واقع الشمول المالي ودور التكنولوجيا المالية في تعزيزه

تنزيل

واقع الشمول المالي ودور التكنولوجيا المالية في تعزيزه

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 458

واقع الشمول المالي ودور التكنولوجيا المالية في تعزيزه

المنطقة العربية تسجّل أدنى المستويات في العالم

المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمُتناهية الصغر هي المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل وتوليد الدخل وتحفيز النمو الإقتصادي

لا تزال المنطقة العربية تسجّل أدنى المستويات في العالم في ما يخصّ الشمول المالي، حيث يمتلك نحو 37 % فقط من البالغين في الدول العربية حسابات مصرفية، أي حوالي 160 مليون شخص عربي أو 63 % من البالغين مستبعدين من الخدمات المالية والتمويلية الرسمية. ورغم الزيادة الملحوظة في ملكية الحسابات في معظم الدول العربية بين عاميّ 2011 و2017، نجد تبايناً كبيراً بين الدول. ففي العام 2017، كانت نسبة ملكية الحسابات مرتفعة بشكل ملحوظ في الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت عند 82 %، و83 %، و80 %، توالياً، في حين لا يتجاوز هذا الرقم 25 % في كل من اليمن، وجيبوتي، والسودان، وموريتانيا، وجزر القمر، والعراق، وسوريا. علماً أن قطاع التكنولوجيا المالية Fintech شكل خلال السنوات الماضية ثورةً في مجال الأنظمة المالية العالمية والعربية، حيث بات يلبي الكثير من الحاجات والخدمات المتعلقة بالعمليات المالية المختلفة وبطرق متقدمة تُنافس إلى حد كبير الخدمات المالية التقليدية من حيث السرعة والتكلفة.

في الخلاصة، على حكومات الدول العربية، تبنّي استراتجية شاملة تهدف إلى الإعتماد على المدفوعات الرقمية والتكنولوجيا المالية كأداة رئيسية لتعزيز الشمول المالي والتحوّل إلى الإقتصاد غير النقدي، وذلك عبر تحديث البنية التحتية للإتصالات، وإعداد قانون لتطوير المعاملات المالية غير النقدية تحت مظلة البنوك المركزية، بالإضافة إلى إقرار أطر تنظيمية تحقق الإندماج بين تكنولوجيا المعلومات والإتصالات والقطاع المالي.

في ما يلي دراسة عن واقع الشمول المالي في المنطقة العربية ودور التكنولوجيا المالية في تعزيزه، أعدتها إدارة الأبحاث والدراسات/ الأمانة العامة في إتحاد المصارف العربية.

مفهوم الشمول المالي وأهدافه

الشمول المالي مفهوم يهدف إلى تعميم المنتجات والخدمات المالية والمصرفية على العدد الأكبر من الأفراد، والمؤسسات، خصوصاً فئات المجتمع المهمَّشة من ذوي الدخل المحدود، وذلك من خلال القنوات الرسمية وإبتكار خدمات مالية ملائمة وبتكاليف منافسة وعادلة، لتفادي لجوء تلك الفئات إلى القنوات والوسائل غير الرسمية التي لا تخضع للرقابة والإشراف. والشمول المالي لا يتحقق من دون التثقيف المالي، فالمستهلك الواعي يُعتبر أكثر إدراكاً للمخاطر والمكاسب المرتبطة بالمنتجات المالية وأكثر وعياً لحقوقه وواجباته. يستلزم الشمول المالي تقديم مجموعة شاملة من الخدمات المالية تتضمن الحسابات المصرفية، والمدخرات، والقروض القصيرة والطويلة الأجل، والتأجير التمويلي، والرهون العقارية، والتأمين، وتوطين الرواتب، والمدفوعات، والتحويلات المالية المحلية والدولية، وخطط التقاعد، بالإضافة إلى حماية المستهلك مالياً. وتجدر الإشارة إلى أن تعميم الخدمات المالية وتوسيع المشاركة في النظام المالي الرسمي يمثّل عاملاً أساسياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتحسين مستوى المعيشة، وتمكين المرأة، وتعزيز تكافؤ الفرص، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والحد من الفقر وعدم المساواة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز النمو الإقتصادي، ودمج الإقتصاد الموازي في الإقتصاد الرسمي. كما تم تحديد الشمول المالي كعامل رئيسي في تحقيق سبعة من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر.

