سيناريوهات تأثير جائحة كورونا على النمو الاقتصادي العالمي والعربي – العدد 473

تنزيل

سيناريوهات تأثير جائحة كورونا على النمو الاقتصادي العالمي والعربي – العدد 473

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 473 - نيسان/أبريل 2020

سيناريوهات تأثير جائحة كورونا على

النمو الاقتصادي العالمي والعربي

سيناريوهات النمو العالمي

أصبح من الواضح أن تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي هي أشد وطأة من “الكساد العظيم” الذي انفجر عام 1929 وامتدت تداعياته حتى نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، وكذلك الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالاقتصاد العالمي عامي 2007 و2008 وما تلاها من أزمة الديون السيادية في أوروبا. فلأول مرة في التاريخ، تواجه البشرية حالة من الاغلاق العام في جميع دول العالم، وتوقف النشاط الاقتصادي في القارات الخمس. وترافق مع انتشار الجائحة وفتكها بمئات آلاف الضحايا تراجع كبير في حركة الإنتاج الصناعي والزراعي والتجارة والسياحة والاستثمار والاستهلاك والطلب على الطاقة وبشكل غير مسبوق. وما زاد الأوضاع تأزماً، هي أجواء عدم اليقين الشديد بالنسبة لمدى انتشار الجائحة ودرجة حدّتها، حتى اليوم. وعلى الرغم من استطاعة عدد من الدول السيطرة على انتشار الفيروس، فلا يزال عدد كبير من الاقتصادات الكبرى (كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واسبانيا وروسيا) يسجل أعداداً متزايدة من الضحايا، ولا تزال هذه الدول تخضع لحالة الاغلاق.

كما تضررت بشكل أكبر الدول التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كثيف على قطاعات السياحة والسفر والترفيه والتجارة. كما تواجه الاقتصادات الصاعدة والنامية تحديات إضافية بسبب تدفقات رؤوس الأموال منها بشكل غير مسبوق وإمكاناتها المالية المحدودة لتقديم الدعم.

وقد قام صانعو السياسات حول العالم باعتماد إجراءات غير مسبوقة بهدف تخفيف التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للجائحة وإعادة الحياة إلى النشاط الاقتصادي في ظل استمرار انتشار الفيروس، وذلك عبر ضخ أموال هائلة في شرايين الاقتصاد وتقديم حزم إنقاذ للأسر والشركات والأسواق المالية. ولا يزال من الصعب تحديد مدى نجاح تلك السياسات والأموال في إمكانية إعادة إطلاق النمو، والمستوى الذي يمكن أن يصله هذا النمو. وكل ذلك يعتمد على القدرة على السيطرة على الجائحة، والفترة الزمنية اللازمة لتحقيق ذلك، وهو ما يصعب التنبؤ به.

وفي تقريره حول آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في نيسان/أبريل 2020، أشار صندوق النقد الدولي إلى طغيان أجواء عدم اليقين سواء بالنسبة للجائحة نفسها ومدى امتدادها وانتشارها، أو بالنسبة لتداعياتها الاقتصادية الكلية والضغوط الناجمة عنها على الأسواق المالية وأسواق السلع الأولية. وتضمن التقرير توقعاً بأن يشهد الاقتصاد العالمي خلال العام 2020 أسوأ ركود يسجله، بحيث سوف ينكمش بنسبة 3%. وللمرة الأولى، سوف يصيب الانكماش الاقتصادات المتقدمة والصاعدة والنامية على حدّ سواء، حيث توقع صندوق النقد الدولي أن تنكمش الاقتصادات المتقدمة بنسبة 6.1% وتنكمش الاقتصادات الصاعدة والنامية بنسبة 1%.

أما بالنسبة لتوقعات التعافي الاقتصادي خلال العام 2021، فقد وضع صندوق النقد عدة سيناريوهات. وفي أحد تلك السيناريوهات، يفترض الصندوق ان تبلغ الجائحة ذروتها في معظم دول العالم خلال الربع الثاني من العام 2020، وأن تبدأ بالانحسار تدريجياً في النصف الثاني منه مع تخفيف الاحتواء تدريجياً، بحيث يمكن أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 5.8% خلال العام 2021، مع عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته تدريجياً، وأن تساعد السياسات الداعمة والحزم التحفيزية في منع انتشار حالات الإفلاس بين الشركات وتجنب زيادة البطالة والاضطرابات النظامية.

ولكن من المرجّح أن يكون النمو أسوأ بكثير من المتوقع، في حال طال مدى الجائحة وإجراءات احتوائها لفترة أطول، أو في حال تضررت الاقتصادات بشكل أكبر. ونظراً لصعوبة توقع مدة الجائحة والأزمة الصحية الناجمة عنها، قد لا يكون بالإمكان السيطرة عليها خلال النصف الثاني من العام 2020، ما يحتّم تمديد فترة الاغلاق والاحتواء لفترة أطول. وفي هذه الحال، سوف تتفاقم الأوضاع المالية بشكل خطير، بحيث قد يزيد انكماش الناتج المحلي العالمي بنسبة 3% إضافية في عام 2020 إذا طال أمد الجائحة خلاله (أي قد يصل الانكماش العالمي إلى 6%). وفي حال امتدت الجائحة إلى العام 2021، فيمكن أن ينكمش الاقتصاد العالمي خلالها بحد أدنى 5% (السيناريو السيء) وحدّ أقصى قد يصل إلى 8% (السيناريو الأسوأ)، بدلاً من نمو بنسبة 5.8% بحسب السيناريو الأساسي المشار إليه في الرسم البياني (رقم 1). وسبب عدم اليقين بتنبوءات النمو هو أن التداعيات الاقتصادية للجائحة تعتمد على عوامل تتفاعل بطرق يصعب تنبوئها، كتطور الجائحة نفسها ودرجة فعالية احتوائها، ومدى اضطرابات العرض، وتداعيات تشديد أوضاع الأسواق المالية العالمية، والتغيرات في أنماط الإنفاق وأسعار السلع الأولية.

