كورونا قد يعيد اقتصاد فرنسا 15 عاماً إلى الوراء – العدد 473

تنزيل

كورونا قد يعيد اقتصاد فرنسا 15 عاماً إلى الوراء – العدد 473

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 473 - نيسان/أبريل 2020

كورونا قد تعيد إقتصاد فرنسا 75 عاماً إلى الوراء

فماذا في جعبىة الحكومة لمواجهة الكارثة؟

 

فرنسا ليست وحدها في المعركة ضد الوباء العالمي «كوفيد 19» ولا سيما بين أعضاء آخرين في منطقة اليورو. لكننا إخترنا هذا البلد للوقوف عند الأماكن التي أصابتها كورونا بالصميم، في وقت كل إقتصاد في المنطقة يختلف عن الآخر بتركيبته وبالعناصر التي تؤمّن نمواً إقتصادياً للدولة. كما أن فرنسا منافس أساسي للإقتصاد الألماني في منطقة اليورو وهي الثانية في المرتبة بعده، لا سيما وأن إقتصاد ألمانيا تعرّض في الاشهر الماضية لركود نتيجة ضعف الصناعة، أقلق وسط المستثمرين الباحثين عن فرص إستثمار هناك.

التطلعات حيال ما ستتركه كورونا من بصمات بعد مرورها في زواريب أو أقنية الإقتصاد الفرنسي تُراوح بين البنك الفرنسي المركزي الذي يرى أن كل فترة عزل منزلي إلزامي تسبب خسارة للناتج الفرنسي الوطني بمعدل 1,5%، حيث يتوقع هذا البنك أن ناتج البلاد سيُصاب بالركود بنسبة 6% في الفصل الأول من هذا العام. وفي نفس الوقت، ثمّن الإجراءات التي تعمل السلطات المالية عليها لإنقاذ الاقتصاد، لكنه أكد أنه سيترتب على ذلك إرتفاعاً في حجم الديون. أضف إلى ذلك، أكد حاكم فرنسا المركزي فرنسوا فيليروي دو غالو (François Villeroy de Galhau) أن العجز سيزداد بدوره بنسبة 1%.

الحكومة الفرنسية لم تخف حجم الكارثة التي تسببت بها كورونا للإقتصاد الوطني على مدى شهر من التوقعات، حيث ستبقى توقعات حتى الحصول على الأرقام في العام المقبل، إنما وقعُ المصيبة واضح على مدى شهر، إذا إنتهت التداعيات في الأسابيع القليلة المقبلة. فكيف لو إستمر التوقف عن الإنتاج والتصنيع وفي قطاع الخدمات، مع تراجع كبير في حركة الإستهلاك لأشهر إضافية، وكلها عوامل أساسية لتحديد الناتج الفرنسي الإجمالي.

فرنسا حققت ناتجاً إجمالياً للعام 2019 بواقع 1,3% أي ما يُعادل 2400 مليار يورو على الرغم من تراجع الناتج في الفصل الرابع من العام الماضي بواقع 0,1%.

وبما أن هذا الإقتصاد سيُصاب بتراجع غير مسبوق في الفصل الأول من هذا العام بواقع 6% نتيجة الأزمة الصحية العالمية (كتوقعات) هذا يعني أن الركود تأكد في الإقتصاد الفرنسي مع فصلين متتاليين.

إنطلاقاً من هذه البيّنة، ونتيجة تراجع أداء مراكز الإنتاج إلى نسبة 56% في آذار/مارس من العام الحالي مقارنة مع أداء نسبة 78% في الشهر الذي سبق. هذا الأداء في صناعة السيارات مثلاً عملَ بطاقة 41% فقط في الفترة نفسها، وقطاع التصنيع عموماً شهد أداء بواقع 46% فقط في آذار/مارس.

وتجدر الإشارة إلى أن الناتج الإجمالي لفرنسا عام 2019 ساهم به قطاع الخدمات بنسبة 78% وقطاع الصناعة 20% وقطاع الزراعة 2%. وهذه النسب تتبدل من عام لآخر بحسب النشاط وحجم الطلب.

هذه التطورات وغيرها دفعت بالحكومة الفرنسية لتتوقع إنكماشاً في العام 2020 بأكثر من (8% سلبي)، لا سيما وأن النشاط في الحركة الإقتصادية تراجع في شهر واحد آذار/مارس 20% بواقع 34%. وزير الإقتصاد برونو لو مير (Bruno Le Maire) وصف ما تعيشه بلاده إقتصادياً اليوم بمرحلة الحرب العالمية الثانية عام 1945 وبأنها لم تر تراجعاً للنشاط الإقتصادي بهذا الحجم منذ ذلك التاريخ.

وللإشارة أيضاً يجدر التذكير بأن أحداث أيار/مايو 1968 تركت بصماتها أيضاً على الإقتصاد، وسجلت فرنسا إنكماشاً بواقع (5.3% سلبي) في فترة شهدت إحتجاجات سياسية وإجتماعية وثقافية ضد الحكم آنذاك. (الناتج الإجمالي الفرنسي عام 2014 (1%)، عام 2015 (1,1%)، عام 2016 (1,1%)، عام 2017 (2,3%)، عام 2018 (1,7%)، عام 2019 (1.3%).