واقع الشمول المالي في المنطقة العربية:

فجوة مستمرة بين الجنسين وفئات المجتمع

 

أ. مقارنة إقليمية

لا تزال المنطقة العربية تسجّل أدنى المستويات في العالم في ما يخصّ الشمول المالي، حيث يمتلك نحو 37 % فقط من

البالغين في الدول العربية حسابات مصرفية، أي حوالي 160 مليون شخص عربي أو 63 % من البالغين مستبعدين من الخدمات المالية والتمويلية الرسمية (رسم بياني 1). كما تشير الإحصاءات إلى أن 79 % من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً في المنطقة العربية لا يمتلكون حسابات مصرفية في أية مؤسسة مالية رسمية، وهو أدنى معدل في العالم. ويمتلك 27.7 % من البالغين ضمن أفقر 40 % من الأسر في العالم العربي حساباتٍ مصرفية مقابل 43.4 % ضمن أغنى 60 % من الأسر، مما يعكس عدم المساواة في إمكانية الحصول على الخدمات المالية الرسمية بين فئات المجتمع حسب الدخل. ولا تزال المرأة العربية تعاني من إقصاء واضح في التعاملات المصرفية والمالية، فعلى الرغم من ارتفاع نسبة الشمول المالي لدى النساء من 13.8 % عام 2011، لا يزال يمتلك نحو 25.6 % فقط من النساء حسابات مصرفية (وهي أدنى نسبة عالمياً)، مقابل 48.3 % من الرجال، مما يعكس فجوة كبيرة في نسب الشمول المالي بين الجنسين تصل إلى نحو 23 % ، أي أن فرص المرأة العربية في امتلاك حساب مصرفي تقل عن الرجل بمقدار 23 نقطة مئوية. أما في الأرياف، فارتفعت نسبة ملكية الحسابات من 11.2 % عام 2011 إلى 18.7 % عام 2014 و27.8 % عام 2017، إلا أنها لا تزال النسبة الأدنى حول العالم.

وبالإضافة إلى الفجوة بين الذكور والإناث في تملّك الحسابات، والفجوة بين الأعلى والأقل دخلاً، والفجوة بين سكان المدن والمناطق الريفية، هناك فجوة أخرى تتعلق بمستوى التعليم، فملكية حساب مصرفي لمن حصلوا على تعليم ابتدائي فقط لا تتجاوز 26.5 %، بينما تصل إلى 48.7 % لذوي التعليم الثانوي في العالم العربي، الأمر الذي يعكس أهمية الثقافة عموماً، والوعي والثقافة المالية خصوصاً، عند فتح الحسابات المصرفية والمشاركة في القطاع المالي الرسمي.

 

ب. الشمول المالي في الدول العربية

على الرغم من الزيادة الملحوظة في ملكية الحسابات في معظم الدول العربية بين عاميّ 2011 و2017، نجد تبايناً كبيراً بين الدول. ففي العام 2017، كانت نسبة ملكية الحسابات مرتفعة بشكل ملحوظ في الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والكويت عند 82 %، و83 %، و80 %، على التوالي، في حين لا يتجاوز هذا الرقم 25 % في كل من اليمن، وجيبوتي، والسودان، وموريتانيا، وجزر القمر، والعراق، وسوريا (الجدول 2).

وسجلت الإمارات العربية المتحدة الإرتفاع الأكبر في نسبة الشمول المالي في المنطقة العربية، حيث ارتفعت ملكية الحسابات من 59.7 % عام 2011 إلى 88.2 % عام 2017، تليها السعودية (من 46.4 % عام 2011 إلى 71.7 % عام 2017)، فمصر التي شهدت ارتفاعاً في ملكية الحسابات من 9.7 % عام 2012 إلى 32.8 % عام 2017. أما في العراق، فبلغت نسبة الشمول المالي 22.7 % عام 2017 مقابل 10.6 % عام 2011، وتعود أسباب التحسّن إلى إجراءات المصارف المتمثلة بتطوير خدماتها من خلال توطين رواتب الموظفين ومنح المزيد من القروض، فضلاً عن تنامي عدد شركات الدفع الإلكتروني.

 

لقد سجّلت الدول العربية تحسناً ملحوظاً في نسب الشمول المالي لدى النساء (جدول 5)، خصوصاً في السعودية، حيث ارتفعت ملكية الحسابات بين النساء بشكل كبير من 15.2 % عام 2011 إلى 58.2 % عام 2017، وفي الإمارات (من 47.2 % إلى 76.4 %)، وفي البحرين (من 48.8 % إلى 75.4 %)، وفي مصر (من 6.5 % إلى 27 %). من جهة أخرى، لا تزال النساء تعاني من إقصاء مالي في كل من اليمن وجيبوتي والسودان وموريتانيا وفلسطين والمغرب والعراق، حيث يملك أقل من 20 % من النساء حسابات في مؤسسات مالية رسمية، وتنخفض هذه النسبة إلى أقل من 2 % في اليمن. وتستمر الفجوة بين الجنسين في مسألة الشمول المالي نتيجة إمتلاك الذكور حسابات ضعف ما تمتلكه النساء تقريباً في معظم الدول العربية، حيث لا تزال المرأة العربية تعاني بشكل عام من صعوبة الوصول إلى القنوات المالية الرسمية أكثر من الرجال، نتيجة الحواجز الهيكلية (بما في ذلك القيود القانونية)، والعقبات التنظيمية (متطلبات إعرف عميلك)، وبالتالي تفتقر إلى الأدوات المالية الأساسية اللازمة لتملّك الأصول والتمكين الإقتصادي.

