل من النفط الروسي تجاه أوروبا، ولا سيما ألمانيا، وبلجيكا، وهولندا والدانمارك. وهذا يعني أنها لن تكون عملية سهلة، والتداعيات ستكون سلبية على أوروبا وروسيا التي لن تتمكن من إيجاد أسواق جديدة بسهولة لتصدير الكمية الفائضة من إنتاجها للنفط نتيجة المقاطعة الأوروبية».

  ويشدِّد ياغي على أن «هذا السيناريو والتخبط في الأسواق النفطية، ينعكس زيادة في الأسعار، والخطوة الاوروبية إن حصلت، فإن أضرارها وسلبياتها موزّعة على كل دول العالم المستوردة للمشتقات النفطية وليس فقط على روسيا ودول أوروبا، لأن كل آلة الإنتاج الأوروبي تعتمد على الغاز والنفط الروسيين»، مبدياً إعتقاده أنه «لايُمكن للإتحاد الأوروبي الفصل بين النفط والغاز الروسيين، لأن روسيا يُمكن لها أن تضغط في ملف الغاز الذي يتم الإعتماد عليه بشكل كبير حياتياً وإنتاجياً في أوروبا، ولا سيما في فصل الشتاء، ما يعني أن تراجع الإنتاج الإقتصادي الأوروبي، ولا بديل عن الغاز الروسي».

في المقابل، يؤكد ياغي أن «الإقتصاد الروسي سيتأثر، إذا حصلت المقاطعة الأوروبية لنفط بلاده، لكن أسواق الغاز الروسي تبقى مفتوحة، ويُمكن أن تعوّض، وخصوصاً أن الطلب عليها من الصين وباكستان والهند دائم، ولأن الأسعار مشجعة،  وتتضمّن حسومات كبيرة، وعلينا الإنتظار حتى نهاية العام، لنعرف إذا كان الأوروبيون جادين في التوقف عن إستيراد الغاز الروسي أم لا، لأن قراراً كهذا يأخذ في الإعتبار مصالح الشركات المنتجة والمُصدّرة».

ويختم ياغي قائلاً: «في المحصلة، الجميع سيعاني حتى ولو وجد الأوروبيون مصادر جديدة للنفط، لكن الأسعار ستكون خيالية، لأنه لا منافس لأسعار الغاز والنفط الروسيين، لأن الأنابيب التي تمتد بين دول الإتحاد الأوروبي وروسيا لنقل النفط والغاز، توفر كثيراً من الأكلاف».

الأنابيب لها الدور الأكبر

جباعي: أوروبا قادرة على إيجاد بديل عن النفط الروسي من دول الخليج لكن علينا رصد رد موسكو على هذا الإجراء

ينطلق الخبير الإقتصادي الدكتور محمود  جباعي من الإعتبارات الإقتصادية واللوجستية ذاتها التي تحدّث عنها ياغي، لجهة عدم القدرة الأوروبية على الإستغناء عن النفط الروسي، من دون أن تدفع الثمن لاحقاً في فاتورتها لإستيراد الغاز، ويوضح لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أنه «من الصعب جداً على الإتحاد الاوروبي أن يستغني عن الغاز الروسي، وذلك بناء على الأرقام  والمعطيات الجغرافية والطبيعية والإقتصادية والعملانية، وأهمّها أن أوروبا تحصل على النفط والغاز من موسكو عبر أنابيب، مما يُصعّب عليها الإستغناء عن الغاز الروسي، لأسباب متعددة، أبرزها أن روسيا تمدّ أوروبا بين 32 مليار متر مكعب إلى 35 ملياراً من الغاز سنوياً. أما حاجات أوروبا للغاز بين 85 مليار متر مكعب و90 ملياراً، أي أن الغاز الروسي يسدُّ حاجات 40 % مما يطلبه الإتحاد الأوروبي»، لافتاً إلى أن «روسيا أنجزت «نورد ستيرم 2» لتؤمن نحو 70 % من حاجات الإتحاد الاوروبي للغاز الطبيعي، وتالياً قرار قطع الغاز الروسي صعب جداً. والدليل أن هناك 10 دول أوروبية وافقت على  التعامل بالروبل الروسي، وحتى ألمانيا التي تدفع ثمن الغاز باليورو، ولكن ضمن المقاصة الروسية التي تُحوّل اليورو إلى روبل. ولم يكن الدولار وسيطاً بين روسيا والإتحاد الأوروبي. من هنا نفهم أن الإستغناء عن الغاز الروسي أمر صعب جداً في هذه المرحلة».

 يضيف جباعي: «من الناحية الجغرافية، كل البدائل المتاحة لأوروبا هي بعيدة جغرافياً ومنها الولايات المتحدة، مما يزيد التكاليف والمسافات، كما أن الجزائر لا تملك كمية الغاز التي تملكها روسيا (أكبر إحتياط في العالم 49 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي)، ومن بعدها تأتي إيران بنسبة 31 % من إحتياطات الغاز عالمياً، وثم قطر في المرتبة الثالثة (غازها مسيّل يحتاج إلى سفن لنقله عبر البحر وليس عبر الأنابيب). كما أن الجزائر لا يُمكنها تأمين حاجات أوروبا من الغاز»، مشيراً إلى أن «نقل الغاز الروسي عبر الأنابيب يُخفّض الكلفة، وفي حال تم إعتماد النقل البحري فستقفز أسعار الغاز عالمياً إلى مراتب قياسية، والمدة الزمنية التي تحتاجها دول الإتحاد الاوروبي لترتيب أوضاعها هي سنوات مما يعطل كلياً عمليات الإنتاج».

ويرى جباعي أنه من «الصعب جداً أن تعمد أوروبا إلى قطع الغاز، وسترضخ للشروط الروسية وفقاً للمنطق الإقتصادي والمالي والجغرافي والكلفة المتدنية، وسيبقى سلاح الغاز الروسي من الأسلحة الفتاكة في الحرب العالمية المقبلة على الأبواب».

في المقابل، يرى جباعي «أن أوروبا قادرة على إيجاد بديل عن النفط الروسي من دول الخليج العربي (روسيا في المرتبة 11 في التصدير للخارج) ولكن النفط الروسي يبقى مؤثراً، لأن السؤال الأهم حين يُقدم الإتحاد الأوروبي على  التوقف عن إستيراد النفط الروسي، هل ستقبل  موسكو بهذا القرار بسهولة، أم أنها ستعمد إلى عدم تصدير الغاز إليه أيضاً؟ هذا الربط ممكن، لأن هناك تجارة إستراتيجية بين النفط والغاز الروسي».

باسمة عطوي