عشرون عاماً من مسيرة العملة الأوروبية الموحّدة (اليورو)

تنزيل

عشرون عاماً من مسيرة العملة الأوروبية الموحّدة (اليورو)

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 494 كانون الثاني/يناير 2022

2 يناير/كانون الثاني 2002 – 2 يناير/كانون الثاني 2022

عشرون عاماً من مسيرة العملة الأوروبية الموحّدة (اليورو): ما لها وما عليها

قبل أن يُصبح اليورو عملة فعلية مطلع عام 2002، بدأت مسيرته المعنوية في مطلع عام 1999 عندما تقرّر في معاهدة ماستريخت الأوروبية، المؤسَّسة للمشروع، تخلّي عدد من الدول المشاركة في المشروع، عن عملتها الوطنية، والإنخراط في نظام نقدي أوروبي موحّد يقودُه بنك مركزي مقرّه في فرانكفورت، ليُصبح هذا البنك، المخوّل الوحيد لصك العملة الموحّدة، وحماية النظام المصرفي، في ما بات يُعرف بمنطقة اليورو، كذلك السهر على مستوى معدّل التضخم، عند معدّل وسطي 2 %.

وقد عمل على ترؤس البنك حتى اليوم أربعة حكام، وهم: الهولندي، فيم دويسنبيرغ، أول حاكم لمصرف أوروبا المركزي، والفرنسي جان كلود تريشيه وهو الثاني بعد الهولندي، والإيطالي ماريو دراغي، وحالياً رئيس وزراء إيطاليا، واليوم تترأس البنك المركزي الأوروبي، الفرنسية كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي السابقة.

وإستمرت التبادلات والتعاملات بين بلدان هذه المنطقة على أساس عملة يورو معنوية، مقوّمة على أساس عدد معيّن من عملة كل بلد منخرط في الإتحاد النقدي، قبل أن تختفي عملات هذه البلدان وعددها في البداية 11 دولة.

بعد مطلع العام 1999 بثلاث سنوات، أصبح اليورو عملة ورقية ومعدنية في جيوب المواطنين، وعملة دفع وتعاملات في الأول من يناير/كانون الثاني 2002، وزاد عدد الدول التي تتعامل به حتى اليوم ليصل إلى 19 دولة.

إذا عدنا في التاريخ قليلاً، نجد أن فكرة اليورو لم تنشأ في التسعينيات من القرن الماضي، بل تعود إلى السبعينيات من القرن عينه، وهي السنوات التي شهدت نهاية العمل على أساس معدّلات صرف ثابتة. لكن التقلّب بالعملات، شكّل في مرحلة ما، في تلك الفترة، عائقاً أمام السوق الاوروبية المشتركة، وتالياً رأت المجموعة الإقتصادية الأوروبية آنذاك، ضرورة وضع حدّ لهذه التقلبات في مستويات العملات بين بعضها البعض، وقرّرت وضع ما يُسمى بنظام نقدي أوروبي SME في العام 1979. ومع ذلك، ظلّت أسعار الصرف تتنافس في مستوياتها، وشهد الفرنك الفرنسي إنهياراً حاداً أمام المارك الألماني آنذاك.

فإستمرت المساعي المسهّلة ليرى مشروع اليورو النور، والمضيّ نحو سوق العملة الموحدة، والتي عرفت دعماً بمعاهدة ماستريخت في العام 1992 الذي حدّد معايير إلزامية لأي دولة تريد الدخول في عضوية السوق الموحّدة هذه، والإنضمام إلى عملة موحّدة، مثل الإلتزام بعجز موازنة لا يتخطى نسبة 3 % من الناتج المحلي للدولة، ونسبة ديون لا تتخطى هي أيضاً الـ 60 % من الناتج نفسه. لكن يا للأسف، هذه النسب تم خرقها في العديد من بلدان اليورو بما فيها ألمانيا وفرنسا، أكبر إقتصادين في المنطقة.

وعلى سبيل المثال، ديون فرنسا اليوم تُمثل نسبة 115 % من الناتج الفرنسي الإجمالي. وإذا عُدنا إلى موضوع سعر الصرف، لكن هذه المرة بين اليورو والعملات العالمية، ولا سيما الدولار، نلاحظ أن خروج اليورو إلى النور، رافقته نسبة تُحّدد سعر صرفه مقابل الدولار عند الولادة عند مستوى يورو، مقابل 1.18 من الدولار.