تشكّل فئة الشباب نسبة كبيرة من المجتمعات العربية، لكنها تواجه عوائق رئيسية تحول دون استفادة الشباب العربي من الخدمات المالية والمصرفية. فمن المتعارف عليه أن المؤشر المعتمد لقياس نسبة الشمول المالي هو ملكية الحسابات في مؤسسات مالية رسمية كنسبة من البالغين فوق سن الـ15 عاماً. ولكن تجدر الإشارة إلى أن غالبية الشباب في الدول العربية لا يتمتعون بإستقلالية مالية قبل عمر الـ25، كما أن الشباب دون سن الثامنة عشرة لا يمكنهم فتح حسابات مصرفية خاصة بهم وإدارتها، الأمر الذي يفسّر تدنّي معدلات الشمول المالي في معظم الدول العربية بإستثناء دول الخليج. يُظهر الجدول رقم 6 إرتفاع مؤشر ملكية الحسابات في الدول العربية بشكل ملحوظ عندما يُحسب كنسبة من البالغين فوق سن الـ25 عاماً.

ج. الإقتراض من المؤسسات المالية الرسمية أو عبر بطاقات الإئتمان

تأتي المنطقة العربية في المرتبة الأخيرة عالمياً من حيث الإقتراض من المؤسسات المالية الرسمية. فعلى الرغم من أن 39 % من البالغين في الدول العربية حصلوا على قروض، فإن 8 % منهم فقط اقترضوا من مؤسسة مالية رسمية أو بواسطة بطاقة إئتمان، مقابل معدل عالمي بلغ 22.5 % (رسم بياني 2). وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الإقتراض من مؤسسة مالية رسمية قد إنخفضت في العالم العربي مقارنة بالعام 2014، على الرغم من جهود المصارف والبنوك المركزية العربية لتحفيز الإقراض المصرفي خصوصاً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر.

يُظهر الجدول رقم 4 أن نسبة المقترضين من مؤسسة مالية رسمية أو عبر بطاقة إئتمان في الدول العربية منخفضة بشكل عام، خاصةً في اليمن (0.6 %) والصومال (2.1 %) والعراق (3.1 %) والسودان (4.2 %)، بالإضافة إلى دول المغرب العربي كالمغرب (2.6 %) والجزائر (5 %). في المقابل، سجّلت الإمارات العربية المتحدة (46.1 %) والبحرين (36.3 %) والكويت (28.5 %) ولبنان (22.6 %) أعلى نسب إقتراض من مؤسسات مالية رسمية أو عبر بطاقات الإئتمان في المنطقة العربية عام 2017 (أعلى من المعدل العالمي البالغ 22.5 %). والجدير بالذكر أن في جميع الدول العربية بدون إستثناء، تزيد نسبة المقترضين الذكور على نسبة المقترضين النساء، مما يُشير الى أن النساء تعاني للوصول الى فرص التمويل عبر القنوات المالية الرسمية والإقصاء المالي أكثر من الرجال.

في هذا السياق، يساعد التمويل الشامل والمساواة في الحصول على الإئتمان بين جميع شرائح المجتمع على معالجة ظاهرة الفقر وعدم المساواة في المنطقة العربية. وبالرغم من حاجة الفقراء الى الإستدانة أكثر بهدف التعليم، والطبابة، والإستهلاك، يُظهر جدول 8 أن أغنى 60 % من السكان يقترضون من مؤسسة مالية رسمية أكثر من أفقر 40 % في جميع الدول العربية، وقد يعود ذلك إلى المخاطر المرتفعة المرتبطة بإفتقار المقترضين الفقراء الى الضمانات الحقيقية كالأراضي والعقارات في حال التخلّف عن السداد. وبناءً على ذلك، فإن المنطقة العربية هي المنطقة الوحيدة في العالم التي إزداد فيها الفقر منذ العام 2010، بالإضافة الى أن استمرار عدم المساواة يجعل من الصعب تحقيق نمو إقتصادي إحتوائي ومستدام يحدّ من تفاقم الفقر.

د. تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في العالم العربي

وضمن هذا الإطار، إن المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمُتناهية الصغر هي المحرك الرئيسي لخلق فرص العمل وتوليد الدخل وتحفيز النمو الإقتصادي، كما تلعب دوراً هاماً في التخفيف من وطأة الفقر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ولا يزال الحصول على التمويل من المؤسسات المالية الرسمية أحد أكبر التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر في المنطقة العربية، حيث تشير الإحصائات المتوفرة إلى أن حصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من التمويل المصرفي في الدول العربية لا تتجاوز 9.7 % من إجمالي الائتمان المصرفي، بحسب دراسة لصندوق النقد العربي صادرة عام 2017، مقابل 8 % عام 2014 بحسب دراسة إحصائية قام بها البنك الدولي بالتعاون مع إتحاد المصارف العربية. وتتراوح حصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من التمويل المصرفي بين 33 % في المغرب، 16 % في لبنان، 14 % في فلسطين، 11 % في الإمارات، ودون الـ 10 % في كل من البحرين والأردن وتونس والسودان والكويت والسعودية، وموريتانيا، ومصر (رسم بياني 5). وتُشير هذه الأرقام إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة في عالمنا العربي هو صعوبة الحصول على التمويل المصرفي، وبالتالي على المصارف العربية أن تولي أهمية أكبر لهذا القطاع الحيوي الذي يشكل فرصة إستثمارية وتمويلية ضخمة لها.

