فقاعة عقارات تدق باب منطقة اليورو

تنزيل

فقاعة عقارات تدق باب منطقة اليورو

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 495 شباط/فبراير 2022

فقاعة عقارات تدق باب منطقة اليورو:

البنك المركزي الأوروبي يُطلق صفارة الإنذار وكورونا في قفص الإتهام

من الواضح أن جائحة الكوفيد لم تترك أثراً على البشر فقط، بل إخترقت الحجر وبات قطاع العقارات الأوروبي في خطر. هذا ما توصّل إليه البنك المركزي الاوروبي في دراسة وتحليل لتداعيات الوباء، وما فرضه من ظروف حياتية جديدة على المجتمع عموماً، وعلى المجتمع الوظائفي خصوصاً، حيث إن العمل من المنزل خلال فترة الجائحة، والإستمرار بهذا الأسلوب من العمل من خلال المنزل بعد الجائحة، فرض واقعاً جديداً على المسكن والمكاتب، وبات قطاع عقارات السكن والمكاتب عرضة لمزاج كورونا، ما أدى إلى تقلّب في أسعار العقارات إيجاراً وشراء، وبات الموظفون يرغبون بتوسيع مسكنهم لهذه الغاية، وتالياً إرتفع سعر الإيجارات أو ثمن إقتناء شقة. وفي المقابل تضرّر سعر قطاع عقارات المكاتب، حيث لم تعد الشركات بحاجة إلى مساحات شاسعة لموظفيها الذين أصبح جزء كبير منهم يعمل من منزله، وباتت الشركات اليوم تضع بنداً مشروطاً في عقد العمل الجديد، بأن يلتزم الموظف بالعمل في منزله لأيام عدة في الشهر.

الإقبال الزائد على الشقق، زاد من ثمنها، وتالياً أصبحت بنوك أوروبية كثيرة عرضة لطلب القروض، وإزداد حجم الديون على الزبائن، والبنوك تتعاون مضطرة لإدارة المخاطر هذه. من هنا دقّ البنك المركزي الأوروبي ناقوس الخطر، محذّراً من هذه الظاهرة التي فرضتها كورونا على الحياة العملية.

بحسب الهيئة الأوروبية لإدارة المخاطر، وفي ألمانيا زادت أسعار العقارات منذ فرض العمل من المنزل والتوقف عن المجيء إلى المكاتب بمقدار 23 %، نتيجة الإقبال على الشراء، وتالياً إقترحت الهيئة على البنوك بأن تكون القروض نسبية مقارنة بسعر العقار الذي يرغب الزبون بشرائه، وأن لا تُعطي قرضاً كاملاً بثمن المنزل والشقة، وأن تخضع القرض لمعادلة تقول إنه كلما إرتفعت نسبة القرض بالنسبة إلى السعر، يكون الخطر محدقاً في كيفية القدرة على السداد. وبناء عليه، يُقرّر المصرف حجم المبلغ الذي ينوي إقراضه للزبون.

هذا التوجه الذي نصحت به الهيئة البنوك، دفع بالبنك المركزي الأوروبي إلى أن يُصدر تحذيراً في 16 شباط/ فبراير2022، متوجهاً إلى البنوك، مفاده: إن سوق العقارات في منطقة اليورو اليوم ظهرت عليها مواطن ضعف عدة تُنذر بنوك منطقة اليورو بالمخاطر. فمن جهة، الطلب على عقارات المكاتب يتراجع نتيجة العمل المتزايد من خلال المنزل مع فترة الإغلاق والإعتياد على ذلك بعد العودة تدريجاً إلى الحياة العملية المعتادة.

ومن جهة أخرى، إزداد طلب الزبائن الأفراد على القروض رغبة بشراء منازل أوسع، الأمر الذي شكل عبئاً على البنوك وخطراً يجب أن تكون إدارته تحت السيطرة.

تطلعات البنك المركزي الأوروبي لتفادي مخاطر محتملة

لا شك في أن سياسة البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت المتعلقة بفائدة متدنية جداً وأحياناً معدومة وسلبية، أثّرت على الطلب على القروض الذي إزداد بأحجام خيالية، باتت تهدّد إمكانية سداد هذه القروض، وأن البنك يعي هذه المخاطر ويتعامل معها حسب أساليبه المتبعة، إنما في هذه الأيام، فإن خوف البنك المركزي نابع من مخاطر تأثير الجائحة على عادات الحقل المهني، وما أفرزته هذه الجائحة من أساليب باتت معروفة، وقد تستمر لسنوات أو ربما يُطيح جزءاً من الحياة المهنية.

هذا الواقع يُقلق البنك  الأوروبي المركزي ولا سيما على صعيد العقارات التجارية وعقارات المسكن، وأصبح يُعطي لهذين القطاعين إهتماماً زائداً، بل يخشى من إنفجارهما، قطاع قد ينفجر صعوداً وقطاع قد ينفجر هبوطاً.

ومن هذا المنطلق، يُقدّر البنك الأوروبي أن تعرض البنوك لسوق العقارات (التجارية والمكاتب) مما يُشكل نقطة ضعف، معلناً عن ضرورة تخصيص نظرة واضحة للقطاع المصرفي في هذا المجال، وتحديد عيّنة من البنوك المعرّضة لهذه الظاهرة.