سيناريوهات النمو للدول العربية خلال العام 2020 و2021

تأثرت المنطقة العربية بشكل كبير بتداعيات جائحة كورونا، بسبب توقف النشاط الاقتصادي داخل الدول العربية من جهة، والخسائر الكبيرة في التجارة بسبب التراجع في الطلب العالمي على صادرات الدول العربية وبخاصة صادرات الطاقة والذي ترافق مع هبوط أسعار النفط بأكثر من 50%، من جهة أخرى.

وبنتيجة ذلك، وبالاستناد إلى بيانات صندوق النقد الدولي سوف تسجل المنطقة العربية (باستثناء ليبيا وسوريا) انكماشاً اقتصادياً بنسبة 3.85% عام 2020 (بحسب السيناريو الأساسي) مقابل نمو بنسبة 1.19% عام 2019، على أن تعود وتسجل نسبة نمو 3.78% عام 2021. وتختلف نسب الانكماش والنمو بين الدول العربية المصدرة للنفط (وتشمل دول الخليج الست والجزائر والعراق) وتلك المستوردة له (جدول رقم 1).

مع الاشارة إلى أن العديد من المصارف والمؤسسات المالية ومراكز الدراسات حول العالم قد قامت بوضع توقعات للنمو الاقتصادي العالمي والاقليمي مبنية على سيناريوهات مختلفة. وتختلف هذه السيناريوهات بشكل كبير جداً، سواء بالنسبة للنتائج المتوقعة أو بالنسبة لاحتماليات تلك النتائج، وهو ما يؤدي إلى تنبوءات متباعدة جداً لنسب النمو. وبما أن صندوق النقد الدولي يعتمد منهجيات توقّع ذات مصداقية وموثوقية عالية جداً، ويتم اعتمادها من مختلف الدول، فيمكن الاستناد إلى السيناريوهات الإضافية التي أعلنتها المديرة التنفيذية للصندوق Kristalina Georgieva في أبريل (أي السيناريوهات الأسوأ)، وتطبيقها على المنطقة العربية، بهدف توقع “السيناريو الأسوأ” للنمو الاقتصادي في المنطقة العربية، لكي يتم وضع سياسات وإجراءات بهدف التحضير لمواجهته.

وعليه، وبما أن السيناريو الأسوأ بحسب صندوق النقد الدولي لعام 2020 هو انكماش الاقتصاد العالمي بنسبة 6%، أي ضعف الانكماش المتوقع بحسب السيناريو الأساسي، فيمكن أن نعتمد الفرضية نفسها بالنسبة للمنطقة العربية ضمن السيناريو السيء. وعلى الرغم من أنه ليس من الضروري أن ينكمش اقتصاد المنطقة العربية بالنسبة عينها كما الاقتصاد العالمي، إلا أنه يمكن الاستدلال بهذه الفرضية لأن المنطقة العربية سجلت نسب نمو أدنى من نمو الاقتصاد العالمي منذ عام 2014 بحسب ما يظهر من الرسم البياني رقم 3.

وهكذا، فبحسب السيناريو السيء لعام 2020، ومع إنخفاض النمو العالمي بنسبة 6% (بدلاً من 3%)، يمكن أن ينكمش اقتصاد المنطقة العربية بنسبة 7.7% (بدلاً من 3.9%).

أما بالنسبة لعام 2021، فقد أشارت مديرة صندوق النقد الدولي Kristalina Georgieva إلى ثلاثة سيناريوهات للاقتصاد العالمي: (1) نمو بنسبة 5.8%، (2) انكماش بنسبة 5%، و(3) انكماش بنسبة 8%. وبالاستناد إلى بيانات الصندوق بحسب السيناريو الأساسي، من المتوقع أن تسجل المنطقة العربية (باستثناء سوريا وليبيا) نسبة نمو 3.8% خلال العام 2021، دون تقديرات لهذا النمو بحسب السيناريوهين الآخرين. وعليه، نُقدّر أنه في حال تحقق السيناريو السيء وانكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 5%، فقد ينكمش اقتصاد المنطقة العربية بنسبة 7%. أما في حال انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 8%، فقد ينكمش اقتصاد المنطقة العربية بنسبة 9.2%.

مع الإشارة إلى أنه قد تم الاستناد في تقدير انكماش الاقتصاد العربي بحسب السيناريو السيء والسيناريو الأسوأ إلى الفرق بين نسب نمو الاقتصاد العالمي بين السيناريوهات المختلفة. مع الاشارة مجدداً إلى أنه قد لا تتطابق الفروقات بين نسب نمو الاقتصاد العالمي والاقتصاد العربي بين السيناريوهات المختلفة، الا أن هذه التقديرات تعطي صورة معقولة عما يمكن أن يصل إليه الناتج المحلي الاجمالي للمنطقة العربية بالتوازي مع التغير في الناتج المحلي الاجمالي العالمي.

الأمانة العامة – إدارة الأبحاث والدراسات