في السنوات القليلة الماضية، شهدت الشركات الصغيرة والمتوسطة في بعض الدول الخليجية حالات تعثّر بسبب تراجع نمو الإقتصاد نتيجة انخفاض أسعار النفط. ففي الإمارات، تبيّن الإحصاءات الواردة من صندوق خليفة بنهاية العام 2017 بأن حوالي 50 % – 70 % من طلبات التمويل التي تقدمها المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم يتم رفضها من قبل البنوك التقليدية. وبذلك، تمثل القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة 4 % فقط من القروض المصرفية القائمة في دولة الإمارات. أما في مصر، فقد أظهرت بيانات البنك المركزي المصري أن سياساته المحفزة على التوسع في إقراض العملاء الصغار ساعدت على نمو حصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من إجمالي القروض، حيث أظهرت البيانات أن حصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة من إجمالي القروض بلغت نحو 8 % بنهاية العام 2017.

الأسباب الرئيسية للإقصاء المالي في الدول العربية

تتعدد الأسباب وراء إنخفاض ملكية الحسابات المصرفية في المنطقة العربية، وقد يكون تدنّي نسبة الشمول المالي في بعض الدول إمّا نتيجة بُعد المسافات، أو إرتفاع كلفة الخدمات المالية، أو عدم كفاية رصيد أو أموال العميل، أو عدم توفّر الوثائق والشروط اللازمة لفتح حساب مصرفي، أو نتيجة لعدم الثقة في المؤسسات المالية، أو لأسباب دينية وتفضيل العملاء للخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

أفاد معظم البالغين الذين لا يملكون حسابات مصرفية في جميع الدول العربية أن السبب الرئيسي وراء ذلك هو عدم كفاية الأرصدة أو الأموال لديهم (insufficient funds). ويعاني المصريون تحديداً من هذا العائق، حيث أفاد أكثر من 83 % من المستبعدين مالياً في مصر، أن السبب الرئيسي وراء عدم امتلاكهم حسابات مصرفية هو عدم كفاية الأموال (insufficient funds). وتتصدر تونس الدول العربية من حيث نسبة البالغين الذين لا يملكون حسابات مصرفية نتيجة بُعد المسافات (%53.5)، وإرتفاع كلفة الخدمات المالية (70.9 %)، وعدم الثقة في المؤسسات المالية (55.2 %). ويعاني المستبعدون مالياً في ليبيا من عدم وجود الوثائق اللازمة لفتح حسابات مصرفية أكثر من أية دولة عربية أخرى (33.8 %). أما في ما يخص العائق الديني، فإن النسبة الأكبر من المستبعدين مالياً نتيجة أسباب دينية هم أردنيون (17.7 %).

الشمول المالي الرقمي – دور التكنولوجيا المالية في تعزيز الشمول المالي

أ. المدفوعات الرقمية

يُعزى الجانب الأكبر من التحسّن في الشمول المالي على مستوى العالم إلى تطوّر الحلول الرقمية والتوسّع في الدفع عبر الهاتف المحمول وشبكة الإنترنت، وتبنِّي الحكومات نُظُم دفع الرواتب والمعاشات ومستحقات الضمان الإجتماعي من خلال تحويلات مصرفية. ففي العالم العربي، إرتفعت نسبة البالغين الذين قاموا بإجراء عمليات المدفوعات الرقمية، إما الدفع أو الإستلام، من 20 % عام 2014 إلى نحو 26 % عام 2017، إلا أن هذه النسبة تبقى الأدنى عالمياً.

 

تحتل دول مجلس التعاون الخليجي المراتب الأولى في عمليات المدفوعات الرقمية، حيث قام 84 % من البالغين في الإمارات بعمليات دفع أو إستلام أموال عبر الإنترنت عام 2017، تليها البحرين (77.3 %)، فالكويت (74.8 %)، فالسعودية (61.2 %). في المقابل، سجل كل من المغرب (16.7 %)، وموريتانيا (15.7 %)، وفلسطين (14.2 %) أدنى نسب عربياً وعالمياً من حيث إجراء عمليات المدفوعات الرقمية (دفع أو إستلام) (جدول 12). وتجدر الإشارة إلى الإرتفاع الملحوظ في عمليات المدفوعات الرقمية بين عامي 2014 و2017 في كل من العراق ومصر والأردن، حيث إرتفعت نسبة البالغين الذين قاموا بإجراء عمليات مدفوعات رقمية (دفع أو استلام) منذ العام 2014 بنحو أربعة أضعاف في العراق، وحوالي ثلاثة أضعاف في مصر والأردن.

ب. إستخدام الهاتف المحمول أو الإنترنت للولوج إلى الحسابات المصرفية وإستخدام الإنترنت لدفع الفواتير أو التسوّق

تُظهر بيانات البنك الدولي أن 15.2 % من البالغين الذين يملكون حسابات مصرفية في العالم العربي إستخدموا الهاتف المحمول أو الإنترنت للولوج إلى حساباتهم المصرفية عام 2017، و9 % فقط من البالغين قاموا بدفع الفواتير أو التسوّق عبر الإنترنت، وهذه النسب هي الأدنى على الصعيد العالمي. في المقابل، تسجّل دول منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية النسب الأعلى عالمياً (56.5 % و69.8 %، على التوالي).

