رفعُ الدعم عن المواد الأساسية بات جدياً

تنزيل

رفعُ الدعم عن المواد الأساسية بات جدياً

مقابلات
العدد 480- تشرين الثاني/نوفمبر 2020

رفعُ الدعم عن المواد الأساسية بات جدياً

 ومحاولات المعالجة لا تزال ضبابية

تجتاح أمواج القلق والخوف يوميات معظم اللبنانيين، مع تصاعد الحديث الجدّي بأن طريق دعم المواد الاساسية والقمح والمحروقات والدواء سيصل إلى نهايته مع بداية العام المقبل، نتيجة إنخفاض إحتياطي المصرف المركزي في لبنان من العملات الأجنبية بحيث سيتوقف عن الدعم عندما يبلغ الإحتياطي نحو 17 مليار دولار ونصف مليار، حفاظاً على أموال المودعين اللبنانيين، ما دفع كل المؤسسات والوزارات المعنية والأجهزة الرقابية لإستنفار كل طاقاتها لإيجاد البديل.

وتشهد السرايا الحكومية إجتماعات متتالية لإيجاد مخرج لهذه الازمة المقبلة في الوقت الذي يلوح فيه الإتحاد العمالي العام والنقابات العمالية بالتحركات الشعبية إحتجاجاً على رفع الدعم.

وفي الوقت الذي يكثر فيه الحديث، أن الحل سيكون في المرحلة المقبلة هو بطاقات دعم مالية تصدر عن وزارة الشؤون الإجتماعية اللبنانية، تُمنح للطبقة الفقيرة لتغطية حاجاتهم من مواد أساسية ودواء ومحروقات، إلاّ أن هذه الخطوة دونها عقبات جمّة لأنها تحتاج إلى أبحاث وإحصاءات على الأرض تستغرق شهوراً عدة، علماً أن دعم مصرف لبنان وبحسب الأرقام المعلن عنها لن يستمر أكثر من ثلاثة أشهر.

ويجدر التذكير بأن الدعم بدأ عمليّاً مع بدء الأزمة في 17 تشرين الأول 2019 أي منذ عام كامل، وكان مصرف لبنان يُسلّم الدولار على سعر 1515 لشراء المحروقات والقمح والأدوية، وأمّن الدولار في مايو (أيار) الماضي على سعر 3900 ليرة، لإستيراد سلّة من المواد الغذائية الأساسية.

 وسط كل هذا التخبّط، يغمض المسؤولون السياسيون أعينهم عن حل واضح وضوح الشمس، ولا يحتاج إلا إلى إرادة سياسية لتنفيذه، ويكمن هذا الحل بتشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن، تكون مهمتها مصالحة لبنان مع المجتمع الدولي وتطبيق الإصلاحات التي نصّت عليها المبادرة الفرنسية ومؤتمر «سيدر»، وإلى أن يقتنع المسؤولون اللبنانيون بهذا الحل السهل والضروري، يصبح مشروعاً البحث عن طرق المعالجة التي يتم نقاشها حالياً بين المسؤولين اللبنانيين، وما هي تداعيات رفع الدعم على الإقتصاد والمواطن اللبناني؟

رصدُ التصريحات التي تصدر عن المسؤولين اللبنانيين، يُظهر أن الجميع يدور في حلقة مفرغة، ويتم عقد إجتماعات لم تتمكن إلى الآن من الوصول إلى الحل الناجع، ففي تصريح  رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب حول الأزمة المقبلة إعتبر أن «أي خطوة من مصرف لبنان لرفع الدعم، يتحمّل هو مسؤوليتها مع كل الذين يؤيدون أو يغطون هكذا قرار، لأنها ستؤدي إلى إنفجار إجتماعي ستكون نتائجه كارثية»، لافتاً إلى أن «الخسارة الناتجة عن إستمرار الدعم هي أقل بكثير من الخسائر التي ستترتب على قرار غير موضوعي برفع الدعم».