لكن هذه النسبة، سرعان ما شهدت إنهياراً نتيجة المضاربة على العملة حديثة الولادة، وما رافق ذلك من تكهنات من أنها عملة قد لا تنجح بين صفوف الكبار. فهبط اليورو من 1.18 دولار إلى حدود 80 سنتاً من الدولار، ما إستدعى حينها تدخلاً مشتركاً من بنك أوروبا المركزي وبنك الولايات المتحدة المركزي، وتم ضخ دولارات بكثافة في الأسواق التي تشهد إقبالاً عليه، لخلق نوع من التوازن وإعادة إعتبار اليورو، وتحسين صورته في السوق العالمية، وخصوصاً أنه منذ ذلك الحين، يخضع اليورو للعرض والطلب، نتيجة أداء الإقتصاد العام في منطقة الدول الأعضاء في منطقة العملة الموحّدة.

اليورو والأزمات الأوروبية

في العام 2010، عرفت بلدان في منطقة اليورو تصدّعاً داخلياً، زاد من حدّة تداعيات أزمة العقارات الاميركية عليها، والتي إندلعت في العام 2008 في الولايات المتحدة، وتحوّلت في ما بعد مالية على صعيد العالم، ما إستدعى إتخاذ إجراءات دفاعية في أميركا وفي الدول التي تضرّرت من الأزمة.

في منطقة اليورو، لاحت في الأفق أزمة مصارف وعقارات في إسبانيا، الأمر الذي دفع المفوضية الأوروبية إلى التفكير، لإيجاد آليات دفع ودعم مالي، من أبرزها الإتحاد المصرفي الأوروبي، وجاءت أزمة إيطاليا وبنوكها والأصول المعدومة، وأيضاً تضرّر الإقتصاد القبرصي، وما نتج عن ذلك من قرارات وطنية لصدّ تأثير الأزمة عن الوطن والمواطن.

أما اليونان، فكانت «شعلة أولمبياد» الكوارث الأوروبية، وهدّدت أزمتها المالية في العام 2010 مشروع العملة الموحدة، ونشوة سمعة إتحاد نقدي مضى على ولادته أقل من 10 سنوات. لكن أزمة اليونان، من حيث ديونها المرتفعة جداً وتواجدها على حافة الإفلاس، جعلت الكثير من بلدان المنطقة تتوقع سيناريو أن ينهار هذا البلد، ويخرج من عضوية اليورو، ويُثير حالات مشابهة لبلدان أخرى متضرّرة مثل اليونان. لكن كل دولة بحسب قدرتها وقدرة إقتصادهاعلى تحمُّل الكوارث، حيث إن الإقتصاد اليوناني يُشكل أقل من 2 % من إقتصاد اليورو.

لكن من حسن حظ اليونان، أنها عضو في منطقة اليورو. وهناك إدارة أوروبية نقدية مع مصرف مركزي قوي، بإدارة الإيطالي ماريو دراغي، الذي أُعلن في العام 2012 عن إستعداد  المصرف للقيام بكل ما يلزم لإنقاذ منطقة العملة الموحّدة. وفي الوقت عينه، إن أزمات بلدان العملة الموحّدة التي تكرّرت، لا تعكس على الإطلاق، قوة العملة الموحّدة. لأن مشاريع المنطقة الموحّدة كانت ناقصة، بمجرّد أنه تم الإتفاق على سياسة نقدية موحّدة، بينما لم يتم الإتفاق على سياسة مالية موحّدة تضبط المالية في كل بلد من أعضاء اليورو، ما يساهم بتفادي أزمات مالية ناتجة عن حريّة إعتماد الموازنات، كل بلد على هواه.

اليورو ومستوى التضخم

منذ إعتماد اليورو عملة أوروبية موحّدة، شهدت الأسعار للسلع عموماً تقلّباً، كما كانت الحال قبل إعتماده، لكن تدوير الأسعار ترك إنطباعاً لإرتفاعها بحجّة اليورو مع مستوى مرتفع.

نحن لسنا في صدد الدفاع عن العملة الموحّدة الأوروبية، إنما إذا عدنا إلى أرقام المعهد الوطني للإحصاءات والدراسات الإقتصادية في فرنسا INSEE لفترة 2002 – 2016، أي بعد 15 عاماً من التعامل باليورو، نلاحظ وعلى سبيل المثال لا الحصر، سعر الخبز اليومي في فرنسا، أنه شهد إرتفاعاً في معدل وسطي بنسبة 1.4 % خلال السنوات الـ 15، فيما سعر الخبز نفسه كان يشهد إرتفاعاً سنوياً بنسبة 1 % و2 %.

كما عرفت منطقة اليورو في السنوات الممتدة بين العام 2010 والعام 2020 معدّلات تضخم متدنية، وأحياناً إستقراراً في الأسعار، وقاربت العتبة السلبية للمرة الأولى في تاريخ المنطقة، ما دفع السلطات المختصة إلى التصرّف وإحتواء ظاهرة كادت تُصيب منطقة اليورو بعدما أصابت اليابان لعشرات السنين ظاهرة الـ Deflation.