وعلى صعيد الدول العربية، إستخدم 52.9 % من البالغين الذين يملكون حساباً مصرفياً في الإمارات هواتفهم المحمولة أو الإنترنت للولوج إلى حساباتهم المصرفية، وهي أعلى نسبة عربياً، تليها السعودية (35.7 %)، فالبحرين (34.9 %)، فالكويت (29.8 %)، فالعراق (25.2 %). في المقابل، جاءت مصر (6.9 %)، والمغرب (5.0 %)، والجزائر (4.7 %) في المراتب الأخيرة عربياً من حيث إستخدام الهاتف المحمول أو الإنترنت للولوج إلى الحسابات المصرفية. أما بالنسبة لدفع الفواتير أو التسوّق عبر الإنترنت، فاحتلت الإمارات أيضاً المرتبة الأولى عربياً (59.7 %)، تليها البحرين (43.7 %)، فالسعودية (38.5 %)، فالكويت (35.9 %)، فلبنان (16.4 %). في المقابل، جاءت موريتانيا (3.8 %)، ومصر (3.5 %)، والمغرب (2.0 %) في المراتب الأخيرة عربياً من حيث إستخدام الإنترنت لدفع الفواتير أو التسوّق.

إن دولة الإمارات في صدارة البلدان المتقدمة في مجال الشمول المالي، حيث كانت السبّاقة في تفعيل العديد من الخدمات المالية الإلكترونية، مثل الدرهم الإلكتروني، ودفع المعاملات الحكومية إلكترونياً. وفي هذا السياق، أعلنت مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) خلال شهر آب/أغسطس 2018 إطلاق المدفوعات الرقمية لتسهيل الدفع والشراء، من خلال تفعيل خدمة المحافظ الرقمية عبر الجوال. وتأتي الخطوة في إطار تطوير قطاع التجارة الإلكترونية وتمكينه رقمياً، وتعزيز الشمول المالي في المملكة. وكانت»ساما» قد سمحت للبنوك العاملة في السعودية بإتاحة خاصية خدمة الدفع والشراء عبر شبكة الإنترنت لجميع حاملي بطاقات «مدى» البنكية ابتداءً من مطلع شهر نيسان/ أبريل 2018.

وتظهر الأرقام أعلاه الفرص المتاحة أمام الدول العربية لتعزيز الشمول المالي عبر إستعمال الخدمات المالية الرقمية وضرورة الإستثمار في مشاريع تطوير البنى التحتية، من تكنولوجيا الإتصالات وشبكات الإتصالات والإنترنت. وتبرز أهمية تطوير الخدمات المالية الرقمية لما تتيحه من فرص تساعد في التغلّب على تحديات الإنتشار المادي للمؤسسات المالية والمصرفية، والطرق التقليدية في تقديمها للخدمات. كما أن تكلفة العملية التجارية الإلكترونية أقل بعشرين مرة من تلك التي نقوم بها عبر الهاتف، وأقل بستين مرة من الخدمات التي نقوم بها وجهاً لوجه. من هنا تكمن أهمية هذا التطور الرقمي والتكنولوجيا المالية بالنسبة للشمول المالي والذي يهدف إلى إدخال أو دمج الفئات المهمشة مالياً، والتي لا يسمح لها دخلها المالي المنخفض من الإنخراط في عمليات القطاع المصرفي، بالتعامل مع الجهاز المصرفي من خلال منظومة العمل الرقمية أو بمعنى آخر إتمام التعاملات المالية بطريقة إلكترونية.

 

ج. دور التكنولوجيا المالية في تعزيز الشمول المالي

شكّل قطاع التكنولوجيا المالية Fintech خلال السنوات القليلة الماضية ثورةً في مجال الأنظمة المالية العالمية والعربية، حيث بات يلبي الكثير من الحاجات والخدمات المتعلقة بالعمليات المالية المختلفة وبطرق متقدمة تنافس إلى حد كبير الخدمات المالية التقليدية من حيث السرعة والتكلفة. ولقد نجحت الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في تقديم حزمة متنوعة من الخدمات المالية تتضمن خدمات المدفوعات والعملات الرقمية وتحويل الأموال وكذلك الإقراض والتمويل الجماعي وإدارة الثروات بالإضافة إلى خدمات التأمين، كما نجحت

في خلق الطلب على تلك المنتجات، الأمر الذى يلقي بظلاله على مستقبل الخدمات المالية التقليدية في ظل النمو المتزايد لتلك الشركات الناشئة وكذلك سرعة الإبتكارات والحلول التكنولوجية في تقديم العديد من الخدمات المالية الرقمية. وتتمتع التكنولوجيا المالية بقدرة حقيقية على تغيير هيكل الخدمات المالية، وجعلها أسرع، وأرخص، وأكثر أمناً وإتاحة، خصوصاً للشريحة الكبيرة من السكان التي لا تتعامل مع الجهاز المصرفي.