لغة الارقام

أبي حيدر: مباحثات مستمرة لتدارك الأزمة ولا معطيات واضحة وسنقوم بواجباتنا

مقابل هذه التصريحات، هناك أرقام تتكلم وتفرض نفسها على الواقع اللبناني، فبحسب إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية أصبح 60 % من  الشعب اللبناني تحت خط الفقر، وأكثر من 25 % من الشعب تحت خط الفقر المدقع،  إذ يكسبون أقل من دولار واحد للفرد. أما المبلغ المتبقي لشراء المواد الاساسية فهو مليار و800 مليون، وتكلف المواد المدعومة 210 ملايين دولار شهرياً، والتي يدفعها مصرف لبنان من الإحتياطي الموجود لديه، وتبحث الحكومة المستقيلة بتخفيض هذا المبلغ إلى 120 مليون دولار، مع الاشارة إلى أنه لا تزال أكثر من 70 % من التعاملات التجارية اليومية تتمّ على السعر الرسمي (محروقات، قمح، أدوية، إتصالات، إنترنت، القروض المصرفية، الجمارك، والضريبة على القيمة المضافة) وعلى سعر 3900 ليرة لسلّة غذائية مكوّنة من 300 سلعة، إضافةً إلى الموادّ الأوليّة الصناعيّة والزراعيّة.

وفي هذا الاطار يوضح مدير عام وزارة الإقتصاد الدكتور محمد أبي حيدر لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أنه «خلال إجتماعنا الأخير مع الرئيس دياب والوزارات المعنية تم التباحث بسبب عدم إنخفاض أسعار السلع التي تدخل فيها مواد مدعومة وضرورة تفعيل الرقابة، وتقليص عدد السلع المدعومة من 300 سلعة إلى 40 سلعة من دون المسّ بأمن المواطن الغذائي، وإلى الأن تحصل مباحثات لتدارك الأزمة ولا معطيات واضحة، وسنقوم بواجباتنا الى أن تتخذ القرارات  في هذا الموضوع».

مجلس النواب يتحرك

درويش: قلق الناس مبرّر بسبب عدم الثقة بالسياسيين والنتائج المريرة المعاشة

على ضفة المجلس النيابي، تجري متابعة موضوع رفع الدعم من خلال الإجتماعات لجنة الاقتصاد النيابية التي لا تملك أيضاً الجواب الشافي حول من كيفية معالجة مشكلة الدعم، وفي هذا الإطار، يشرح عضو لجنة الاقتصاد النيابية النائب علي درويش أن «اللجنة عقدت إجتماعاً في حضور ممثل مصرف لبنان، وتم نقاش مستفيض في ملف دعم المحروقات والمواد الغذائية والادوية، وكيفية إستمرارية الدعم، في ظل التراجع المستمر في إحتياطي مصر لبنان، وتطرّقنا إلى  دور وزارات  الإقتصاد والزراعة والصحة، حيال إستمرار دعم 300 سلعة من المواد الغذائية أو تقليصها، للحفاظ على الأموال التي بحوزتنا لأطول فترة ممكنة، وفي موضوع المحروقات ناقشنا ملف التهريب والتخزين ودعم أدوية الأمراض المزمنة وسنتابع كلجنة تحركنا، سواء مع الجهات الحكومية أو مصرف لبنان ووزارتي الإقتصاد والصحة  للحفاظ على أكبر قدر من السيولة لإستمرار الدعم».

 يضيف درويش: «القلق عند الناس مبرّر، نتيجة عدم الثقة بالمنظومة السياسية والنتائج المريرة التي نعيشها، وما نحاول الوصول اليه كلجنة هو طمأنة الناس بأن الدعم لن يُرفع عن المواد الاساسية، وهذا الأمر يحتاج إلى المزيد من المعالجة»، مشدداً على أنه إذا «لم يكن هناك حكومة، لن نتمكن من تحقيق هذا الهدف بسهولة، لأن صلاحيات حكومة تصريف الاعمال محدودة، فضلاً عن قدرة الحكومة الجديدة على جلب مساعدات من الخارج، وهذا ما لا تستطيعه الحكومة المستقيلة».

ماذا عن البطاقة الدعم؟

أبي علي: “الشؤون” تحتاج لشهور لإنجاز الإحصاءات وإصدار بطاقة الدعم

من المخارج التي تُطرح لإطالة عمر الدعم على السلع الاساسية هو إعتماد بطاقة دعم توزع على الطبقة الفقيرة، إلا أن تحقيق هذا المخرج دونه عقبات كثيرة تحول دون إيصال البطاقة إلى مستحقيها، وأولها غياب الإحصاءات وآليات العمل لدى وزارة الشؤون الإجتماعية التي  تُمكن من ذلك، وفي حال تم البدء بهذه الإحصاءات، فإن صدور النتائج يحتاج إلى شهور عدة من قبل فريق الوزارة بسبب غياب الإحصاءات اللازمة التي تُظهر عدد اللبنانيين الذين باتوا تحت خط الفقر بعد إندلاع الأزمة السياسية والإقتصادية في 17 تشرين الاول 2019، وخصوصاً أن آخر دراسة للجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) في هذا الاطار، تُفيد بأن نحو نصف الشعب اللبناني بات تحت خط الفقر، ويحتاج إلى مساعدة، في حين أن الإحصاءات الموجودة في وزارة الشؤون تعود إلى العام 2017.

