لبنان جنّة السرية المصرفية وتؤمن الحصانة للمودعين … هل تحوّلت النعمة إلى نقمة؟

تنزيل

لبنان جنّة السرية المصرفية وتؤمن الحصانة للمودعين … هل تحوّلت النعمة إلى نقمة؟

الأخبار العربية
(النهار)-30/11/2020

فتح ملف التدقيق الجنائي الجدل حول قانون السرية المصرفية ومدى جدواه في تعقّب الفاسدين وفي ظل الأزمة الاقتصادية والنقدية المستفحلة في لبنان. وكما هو معروف أنّ هذا القانون هو قانون غير مرن ويؤمن الحصانة للمودعين، حتى تجاه القرارات القضائية.
ماذا قدّم هذا القانون للنظام المصرفي اللبناني؟ ومع الواقع الاقتصادي “الجديد” الذي نعيشه، هل يجب إبقاء هذا القانون على شروطه الجامدة، أو تعديله خدمة لمكافحة الفساد؟ علماً أن السرية المصرفية منذ الخمسينيات، كانت أهمّ عنصر تنافسي في المنطقة، مما جعل النظام المصرفي اللبناني يتميّز ويتألّق ويجذب الودائع دائماً، وكان ركيزة أساسية لجذب الرساميل العربية والأجنبية التي شكّلت داعمة أساسية وأدّت إلى نموٍّ كبير.

يرى الباحث في الاقتصاد، الدكتور روك-أنطوان مهنا، أنّه “مع التطوّرات الحاصِلة من إقرار قوانين دولية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى التبادل الضريبي والاعتماد على التكنولوجيا في التبادل الضريبي بين الدول، تقلّصت فعالية السرية المصرفية في الأعوام القريبة الماضية في لبنان لكن على أمورٍ استثنائية، وأنشئت هيئة التحقيق الخاصة بمصرف لبنان”، مضيفاً أنّ “هذه الاستثناءات لم تُستخدَم كما يجب مؤخّراً على الأموال المنهوبة والمهرَّبة، ولم يتحرّك القضاء ولا هيئة التحقيق الخاصة ضمن الصلاحيات التي يمتلكانها، لتقاطعاتٍ ومصالح سياسية. فالمنظومة الحاكمة تمسك بمفاصل القضاء وأجهزة الدولة، والآن هناك تقاذف للتّهم، إنّما جميعهم كانوا شركاء في الفساد ولم يستخدموا استثناءات السرية المصرفية”.

ويعتقد مهنا أنّه “يجب عدم رفع السرية المصرفية بالمطلق كقانون، إنّما يجب رفعها عن كلّ ما هو مال عام وبشكلٍ دائم، من أصغر موظّف إلى أكبر مؤسسات في الدولة، ومن أصغر موظّف في البلدية إلى رئيس الجمهورية الذين يتقاضون رواتبهم من المال العام، فهؤلاء خصوصاً يجب رفع السرية المصرفية عنهم وعن عائلاتهم للدرجة الرابعة، أي عن زوجاتهم وأولادهم وأقربائهم، وهذه خطوة أولى وأساسية لمكافحة الفساد المتجذّر في القطاع العام. وبهذه الطريقة، نبرهن عن شفافية للمجتمع الدولي، وتُستعاد الثقة حتى على المستوى الداخلي، وبهذه الحال لن يبقى أي ذريعة للتدقيق الجنائي. ففي إطار الحوكمة الشفافة عالمياً، لا وجود للسرية المصرفية على المال العام، لا بل بالعكس يجب أن يُطبَّق مبدأ الشفافية لمكافحة الفساد”.

ويضيف أنّ “على لبنان خلق العناصر المناسِبة لجذب الاستثمارات، والسرية المصرفية هي واحدة من هذه العناصر التي سيستفيد منها لبنان بعدما يستعيد عافيته الاقتصادية مستقبلاً، ويجب الحفاظ والإبقاء عليه كميزة للجذب، على رغم أنّ قيمته المضافة تراجعت، وكذلك قيمته التنافسية والتفاضلية، لكنّه قد يعطي حافزاً في ظل عدم وجود موارد أخرى في لبنان. ولطالما كان هذا القانون جاذباً للرساميل الخارجية إلى لبنان، ولكن للقطاع العام كان مصيبة كبيرة لأنّه شكّل مهرباً، ولا زال حتى اليوم، للمخلفات والفساد”. ويعتبر أنّ “قانون رفع السرية المصرفية الذي أُقِرّ مؤخراً هو جزئي ولا يطال الجميع، إذ يمكن بسهولة أن يضع الفاسد حساباته باسم عائلته أو باسم شركة في الخارج”.

ويطرح مهنا مجموعة تشريعات مكمِّلة لقانون السرية المصرفية ومكافِحة للفساد، مثل تطبيق قانون الإثراء غير المشروع، الحق في الوصول إلى المعلومات التي يجب أن يصحح مع مراسم تطبيقية مسهِّلة، إضافة إلى تطبيق قانون حماية كاشفي الفساد كما يجب، “والمطلوب على رأس جميع هذه التشريعات، استقلالية القضاء لاتخاذ قرارات جريئة تطال المسؤولين الفاسدين ورفع الغطاء عنهم، ناهيك بالتقصي عن نمط حياة الموظّف قبل دخوله إلى القطاع العام وبعد خروجه منه، على مبدأ من أين لك هذا”.