التكنولوجيا المالية أو (FinTech) هي عبارة عن كل المنصات والتطبيقات والشركات التكنولوجية التي تعمل في خدمة القطاع المالي في العالم وتطويره. وعرّف مجلس الإستقرار المالي (Financial Stability Board) التكنولوجيا المالية بأنها: «إبتكارات مالية باستخدام التكنولوجيا يمكنها إستحداث نماذج عمل أو تطبيقات أو عمليات أو منتجات جديدة، لها أثر مادي وملموس على الأسواق والمؤسسات المالية، وعلى تقديم الخدمات المالية».

والتكنولوجيا المالية هي تلك المنتجات والخدمات التي تعتمد على التكنولوجيا لتحسين نوعية الخدمات المالية أو المصرفية التقليدية. تتميز هذه التكنولوجيا بأنها أسرع وأرخص وأسهل ويمكن لعددٍ أكبر من الأفراد الوصول إليها، حيث لا يحصل حوالي 160 مليون نسمة أو 63% من البالغين في العالم العربي على خدمات مالية رسمية، ولا يتعامل نحو 40% من الفقراء مع المصارف بسبب ارتفاع التكاليف، أو بُعد المسافات، أو المتطلبات المرهقة والمعقدة لفتح حساب مالي. وفي معظم الحالات يتم إبتكار وتطوير هذه الخدمات والمنتجات من قبل شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا المالية، وهي شركات حديثة تعد بتحسين الخدمات المصرفية والمالية للأفراد والشركات، بالتعاون أو المنافسة مع مقدّمي الخدمات المالية القائمين مثل المصارف بشكل رئيسي (ومضة وبايفورت، 2017).

كما تلعب التكنولوجيا المالية دوراً مهماً في التصدي للتحديات الحرجة أمام تعزيز الشمول المالي والنمو الإحتوائي وتنويع النشاط الإقتصادي، من خلال الإبتكارات التي تساعد على تقديم الخدمات المالية للشريحة الكبيرة من السكان التي لا تتعامل مع الجهاز المصرفي، وتسهل إتاحة مصادر التمويل البديلة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما تساهم التكنولوجيا المالية في تحقيق الإستقرار المالي، من خلال إستخدام التكنولوجيا في ضمان الإمتثال للقواعد التنظيمية وإدارة المخاطر، ويمكنها تيسير التجارة الخارجية والتحويلات، بتوفير آليات تتسم بالكفاءة وفعالية التكلفة للمدفوعات العابرة للحدود، كما يمكن أن يؤدي استخدام وسائل الدفع الإلكترونية إلى رفع كفاءة عمليات الحكومة.

تعمل معظم شركات التكنولوجيا المالية تحت شعار Empowering the Unbanked أو تمكين المستبعدين مالياً. وإن المقياس الحقيقي لنجاح التكنولوجيا المالية كصناعة أو قطاع لا يكمن في تطوير أداة أخرى لتأمين الراحة لعملاء المصارف، ولكن في مدى مساهمتها في تعزيز الشمول المالي للفئات المُستبعدة مالياً وتحسين فرص الحصول على التمويل خصوصاً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر.

ضمن هذا الإطار، لا تزال المنطقة العربية تُسجّل أحد أدنى المستويات في العالم في ما يخصّ الشمول المالي، حيث يمتلك نحو 37.2% فقط من البالغين في الدول العربية حسابات مصرفية، أي حوالي 160 مليون شخص (63% من البالغين) مستبعدين من الخدمات المالية والتمويلية الرسمية. وبحسب صندوق النقد العربي، فإن الدول العربية بإستثناء دول مجلس التعاون الخليجي هي الأكثر حرماناً من الخدمات والمنتجات المالية على مستوى العالم، وقد يعود هذا إلى أسباب عدة أبرزها الفقر، والجهل المالي، وصعوبة الوصول إلى المناطق الريفية، بالإضافة إلى إنتشار الإقتصاد غير الرسمي. ومن شأن التكنولوجيا المالية أن تعزز الشمول المالي من خلال أشكال عديدة وجديدة من العمليات المالية والمصرفية التي يمكن إجراؤها عبر الهاتف المحمول أو الإنترنت. على سبيل المثال، إن حلول الدفع عبر إستخدام الهاتف المحمول يمكن أن توسّع نطاق الشمول المالي خصوصاً مع إرتفاع نسبة إستخدام الهواتف الذكية، وتفوّقها على عدد الحسابات المصرفية في الدول العربية. فبحسب موقع Statista، يبلغ عدد مستخدمي الهواتف الذكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا 157.7 مليون مستخدم عام 2018 مقابل 85.7 مليون مستخدم عام 2014.