يُوافق المشرف العام على «خطة لبنان للإستجابة للأزمة» الدكتور عاصم أبي علي على أن «لبنان ليس جاهزاً بعد للتعامل مع بطاقات الدعم لأسباب عدة يشرحها بالقول لـ «مجلة إتحاد المصارف العربية» بأن «وزارة الشؤون الإجتماعية لا تملك قاعدة البيانات التي يُمكن لمصرف لبنان والحاكم رياض سلامة بأن يعملوا على أساسها لتوزيع الدعم المطلوب، ولم يتم التواصل معنا من أجل هذا الموضوع، لكن الوزارة تملك مشروعاً لدعم الأسر الأكثر فقراً، والذي يضم 132 ألف عائلة، لكنه  يحتاج إلى تحديث وتدقيق، كون القوائم وُضعت منذ سنوات عدة، ويلزمها إعادة نظر»، لافتاً إلى أن «وزارة الشؤون اليوم في صدد إجراء تحديث شامل لهذه القوائم وتوحيد لقاعدة البيانات الموجودة عند الأسر الأضعف والأكثر فقراً في لبنان، ونحن نُجري إجتماعات مطوّلة مع الإتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، ومنظمة الغذاء العالمي، للوصول إلى صيغة مشتركة، لتوحيد قاعدة البيانات للأسر المحتاجة والأسر الفقيرة في كل لبنان، حتى نصل إلى قاعدة بيانات شاملة».

 يُشدد أبي علي على أن «فريق عمل الوزارة يحتاج إلى شهور كي يُنجز البيانات والإحصاءات اللازمة التي تُمكّن من إصدار بطاقة دعم تُعطى للأُسر المحتاجة من أجل تخفيض الاسعار على المواد الاساسية بدعم من مصرف لبنان»، شارحاً أن «هذه البيانات تحتاج إلى التثبت وزيارات ميدانية من قبل مندوبي الوزارة، وتعبئة إستمارات إجتماعية تعكس الواقع المعيشي بطريقة علمية، وفق معايير ثابتة وموحدة وأيضا إلكترونية من دون تدخل بشري».

ويوضح أبي علي أن «لدى وزارة الشؤون راهناً، نحو 15 ألف مستفيد من برنامج الأسر الاكثر فقراً، ولدينا النية لأن يزداد الرقم إلى 55 ألف عائلة بالتعاون مع الجهات المانحة والشركاء، وفي المستقبل يجب أن يصل الرقم إلى 200 ألف مستفيد ضمن هذه البيانات المحددة والشاملة لكل اللبنانيين».

ماذا عن المعلومات التي جمعتها البلديات لمساعدة الأسر

المحتاجة في بداية إنتشار جائحة كورونا، هل يُمكن الإستفادة منها؟

يجيب أبي علي: «ما نملكه الآن هو المنصة الإلكترونية التي تم تعبئتها من قبل البلديات لمنح اللبنانيين المحتاجين 400 ألف ليرة  ضمن برنامج «impact»، ولدينا 467 ألف عائلة تعتمد على هذه المنصة الالكترونية، والذين تم جمع معلومات عنهم عبر البلديات والمخاتير والقائمقاميات، وهذه البيانات سيتم أيضاً العمل على التدقيق فيها، وفقاً للمعيار الذي سبق أن ذكرته والموحد، أي الزيارات المنزلية للعمال الإجتماعيين، والقيام بالفحص الإجتماعي الدقيق، عبر تعبئة الإستمارة تعكس الواقع المعيشي، وتضم ما بين 45 سؤلاً و55 سؤالاً، يُجيب عليها المواطن، وتدخل إلى نظام الكومبيوتر عبرscore  معيّن، ومن خلالها تخرج لائحة بالمستفيدين».