تعديل السرية المصرفية ضرورة بأسرع وقت

اعتمد لبنان قانون السرية المصرفية عام 1956 في ظل ظروفٍ اقتصادية وسياسية ساهمت في تطبيقه، لجذب رؤوس الأموال الخارجية وخصوصاً الخليجية، لكن اليوم هذه الظروف تبدّلت.

وتقول محامية “تحالف متحدون” لمكافحة الفساد، رانيا نصرة، إنّ “هذا القانون يعتبر أقوى حتى من قانون السرية المصرفية السويسري، نتيجة عدم مرونته. ففي سويسرا، بمجرّد إصدار قرار من المحكمة يأمر أي مصرف برفع السرية المصرفية، يُجبر المصرف على تنفيذ هذا القرار. بينما في لبنان، كانت أحكام هذا القانون مطلقة، وأُلزِمت فيه المصارف اللبنانية ولو في حال صدور أي قرار قضائي يُلزمها برفع السرية المصرفية”. وقد حدّد القانون ست حالات محدّدة، تلزم المصارف برفع السرية المصرفية.

وتكمل أنّ “في الحقبة التي أُقِرّ فيها هذا القانون، لم تكن جرائم تبييض الأموال بالشكل التي هي عليه اليوم، وذكرها القانون ضمن الاستثناءات التي تجيز رفع السرية المصرفية عن الأفراد، لكنّه لم يعتبر أنّها عمليات منظَّمة كالتي تحصل في أيامنا على صعيد المنظمات الكبيرة، فهذه النقطة لم تكن ملحوظة في وقتها. وهذه من بين الأسباب التي ندعو إلى إعادة النظر في هذا القانون وإعادة تكييفه مع الجرائم المماثلة”.

وترى أنّ “رغم قساوة قانون السرية المصرفية في لبنان، أضاف المشرّع اللبناني في المادة 559 من قانون العقوبات إليه، جرم إفشاء الأسرار على موظفي المصارف والأفراد الذين يكشفون هذه السرية رغم علمهم بها”، لافتاً إلى أنّ “لبنان لُقِّب بسويسرا الشرق عطفاً على قانون السرية المصرفية بالدرجة الأولى، لأنّه كان بحاجة إلى تعزيز قطاعه المصرفي، فوضع قانون سرية مصرفية جامد اًجداً وغير مرن، ولم يذهب إلى تطويره وتكييفه، بل وقّع على معاهدات دولية كمكافحة تبييض الأموال، لتكييف عدم تعديل قانون السرية المصرفية، ويكون بذلك شريكاً بمعاهدات معينة ترعى آليات معينة لمكافحة الجرائم المالية، بهدف مواكبة الجهود الدولية لرفع السرية المصرفية”.

وفي نظر نصرة، “يجب وفي أسرع وقتٍ ممكن تعديل قانون السرية المصرفية، لأّن هناك جرائم معقّدة جداً اليوم، ولا يمكن حصر أسباب رفع السرية المصرفية بست حالات فقط، وبقانونٍ عمره يتجاوز الـ 70 عاماً، فالقانون هو وليد الجرائم والظروف الحاصِلة في حقبة معينة، واليوم تغيّرت الظروف السابقة، لكن جميع ما يدور من حديث اليوم، أنّ العائق لكشف الفاسدين والمجرمين الماليين في لبنان هو قانون السرية المصرفية، فهذا غير صحيح ويجب عدم تصديق هذا الكلام والمضي به”.

وتوضح في هذا الإطار، أنّه “يجب العودة إلى المادة 151 من قانون النقد والتسليف التي تناولت قانون السرية المصرفية وكل شخص يعمل في المصارف، علماً أنّ هذه المادة التي تناولت السرية المصرفية، لم تخاطب المصرف المركزي، إنّما أي شخص يعمل ضمن المصارف، فالمركزي مؤسسة عامة لها شخصية معنوية”، مشيرةً إلى أنّ “قانون السرية المصرفية، أجاز رفعها بقرارٍ قضائي حكماً، في حال وجود أي ريبة من وجود أموال غير مشروعة أو عمليات تهريب أموال لتعقّب هذه الأموال، ويمكن ملاءمة ما سبق بالفقرة 5 من الحالات التي يسمح قانون السرية المصرفية برفعها، وهي في حال ارتكب أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين عمليات تؤدّي إلى تطيير إيداعات المودعين”.

وتلفت إلى أنّ “السرية المصرفية لم تأتِ على سرية المؤسسات العامة، لأنّ هذه الأخيرة خاضعة للتدقيق في الموازنات العامة، وهنا يجب تقصّي مدى تدقيق هذه المؤسسات والتزامها الآليات المطبَّقة لصرف النفقات، ومدى تمتّعها بالشفافية”.

يبقى أن منظومة المحاسبة والتدقيق غائبة منذ أكثر من 30 عاماً، فهل القوانين هي فعلاً المشكلة؟!