على مدى عقود، كانت التكاليف المرتفعة، والمسافات البعيدة، وطبيعة التمويل التي تحتاج إلى ضمانات وتفاعلات إنسانية كثيرة، تمثل عقبة رئيسية أمام الشمول المالي. لذلك، من المرتقب أن تُحدث الخدمات المالية الرقمية التي يتم تطويرها من قبل المصارف أو الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية تطورات إيجابية في ما يخص الشمول المالي خصوصاً في العالم العربي، حيث تؤدي الإبتكارات في مجال التكنولوجيا، وإنتشار استخدام الهواتف الذكية وتغلغل الإنترنت، إلى تسهيل الحصول على الخدمات المالية. فقد جلبت الهواتف المحمولة والإنترنت الخدمات المالية إلى الناس بدلاً من اضطرارهم إلى الإنتقال لمسافات طويلة للذهاب إلى المصارف، كما ساهمت في تخفيض التكاليف وتحسين كفاءة وسرعة الخدمات المالية التقليدية.

وضمن هذا الإطار، تتوجه المجتمعات ذات الدخل المنخفض نحو الخدمات المالية الرقمية لإدارة أموالها عن طريق إستخدام الهواتف المحمولة، والبطاقات القابلة لإعادة الشحن، والوكلاء المحليين والأساليب الأخرى لنقاط البيع. فإن التقنيات المالية الحديثة تُؤثر إيجاباً على معدلات الشمول المالي، وخصوصاً في المناطق الريفية والنائية، من خلال حلول كالهوية الرقمية، وسجلات الأصول، والعقود الذكية. فالهويات الرقمية جعلت مسألة فتح حساب أسهل من أي وقت مضى، والخدمات المالية التي تعتمد على الهواتف المحمولة تصل حتى للمناطق النائية. كما أن زيادة إتاحة بيانات العملاء تسمح لمقدمي الخدمات بتصميم المنتجات المالية الرقمية التي تلائم على نحو أفضل احتياجات الأفراد الذين لا يملكون حسابات مصرفية.

وفي ظل معاناة المرأة العربية بشكل عام من الإقصاء المالي وصعوبة الوصول إلى القنوات المالية الرسمية أكثر من الرجال، نتيجة الحواجز الهيكلية والعقبات التنظيمية، لا تفرّق الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا عند تقديم خدماتها بين رجل وإمرأة وبالتالي تقدّم للمرأة العربية الأدوات المالية الأساسية اللازمة لتملّك الأصول والتمكين الإقتصادي، في حين تستمر الفجوة بين الجنسين في مسألة الشمول المالي في العالم العربي.

كما يمكن أن تقدّم التكنولوجيا المالية مصادر بديلة للقروض من خلال التمويل الجماعي ومنصات الإقراض المباشر عبر الإنترنت، خصوصاً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر للخدمات المصرفية والتمويل الرسمي الكافي. كما تساهم حلول التكنولوجيا المالية في إنخفاض كلفة التمويل في القطاع المصرفي من خلال التخلّص من الوسطاء.

وتمثل التكنولوجيا المالية وتطبيقاتها المختلفة فرصاً وتحديات في الوقت عينه للمصارف والمؤسسات المالية الأخرى. فقد تتغير طبيعة ونطاق المخاطر المصرفية كما هي مفهومة تقليدياً نتيجة لتزايد الإعتماد على التكنولوجيا المالية. وفي حين أن هذا التغيير قد يؤدي إلى مخاطر جديدة، فإنه يمكن أيضاً أن يفتح فرصاً جديدة للمصارف، وللعملاء، وللقطاع المصرفي بشكل عام، وللجهات الرقابية أيضاً. ولذلك، يتوجب على المصارف والجهات الرقابية النظر في كيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على سلامة ومتانة النظام المصرفي، وتطوير الإبتكار في القطاع المالي والمصرفي. ومن شأن هذه المقاربة المتوازنة تعزيز سلامة ومتانة المصارف والإستقرار المالي، وحماية المستهلك، وتعزيز الإمتثال للقوانين والتشريعات، بما في ذلك قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، دون الإضرار بالإبتكارات النافعة في الخدمات المالية، وخاصة تلك التي تستهدف الشمول المالي.

بحسب البنك الدولي، تُظهر تجارب الدول أدناه تأثير التكنولوجيا المالية على الشمول المالي:

زادت في تنزانيا نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابات معاملات بنكية بأكثر من الضعف، من 17.3% عام 2011 إلى 39.8% عام 2014، بفضل الخدمات المالية الإلكترونية.

تركيز الهند على بطاقات الهوية الرقمية كان عاملاً مؤثراً في إضافة 200 مليون حساب مصرفي جديد.

في البرازيل، أدت بطاقات الدفع الإلكتروني إلى تخفيض تكلفة التحويلات الإجتماعية في إطار برنامج حافظة الأسرة للتحويلات النقدية المشروطة، إلى أقل من 3% من إجمالي المدفوعات.

«علي للتمويل»، أحد البرامج المنبثقة عن شركة علي بابا الصينية للتجارة الإلكترونية، يخدم عشرات الملايين من العملاء، ويصدر تصنيفات ائتمانية، ويقرر للوسطاء على الفور ما إذا كان يتعين أن يقدموا قروضاً صغرى استناداً إلى البصمات الرقمية للمتقدمين للحصول عليها.

تقوم البرازيل والمكسيك وتركيا برقمنة المدفوعات من الحكومة إلى الاشخاص (الرواتب والإعانات الاجتماعية، إلى آخره)، في حين استثمرت الهند بكثافة في بناء البنية التحتية الرقمية الحيوية، بما في ذلك عمل بطاقات هوية وطنية رقمية.