ويُطمئن أبي علي إلى أن «وزارة الشؤون لديها 500 عامل إجتماعي، يُمكن أن يساهموا في هذا الموضوع، إلى جانب إستعدادها للتعاون مع منظمات المجتمع المدني والدولي، بشرط أن تبقى المعايير والإستمارات موحدة ضمن آلية علمية ثابتة وشاملة وتنطبق على الجميع، ويدنا ممدودة للجميع».

الآثار الإقتصادية

عجاقة: يمكن تلافي رفع الدعم عبر حكومة قادرة على تنفيذ الإصلاحات

والسؤال الذي يُطرح هنا، في حال وجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع رفع الدعم على السلع الاساسية، كيف سينعكس هذا الأمر على حياتهم اليومية وعلى الإقتصاد اللبناني ككل؟، يُجيب الخبير الإقتصادي جاسم عجاقة بالقول: «أولاً، لا بد من التركيز على أننا يُمكن تلافي هذه المشكلة عبر تشكيل حكومة في أسرع وقت، تكون قادرة على تنفيذ الإصلاحات، أو أقلّه جزء من هذه الإصلاحات، بهدف إرسال إشارات إيجابيّة إلى الدول المانحة لتحرير قسم من الأموال المرصودة للبنان»، مشدداً على أنه «من دون أموال صندوق النقد الدولي، لبنان ذاهب حتماً الى رفع الدعم، لأن مصرف لبنان لم يعد بإستطاعته تأمين دولارات وفق سعر الصرف الرسمي 1515 ليرة لبنانية أو حتى على سعر الـ3900 ليرة».

ويُحذر عجاقة من أنّ «عدم القيام بالإصلاحات سيؤدّي إلى رفع الدعم، وبطريقة غير مباشرة، إلى تحرير سعر صرف الليرة مقابل الدولار، ما يعني أن الإستيراد سيتمّ على سعر السوق السوداء وسيرفع الأسعار بين ثلاثة أضعاف إلى خمسة أضعاف الأسعار حالياً، وهو ما سيدفع إلى ثورة جياع، ستكون قاسية على الجميع».

يشرح عجاقة، أنّ «الأزمة الإقتصادية بدأت مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب في سبتمبر (أيلول) 2017، التي أدّت إلى ضرب المالية العامة مع إستدانة الدولة، لدفع هذه السلسلة وإستخدام الموظّفين الأموال في شراء السلع والبضائع المستوردة بشكل ملحوظ»، لافتاً إلى أن «العام 2018 سجّل عجزاً قياسياً في موازنة الدولة مع 11,5 % من الناتج المحلّي الإجمالي، نظراً إلى غياب الحكومة تسعة أشهر، تراجع خلالها الإقتصاد والمالية العامّة بشكل إنفجر معه الوضع المالي في أغسطس/ آب 2019».

ويضيف عجاقة: «في 23  أغسطس (آب) 2019 خفّضت وكالات التصنيف الإئتماني تصنيف لبنان، بالتزامن مع فرض عقوبات أميركية على مصرف لبناني (جمّال تراست بنك)، ما أدّى إلى ضرب الثقة بالقطاع المصرفي والإقتصاد على حدٍ سواء، وإنفجرت الإحتجاجات الشعبية في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، ليدخل لبنان في أزمة سياسية خانقة إستقالت على إثرها حكومة الرئيس سعد الحريري، وشُكِّلت حكومة برئاسة حسّان دياب التي إستقالت على وقع تفجير مرفأ بيروت».

ماذا يقول القانون؟

يُحدّد قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي ماهية إحتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، فالمادة 69 تنصّ على الآتي «على المصرف أن يُبقي في موجوداته أموالاً من الذهب ومن العملات الأجنبية التي تضمن سلامة تغطية النقد اللبناني، توازي 30 % على الأقل من قيمة النقد الذي أصدره، وقيمة ودائعه تحت الطلب، على أن لا تقل نسبة الذهب والعملات المذكورة عن 50 % من قيمة النقد المصدّر. ولا تؤخذ موجودات المصرف من النقد اللبناني في الإعتبار لحساب النسبتين المحددتين في الفقرة السابقة».

وتتألّف هذه الاحتياطات من: الإحتياطي الإلزامي، أي نسبة من الودائع، تضعها المصارف التجارية في مصرف لبنان، وودائع تضعها المصارف في مصرف لبنان، وأموال مصرف لبنان الخاصة بالعملة الصعبة، وودائع الدول أو المصارف المركزية الأخرى في المصرف المركزي.

باسمة عطوي