سرعة الإقتصاد الصيني نحو النمو  تسبق سرعة كورونا نحو الركود

تنزيل

سرعة الإقتصاد الصيني نحو النمو  تسبق سرعة كورونا نحو الركود

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 494 كانون الثاني/يناير 2022

«سرعة الإقتصاد الصيني نحو النمو  تسبق سرعة كورونا نحو الركود

لكن ماذا ينتظر هذا الإقتصاد؟

في الوقت الذي لا تزال إقتصادات كثيرة حول العالم، تُجاهد لإستعادة ما خسرته العام الأول بسبب جائحة الكوفيد، ها هي الصين تُحقق نمواً في العام 2021 لم تكن تتوقعه أصلاً ليبلغ نسبة 8.1 %. فالصين أول الدول التي هبّت في فضائها رياح الكورونا، قبل أن تتوسع غرباً لتجتاح في ما بعد العالم بأكمله، وهي اليوم أول الدول تستعيد عافيتها وبسرعة هائلة.

الإقتصاد الصيني الذي إعتاد أن ينمو ويكبر بفضل زخم الصادرات، يعتمد منذ سنوات قليلة على التخفيف من التصدير، والتركيز على الإستهلاك الداخلي في إطار إصلاحات عملت عليها السلطات.

ونسبة النمو التي حققها الإقتصاد الثاني عالمياً، في العام 2021 بنحو 8.1 %، جاءت مدفوعة بتحسن حجم الطلب الداخلي والخارجي. كذلك بفضل تسارع وتيرة التعافي من جائحة الكوفيد. وشكلت نسبة النمو هذه، مفاجأة للسلطات التي كانت تتوقع نسبة نمو بأحسن الاحوال عند 6 %. وتجدر الإشارة إلى أن الإقتصاد الصيني حقق نمواً خجولاً في العام 2020 بنسبة 2.3 %، لكن هذه النسبة الخجولة كانت مفاجئة لدول عديدة حول العالم، حققت نسب نمو سلبية في إنكماش العام 2020 نتيجة سرعة وباء الكوفيد في ضربه لقطاعات عدة لإقتصادات كثيرة على سطح الكرة الأرضية.

نسبة 8.1 % التي جناها إقتصاد الصين في العام 2021 تحققت كالتالي: نمو نسبة 18.3 % في الربع الأول منه، ونسبة 7.9 % في الربع الثاني، ونسبة 4.9 % في الربع الثالث، لكن تباطأ النمو إلى 4 % في الربع الأخير.

وبناء على نسبة النمو المرتفعة للعام 2021 ككل، بلغت قيمة الناتج المحلي الإجمالي للصين بأكثر من 114 ألف مليار يوان، أي أكثر من 18 ألف مليار دولار. وأسهم الإستهلاك الداخلي النهائي الصيني بحجم النمو بأكثر من 65 % في الناتج الداخلي الإجمالي، فيما ساهمت الصادرات بمعدل 21%.

فرحة الصين بنمو 8.1 % لم تكتمل

الإقتصاد الصيني المرن المتنامي بأحجام مرتفعة كما نرى اليوم، يُواجه بالحقيقة ضغوطاً، ومن إتجاهات عدة منذ الربع الأخير من العام 2021 مرتبطة بعودة إنكماش الطلب، وضغوط سلاسل التوريد، وخفض التوقعات في شأن معدّلات النمو والأزمة التي تمر بها أشهر شركات العقارات والإنشاءات الصينية «إيفرغراند».

بالنسبة إلى المكتب الوطني للإحصاء: الصين الذي يُركز على الضغوط التي أشرنا إليها، فإن الصين عادت ووقعت على قدميها بعد الصدمة الأساسية من ظهور الوباء في ووهان، وإستمرت قرابة العامين. لكن بعض البؤر الصغيرة من الوباء لا تزال تُواصل إلقاء حالة ضبابية على النشاط الإقتصادي، وتُؤثر تالياً على الأداء العام.

فالصين عملت منذ ظهور الوباء على أن تصل إلى مرحلة صفر وباء، وهذا الأمر ساعدها على الوصول إلى هدفها على مراحل، لكن تكبّدت من أجل ذلك تكلفة إجتماعية وإقتصادية مرتفعة جداً، ولا تزال قطاعات مثل السياحة والتسلية، والفنادق والمطاعم والمواصلات متعثّرة، ولم تعرف مستواها ما قبل الجائحة.

إنطلاقاً من هنا، يتوقع مسؤولون في السلطات الصينية أن تستمر الضغوط في العام 2022، لكنهم سيفعلون كل ما في وسعهم لمساندة تعافي الإقتصاد، ولا سيما أن مبيعات التجزئة شكلت صدمة للسلطات، وسجلت في العام 2021 إرتفاعاً خجولاً بنسبة 1.7 %، بينما كانت السلطات ذاتها تتوقع لهذا القطاع نمواً بنسبة 3.7 %، ما عدا الإنتاج الصناعي الذي شهد نمواً بنسبة 4.3 % في نهاية العام 2021 مقارنة بـ 3.8 % في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ذاته، فيما كان المتوقع أن يشهد هذا القطاع نمواً بنسبة 3.6 %.

البنك المركزي الصيني لعب، ولا يزال يلعب دوراً ريادياً في دفع العجلة الإقتصادية في البلاد من خلال تخفيضه، وبشكل مفاجيء، لتكلفة قروضه الممنوحة للبنوك، وذلك للمرة الأولى منذ ربيع 2020، الأمر الذي يُؤشر على خطوة قد يقوم بها البنك في سياسته النقدية، في إطار تبسيط معدلات الفائدة لتخفيف الصدمة التي قد تحدث من أي تباطؤ إقتصادي محتمل.

في الإجمالي، ورغم سرعة الإستهلاك الداخلي، ومعدلات نمو غير مسبوقة، في زمن أزمات الأوبئة، إلا أن ديناميكية الإقتصاد الصيني المنافس الرئيسي للإقتصاد الأميركي، لا تزال بالإجمال ضعيفة في أجواء تسعى إلى إحتواء تداعيات الوباء، وفي أجواء عقارية، جاءت نتيجة فقاعة قطاع عرف إقبالاً غير مسبوق، إنتهى بعجز سداد ديون متفاقمة على الشركات.

مازن حمود

 محلل إقتصادي ومالي/ باريس