أما صندوق النقد الدولي، وبحسب حاكمية بنك فرنسا المركزي، فيتوقع إنكماشاً لإقتصاد فرنسا بواقع (7,2% سلبي)، هذا العام قبل أن يعود إلى النشاط عام 2021 بنسبة نمو إيجابي 4,5%.

كيف تستعد فرنسا لمواجهة الواقع المرير؟

إن حجم الكارثة التي تركتها كورونا خلال شهر من دون حسبان الفترة المقبلة، إذا طالت الأمور لا سمح الله، تفوق بكثير ما تركته أزمة العقارات الأميركية Subprimes عام 2009 على الإقتصاد الفرنسي كتداعيات. فالناتج الفرنسي حينها إنكمش بواقع (2,9% سلبي) وهذا الواقع ما زال كابوساً في مجلد ذكريات فرنسا ومعاناتها مع هذه الأزمة كغيرها من بلدان عانت من تبعات أزمة الرهن العقاري. لكن ما هو مؤكد أن خلال كل أزمة توجد ساحات هجوم وأخرى للمواجهة وغيرها لتفادي الأعظم.

وعلى الرغم من حجم الأموال الذي أعلنت عنه السلطات الفرنسية لمواجهة كورونا (كوفيد 19) إلا أن هناك عاملاً مهماً يساعد في هبّة منتظرة في حركة الإقتصاد ألا وهو عامل الإستهلاك، حيث بيّنت إحصاءات المركز الوطني للإحصاء والدراسات الإقتصادية والإجتماعية أن حجم الإدخار في حسابات المواطنين ازداد خلال الحجر المنزلي نتيجة عدم الحرية في الخروج، وإقفال قطاعات عديدة، مما أدى إلى تراجع غير مسبوق في المشتريات. وفي المقابل زاد حجم الأموال في المصارف بإنتظار ظروف أفضل.

أضف إلى ذلك، ناشدت الحكومة الفرنسية المواطنين بأن يشجعوا المنتوجات الفرنسية في مشترياتهم تضامناً مع الصناعة المحلية من آلات مصنعة وسيارات فرنسية، كذلك الأمر وبشكل خاص قطاع الزراعة والمنتوجات الزراعية، حيث تضرر هذا القطاع مع محاصيل زراعية موسمية لم تجد حركة الطلب اليومية المعتادة عليها نتيجة العزل المنزلي الذي فرضته الأزمة الصحية العالمية على القادة الذين فرضوا بدورهم على المواطنين البقاء في منازلهم.

الأزمة الصحية العالمية هذه تسببت للعائدات الضريبية التي تجنيها فرنسا عادة بخسارة تُقدر بنحو 43 مليار يورو بحسب وزير الخزانة جيرار دارمانا (Gerard Darmanin). ومن المتوقع أيضاً أن يصل عجز الموازنة الفرنسية إلى ما بين 7% سلبي و9% سلبي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فرنسا وبعدما خففت من المحظورات ونزلت عند المستويات المسموح بها في معاهدة «ماستريخت» Mastricht وهي 3% من الناتج المحلي كنسبة عجز لها ولكل أعضاء منطقة اليورو، قد تعود إلى المعاناة، لكن هذه المرة بأرقام خيالية وبغير إرادتها. فالمصيبة على جميع بلدان اليورو وبلدان العالم.

لكن هذا يعني أمراً ما بالنسبة إلى المواطنين، ويتساءلون: هل سندفع الثمن يوماً ما ونتعرض لزيادة دفع الضرائب في مختلف أنواعها أو في أسعار خدمات يعود ثمنها إلى الخزانة كالطوابع البريدية والتبغ وغير ذلك…؟

أما الدين العام فلم يسلم من توقعات الأرقام، وقد يتخطى نسبة 115% من الناتج الفرنسي الإجمالي. علماً أن فرنسا ودول كثيرة في منطقة اليورو تخطت ومن بعيد حجم الديون المسموح به في معاهدة ماستريخت وهو 60% من الناتج الإجمالي للبلاد. وكانت فرنسا سجلت حجم ديون نهاية 2019 بنسبة 98,1% من الناتج أي أقل من نسبة 98,8% توقعتها سابقاً في إنجاز يُشهد لها فيه. لكن جاءت كورونا لتفرض على الحكومة الإستدانة من جديد لمواكبة مساندة القطاعات المتضررة، حيث أعلنت فرنسا عن ضخ 300 مليار دولار فقط لمساندة الشركات المنتجة وضمان قروضها المصرفية التي إقترضتها للإستثمار والإنتاج، فوجدت نفسها متوقفة عن النشاط وأغلبها أقفل الأبواب بوجه الأعمال نتيجة الحجر الصحي.

أضف إلى ذلك، خصصت السلطات مبلغ 110 مليارات يورو لخطة طوارىء لمساندة القطاع الصحي بعدما رفعت حجم المبلغ من 45 مليار تقررت منتصف آذار/ مارس الماضي بداية الأزمة، حيث تم فرض فترة حجر إلزامي إعتباراً من 17 منه لأسبوعين فتجددت لأسبوعين ثم تجددت لأكثر من ثلاثة أسابيع وحتى 11 أيار/ مايو 2020.