هذه الظاهرة المتدنية للأسعار، سرعان ما تحوّلت إلى تصاعدية، وبسرعة، بعد التعافي من تداعيات جائحة الكوفيد لتُقارب الـ 5 % في منطقة اليورو في نسبته الأعلى منذ 25 عاماً، أي قبل إعتماد اليورو، في ظاهرة لم تضرب منطقة اليورو فقط، بل ظاهرة عالمية، حيث إن كل الدول تقريباً شهدت تراجعاً في حركة الشراء، وتالياً الإستهلاك، ما جعل من المستهلك مُدّخراً، إلى أن تحسّنت الأوضاع، وفُتح عنان الشراء، والنتيجة إرتفاع مخيف للأسعار.  كما أن الولايات المتحدة أيضاً عرفت معدلات تضخم في الأشهر الأخيرة، قاربت الـ 7 %، لم تشهدها منذ العام 1982. إذاً، اليورو ليس مسؤولاً عن التضخم، كما كان شائعاً، غداة إعتماده وبروز أسعار تم تدويرها.

إضافة إلى ما سبق، نشير إلى أن اليورو إستطاع منذ ولادته، أن يتبوأ عرش ثاني عملة عالمية بتشكيله نسبة فاقت الـ 21 % من التعاملات والإحتياطي، في حين هبطت سلطة الدولار كإحتياطي عالمي إلى حدود الـ 59 %، وما تبقى للعملات الأخرى الأوروبية واليابانية والصينية. علماً أن مكانة اليورو الثاني عالمياً، متعارف عليها اليوم من خلال ثلاثة معايير كبرى.

– فاليورو يُشكل اليوم وسيلة دفع بين الشركات والأفراد المقيمين في مختلف بلدان منطقة اليورو. وفي العام 2020، وعلى سبيل المثال، فإن نسبة 60 % من الصادرات من السلع إنطلاقاً من منطقة العملة الموحّدة مقوّمة بهذه العملة، وتالياً تُشكل هذه العملة وحدة حسابات في السوق العالمية من أجل تحديد قيمة بعض السلع والخدمات أو حتى بعض الأصول المالية التي يتم مبادلتها خارج السوق الموحّدة الأوروبية، ما يجعل من اليورو عملة عالمية بعد الدولار.

– أيُّ عملة لكي تحتل مركزاً عالمياً، يجب أن تُشكل إحتياطاً قيّماً، وأن تتمتع بثقة كبيرة وعالية من قبل الأفراد الراغبين بالإدخار بهذه العملة، أو شراء أصول وأسهم مقوّمة باليورو أو إحتياط الصرف.

فاليورو اليوم يُشكل 21 % من عملات العالم، ونسبة 22 % من المخزون العالمي من أصول الدين، وبنسبة 15 % من القروض العابرة للحدود، وبنسبة 18 % من الودائع حول العالم بحسب أرقام تعود إلى العام 2020.

– العملة الأوروبية الموحّدة تكتسب أكثر فأكثر موقعها العالمي، ليس فقط بفضل القوة الإقتصادية الضاربة التي تتمتع بها الدول الأوروبية التي إعتمدتها، لكن أيضاً لأن هذه الدول تربطها علاقات إقتصادية قوية مع دول أوروبية أخرى في الإتحاد لم تعتمد اليورو عملة لها، مثل الدانمارك والسويد، والجمهورية التشيكية، كما هي الحال في علاقات مترابطة بين دول اليورو ودول مثل النروج وسويسرا وبلدان البلقان. وهذا كلّه يعكس قوة الثقة باليورو ومدى إقبال هذه الدول على إعتماد اليورو بين عملات الإحتياطي لديها.

وعلى سبيل المثال، يُشكل اليورو اليوم نحو 87 % من إحتياطي كرواتيا من العملات الصعبة، وإجمالي إحتياطي بلغاريا تقريباً من العملات الصعبة.

هذا أوروبياً، أما على الصعيد الإقليمي، فقد إستطاعت العملة الاوروبية الموحّدة أن تُهيمن على أجزاء كثيرة من أسواق أفريقيا النقدية، ولا سيما في منطقة الفرنك CFA.

أما على الصعيد المستقبلي، فتشهد العملة الأوروبية أيضاً أوراقاً نقدية جديدة في العام 2024، كما يعمل البنك الأوروبي المركزي حالياً على مشروع طرح اليورو الرقمي Numerique، أو Euro Digital، يعيش جنباً إلى جنب مع  اليورو الورقي والمعدني، وقد يشكل وجهاً لوجه مع عملات رقمية مثل الـ «بتكوين» Bitcoin أو «إيثير» Ether أو «ديم» Diem أو غيرها من هذا الصنف.

مازن حمود

محلل إقتصادي ومالي – باريس