«ونتيجة لأزمة اللاجئين السوريين، يوجد في الآونة الأخيرة تضافر للجهود من أجل تطبيق حلول المدفوعات الرقمية للأغراض الإنسانية. وتعتبر سيجاب و ماستركارد وفيزا ومؤسسة بيل وميليندا جيتس من بين العديد من المؤسسات المهتمة باستكشاف كيف يمكن أن يكون وضع حسابات رقمية للاجئين بمثابة مدخل للخدمات المالية الأخرى مع مرور الوقت. ويتضمن ذلك المدخرات والقروض، ليس فقط من أجل تسريع الشمول المالي بين اللاجئين بشكل أوسع، بل أيضا لإنشاء هويات رقمية من شأنها تكوين تاريخ مالي (والتفكير في التصنيف الائتماني) والذي يمكن أن يرتبط بهم أينما يذهبون. وبهذه الطريقة يتواجد اللاجئون والمهاجرون على الخريطة وبالتالي يتواجد المزيد من العملاء القابلين للاستمرار مع المؤسسات المالية في دول جديدة»

– إليسا ماكارتر لابورد، مجموعة فيتاس، مايو/ أيار 2017.

وعبر ترابط تكنولوجيا المعلومات والإتصالات مع الخدمات المالية، نشأت شركات التكنولوجيا المالية جنباً إلى جنب وفي إطار من المنافسة مع المصارف، التي تستعين كذلك بالتكنولوجيا الرقمية للإنتقال إلى نماذج أعمال أكثر تركيزاً على العملاء. وضمن هذا الإطار، دخلت شركات الإتصالات إلى أسواق بعض الدول العربية حيث تقوم حالياً بتقديم خدمات الدفع عن طريق الأجهزة المحمولة (صندوق النقد الدولي، 2018). إن التطور الأبرز في مجال التكنولوجيا المالية على الصعيدين العالمي والعربي قد حصل في مجال المدفوعات الرقمية، إلا أنه لا يزال هناك الكثير مما ينبغي القيام به من أجل توسيع نطاق وإطار الخدمات المالية الرقمية لتتضمن القروض والمدخرات والتأمين وتحويل الأموال.

وبحسب تحالف الشمول المالي (AFI)، يتم البحث حالياً في أبرز خصائص التكنولوجيا المالية التي يمكن أن تساهم بشكل فعّال في رفع كفاءة الخدمات المالية وتعزيز مستويات الشمول المالي، ومنها:

البلوكشين (Blockchain) وتطبيقها المحتمل لزيادة شفافية وكفاءة المدفوعات (على سبيل المثال في سياق التحويلات الدولية)، وقدرتها على تعزيز أمن المعاملات.

إعتماد تكنولوجيا الحوسبة السحابية (Cloud Computing) في القطاع المالي.

تحليل البيانات الضخمة (Big Data Analytics) وأهميتها في عمليات التصنيف الائتماني (Credit Scoring).

التقنيات البيومترية لتعزيز وزيادة كفاءة إجراءات إعرف عميلك (KYC) .

التكنولوجيا الرقابية (RegTech) لتعزيز الإمتثال للمعايير الدولية وبالتالي الحفاظ على الإستقرار المالي والنزاهة المالية، وكفاءة الإشراف المحلي.

في الختام، على حكومات الدول العربية تبنّي استراتجية شاملة تهدف إلى الإعتماد على المدفوعات الرقمية والتكنولوجيا المالية كأداة رئيسية لتعزيز الشمول المالي والتحوّل إلى الإقتصاد غير النقدي، وذلك عبر تحديث البنية التحتية للإتصالات، وإعداد قانون لتطوير المعاملات المالية غير النقدية تحت مظلة البنوك المركزية، بالإضافة إلى إقرار أطر تنظيمية تحقق الإندماج بين تكنولوجيا المعلومات والإتصالات والقطاع المالي.

وعلى المصارف المركزية والسلطات الرقابية إقرار قواعد جديدة تسعى إلى تذليل العقبات أمام التكنولوجيا المالية وخصوصاً المدفوعات الإلكترونية، والإعتراف بشركات المحمول كجهات مقدمة للخدمات المالية وليس مجرد وسيط مالي، حيث إن إتاحة الفرصة لشركات المحمول في تقديم الخدمات المصرفية الرقمية سيمنح المصارف نطاق تغطية أوسع خاصة في المناطق النائية وتخفيض مخصصات مالية لإنشاء الفروع.

وأخيراً، لا يجب إطلاق العنان لهذه الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا المالية بمفرداتها كافة التي تتضمن البلوكشين والعملات المشفرة، قبل إجراء مزيد من الإصلاحات لسد الفجوات في الأطر المعنية بالقواعد التنظيمية وحماية المستهلك والأمن المعلوماتي، فضلاً على تحسين بيئة الأعمال، والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات، والتوعية المالية.

الأمانة العامة لإتحاد المصارف العربية

إدارة الأبحاث والدراسات