فالأزمة الصحية هذه التي تجتاح العالم غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وشكلت صدمة للفرنسيين ولقطاعهم الصحي وبينت عن ثغرات وتقصير في بعض الأمور من القطاع الصحي، وإعترفت حكومة إدوارد فيليب  (Édouard Philippe)ورئاسة الجمهورية بالتقصير.

 لحظة القرار والإختيار

الدولة الفرنسية أصبحت والحال هذه في موقع وكأنها تملك شركة التأمين وتعمل على تأمين هذا القطاع وذاك نزولاً عند الضرورة مع خطط إنقاذية لن تتوقف عند رقم معين، ما يعني أن حجم الكارثة لم يُحسم بعد. فالحكومة الفرنسية كانت أمام خيارين إما ترك الشركات في مصيرها نحو الإفلاس وتسريح العمال، وإما إختيار اللجوء إلى سوق الدين ومدّ القطاعات المحتاجة بالمساعدة المادية.

وحتى الأسبوع الأخير من شهر نيسان/أبريل المنصرم، قام نحو 60% من شركات فرنسا بتسجيل موظفيها وعددهم فاق الـ 85 مليوناً على البطالة الجزئية، وبتشجيع من السلطات تفادياً لإعلان إفلاس الشركات ودفع ملايين الموظفين إلى سوق البطالة. هذا الإجراء يقضي بأن يعمل الموظف أياماً معدودة في الأسبوع والأيام المتبقية من دون عمل، ويدفع صاحب الشركة للموظف حوالي 84% من راتبه الصافي ويتقاضى رب العمل تعويضاً من الدولة بنفس الحجم.

هذه الإجراءات ستكلف الميزانية أكثر من 25 مليار يورو حتى الأسبوع الأخير من الشهر المنصرم.

هذا بالنسبة إلى الشركات التي إستجابت لرغبة الدولة وإعتمدت مبدأ البطالة الجزئية أو التقنية. هناك أيضاً شركات يعمل موظفوها من المنزل بواسطة الإنترنت، فهي ليست معنية بالمساعدة المادية. وهناك شركات مقفلة تماماً كقطاعات مثل السياحة والمطاعم والمقاهي، فالتعويض عليها يحتاج إلى مليارات.

وهناك جانب أيضاً ألا وهو الضمان الصحي والإجتماعي الذي يعاني من عجز مسبقاً وبعشرات مليارات اليورو، وجاءت كورونا لتزيد على طينه بلة، وتكلّفه بحسب التقديرات الأولية 41 مليار يورو ضربة واحدة وبرقم غير مسبوق كعجز إضافي.

فرنسا يظل وضعها أرحم من إيطاليا التي عمّقت كورونا من أزماتها المصرفية والمديونية والتنافسية، وأرحم من إسبانيا التي خسرت تقريباً ما جنته إثر إنتعاشها من أزمة الديون الأوروبية بعد اليونان.  وبما أن المصيبة تجمع، يظل هناك بعض الشوائب كعدم الإتفاق بين الشمال والجنوب، وعادة فرنسا تقف إلى جانب حليفتها. أما ألمانيا وهولندا هذه المرة فشكلا ملفاً واحداً أمام سعر دول الجنوب، وإنضمت إليهما فرنسا في مطلب إعتماد سندات كورونا Coronabonds والمقصود تبادل للديون بين دول منطقة اليورو وتفادي المضاربة على سندات الدول التي تواجه مصاعب بسبب كورونا والتي قد تشهد بالتالي الفائدة على سنداتها إرتفاعاً مناسباً.

فكرة تبادل الديون هذه وسندات كورونا ترفضها ألمانيا وتقترح مكانها تضامناً أوروبياً واسع الصلاحيات والإعتماد على آلية الإستقرار الأوروبية MSE التي تساوي اليوم 410 مليارات يورو، مستعدة أن تقدم منها للدول المتضررة. هذه المواضيع والسيناريوهات كانت على طاولة مباحثات الإتحاد الأوروبي طوال الشهر الماضي من أجل إقرار حزمة مساعدات بمئات المليارات في صندوق إنعاش أوروبي قد تستفيد منه فرنسا أيضاً.

فالإنتعاش الاقتصادي في فرنسا قد يأخذ شهوراً عدة، ولن يكون مستنداً على السوق الداخلية والعرض والطلب فحسب، بل أيضاً على السوق الخارجية وعودة الروح إلى أسواق الشركاء التجاريين والإقتصاديين وفتح الحدود. وهذا رهن قدرة الشركات على إستعادة النشاط الإقتصادي وحركة التبادل. من هنا فإن عودة الحياة لكل دولة مرهونة أيضاً بالسرعة التي تخرج منها الدولة المتضررة من كورونا التي شنت حرباً بمفردها على الكرة الأرضية وإنتصرت عليها في أيام معدودة رغم كل ما أعدت الدول لمواجهتها.

مازن حمود

 محلل إقتصادي ومالي/ باريس