إحتمالية زيادة الإحتياطي الضروري لمواجهة مخاطر قروض محتملة

البنك المركزي الأوروبي يرى أن تأثير العمل من المنزل، والإستغناء عن المكاتب بسبب كورونا، أثّر على مستقبل عقارات المكاتب، وأيضاً على عقارات المحال التجارية، حيث إن ظاهرة المشتريات عبر الإنترنت أيضاً إزدادت، ما أدى إلى الإستغناء عن عدد من الموظفين، وتالياً إلى الإستغناء عن مساحات شاسعة من المحال التجارية، والإكتفاء بمحال صغيرة. وتالياً تراجع قيمة الإيجارات. وهذا الأمر بحسب البنك الأوروبي المركزي من شأنه أن يُضعف الأوضاع المالية للمقترضين لفتح محال تجارية، ويتسبّب بخسائر كبيرة من القروض بالنسبة إلى البنوك المقرضة، ولا سيما إذا كانت القروض غير مضمونة. وفي حال كانت القروض خاضعة لضمانة، فإن قيمة الضمانة تتراجع مع تراجع سعر السوق. وهذا يعني عملياً  معادلة قروض بالنسبة إلى قيمة ضمانة مرتفعة. وإنطلاقاً منها، تجد البنوك نفسها مضطرة إلى رفع حجم إحتياطها لتغطية أي مخاطر قروض محتملة.

حجم تعرّض البنوك لسوق العقارات

في ملاحظاته القلقة التي أطلقها البنك الأوروبي المركزي منتصف شباط/ فبراير 2022، يتوقف البنك عند عدد من دول اليورو، ليُظهر أن تعرض البنوك والمنطقة لقطاع العقارات التجارية، يصل إلى حجم 8 % من مجمل  القروض الخاضعة للمراقبة المستمرة، وتصل إلى نسبة 20 % من مجمل القروض المصرفية المخصصة للشركات.

بحسب ملاحظات البنك الأوروبي المركزي، فإن تعرّض البنوك لقطاع العقار التجاري، تأتي ألمانيا في الدرجة الأولى، تليها فرنسا، فإيطاليا.

القطاع العقاري السكني هو أيضاً معني في المستجدات التي طرأت نتيجة كورونا، مع إرتفاع ثمن الإيجارات، ومع إرتفاع الطلب على الشقق الأكبر، والتي تتسع أكثر لظروف العمل والتي من المرتقب أن تكون عرضة لفقاعة غير منضبطة أو لعملية تصحيح الأسعار.

ورغم أن الموظفين ظلوا يعملون من خلال المنزل، إلاّ أن ذلك لم يُقلّل من حجم الرواتب، حيث إن الحكومات وضعت إجراءات رافقت الموظفين، وحافظت لهم على دخلهم، الأمر الذي لم يُغيّر شيئاً في الإقبال على الطلب على القروض، وتالياً مستويات الدخل ظلّت كما هي، مع فارق إرتفاع الطلب على العقارات وقروض العقارات في ظروف ساعدت على ذلك مثل الفوائد المتدنية على القروض، نتيجة سياسة التسهيل المعتمدة من البنك المركزي الأوروبي، وتالياً من البنوك الأوروبية التي إستفادت من معدلات فائدة متدنية من البنك المركزي في فرنكفورت.

وبحسب أرقام البنك الأوروبي، فإن حجم القروض التي تم صرفها للأفراد مع ضمانات سكنية، إرتفع بواقع 3.6 % بين أيلول/ سبتمبر 2020 وأيلول/ سبتمبر 2021، فيما حجم القروض التي تم صرفُها للأفراد والشركات إرتفع فقط بنسبة 1,7 % خلال الفترة نفسها.

وفي فرنسا خلال العام 2021 إرتفع حجم القروض العقارية بواقع 4,6 % وأن إمتداد هذه الظاهرة في بلدان أخرى محتمل هذا العام أيضاً بحسب البنك المركزي الأوروبي المركزي، وأن التوجه الذي بدا واضحاً خلال فترة الجائحة الأولى بين عامي 2020 و2021 تم إحتواؤه حتى تاريخه، ولا سيما العقارات السكنية، بحسب نائب رئيسة البنك الأوروبي المركزي لويس دو غيندوس، الذي يرى أن هذه الظاهرة حتى تاريخه محلية، لكنها تُصبح بشكل عام مع الوقت عمومية في منطقة اليورو، وتهدّد بحدوث فقاعة، ولا سيما أن هناك مبالغة في أسعار العقارات، نتيجة إزدياد الطلب، وأصبحت الأسعار بعيدة عن العوامل الأساسية التي تُحدد مستوياتها.

وتمَّ توكيل الهيئة الأوروبية لإدارة المخاطر توجيه الإنذارات بخصوص القروض، التي كانت قد تأسست من قبل الإتحاد الأوروبي في العام 2010 مع بروز مشاكل اليونان وإسبانيا المالية العقارية، من أجل تفادي أزمة مالية في منطقة اليورو شبيهة بأزمة العام 2008 في الولايات المتحدة.

مازن حمود

محلل إقتصادي ومالي/ باريس