التغيّرات السياسية في مجلس النواب تُعيد الأضواء إلى سلبيات وإيجابيات إتفاق لبنان وصندوق النقد الدولي

تنزيل

التغيّرات السياسية في مجلس النواب تُعيد الأضواء إلى سلبيات وإيجابيات إتفاق لبنان وصندوق النقد الدولي

مقابلات
العدد 498 - أيار/مايو 2022

التغيّرات السياسية في مجلس النواب تُعيد الأضواء

إلى سلبيات وإيجابيات إتفاق لبنان وصندوق النقد الدولي

بعد أن هدأت همروجة الإنتخابات النيابية في لبنان، وما حملته من نتائج أظهرت الفسيفساء السياسية للمجلس النيابي الجديد، وتعدّد آراءها حول الكثير من الملفات الأساسية ومنها كيفية الخروج من الأزمة الإقتصادية والمالية التي يتخبط فيها اللبنانيون منذ نحو سنتين ونصف السنة، عادت الأضواء إلى الإتفاق الاولي الذي وقعته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مع صندوق النقد الدولي كمدخل للوصول إلى إتفاق نهائي، تحت عنوان «التسهيل الإئتماني الممدّد»، والذي تصل مدته إلى أربع سنوات مع صرف 3 مليارات دولار من حقوق السحب الخاصة للبنان، شرط تنفيذ برنامج إصلاحي شامل. لكن التحدي هو أن تتمكن القوى السياسية التي أفرزتها الإنتخابات (القوى التقليدية والتغييرية) من الإلتئام في حكومة تكمّل هذا المسار، وأن يُجاريها المجلس الجديد بإقرار القوانين والتشريعات المطلوبة للوصول إلى الإتفاق، لأنه مهما كثرت التوقيعات بين لبنان والمجتمع الدولي، إلاّ أن العبرة دائماً تبقى في التنفيذ، وخصوصاً بالنظر إلى التجارب اللبنانية السابقة التي بقيت بلا أي ترجمة ملموسة إصلاحياً، من مؤتمر باريس 1، إلى باريس 2 وباريس 3 ومؤتمر سيدر.

يعتمد البرنامج المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي على ست ركائز: توفير بيئة مؤاتية للنشاط الإقتصادي عبر إنجاز الإصلاحات الهيكلية الضرورية لإستعادة النمو وتأمين فرص عمل، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحسين المالية العامة لتأمين إستدامة الدين مع زيادة النفقات على القطاعات الإجتماعية والبنى التحتية، وإصلاح القطاع العام ومؤسساته، ولا سيما قطاع الكهرباء لتأمين تغذية أفضل، وتوحيد سعر الصرف لإزالة التشوهات في الإقتصاد، وتحسين الحوكمة ومحاربة الفساد بمساعدة فنية من صندوق النقد الدولي.

لا شك في أن الإتفاق مع صندوق النقد الدولي يحمل إيجابيات وسلبيات، على غرار ما حصل مع العديد من الدول التي مرّت بالتجربة اللبنانية عينها، إلا أنه من إيجابيات الإتفاق أنه جرى الإعتراف بأن هناك خسائر مالية بعد طول نكران لهذه الحقيقة المؤلمة، وإقرار إصلاحات في خطة التعافي إذا سلكت طريق التنفيذ، منها كسر السريّة المصرفية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وشطب جزء كبير من الدين العام الجائر، ولكن في المقابل بقيَت غير واضحة الطريقة التي سيُصار فيها إلى حماية المودعين، ولا سيما الصغار منهم والمتوسطين.

كما أن هناك أسئلة عدّة تتمحور حول وضع المساهمين في المصارف، إذ إن قانون النقد الدولي، والتسليف ينصّ على تحميل أعباء الأزمة للمساهمين وأعضاء الإدارة، ومن ثم تتدرّج صوب كبار المودعين، وتلمس أخيراً الودائع المتوسطة والصغيرة، والسؤال هو هل سيقوم مجلس النواب بإقرار قانون وقف السرية المصرفية الذي يعني زجّ معظم السياسيين في السجون؟ وهل سيقرّ إصلاحات أساسية بنيوية من شأنها أن تعيد تنظيم الإقتصاد السياسي؟

صندوق النقد الدولي لا يستهدف الفقراء

حداد: حفظ حقوق المودعين في كل فئاتهم لا يتحقق

إلاّ من خلال الإتفاق مع صندوق النقد الدولي

كل ما سبق، يجعل البحث عن إيجابيات وسلبيات إتمام الإتفاق مع صندوق النقد الدولي أمراً مشروعاً وخصوصاً مع التغّيرات التي حملتها الإنتخابات والدور الجديد المفترض للمجلس النيابي، لأن السياسات الإقتصادية اللبنانية منذ بداية الأزمة، لا تزال تعوم على الفوضى، وفي هذا الاطار يشرح وزير المالية السابق سامي حداد لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أن «الإتفاق مع صندوق النقد الدولي لا يستهدف الفقراء ، بل على العكس تماماً، هناك بنود تتعلق بتقديم الدعم للفئات الأكثر تأثراً بالأزمة الإقتصادية، ومنها البطاقة التمويلية التي يجب أن يتوسع إطار الإستفادة منها أكثر فأكثر من قبل هذه الفئة»، معتبراً أن «معالجة سعر صرف الليرة هو أساس لمعالجة الأزمة، لأن الأكثر تأثراً بإنهيار سعر الصرف هي الفئات ذات الدخل المحدود، ولا يُمكن تحسين سعر الصرف إلاّ الإتفاق مع صندوق النقد الدولي من خلال جذب المساعدات وإعادة الثقة للمستثمرين بالإستثمار في لبنان، إذ يُتوقع أن يدخل إلى لبنان نحو 10 مليارات دولار في حال تم التوقيع، مما يؤثر إيجاباً على تحسين سعر صرف الليرة مقابل الدولار، ويزيد القوة الشرائية لذوي الدخل المحدود».

يضيف حداد: «الدينُ العام هو السبب الأساسي للأزمة، وهناك مَن يقول أن على الدولة اللبنانية إعادة ديونها إلى المصرف المركزي والمصارف من خلال بيع الأصول والأملاك، لكن في الحقيقة، فإن حفظ حقوق المودعين بكل فئاتهم لا يُمكن أن يتحقق إلاّ من خلال الإتفاق مع صندوق النقد الدولي، لأن النمو الإقتصادي الذي سينتج عن الإتفاق سينعكس إيجاباً على قدرة المصارف على إعادة الودائع (الودائع الصغيرة من المفروض أن تعود بكاملها، أي تلك التي تبلغ أقل من 100 ألف دولار)، وتالياً لا فائدة من عرقلة الإتفاق مع الصندوق لأن ذلك يؤثر سلباً على ملف إعادة الودائع».

يرى حداد أن «الإصلاحات الموجعة هي على المسؤولين الذين لا يريدون تطبيقها، وليس على فئات الشعب اللبناني الذي يعاني الأمرّين اليوم، ومنذ بداية الأزمة لم تقم الحكومات بأي تدابير لتخفيف وطأتها، بل على العكس تماماً قاموا بإجراءات أدت إلى صرف مليارات من الدولارات هباء، من خلال بدع مصرفية وتعاميم لا يستفيد منها إلاّ التجار والمحاسيب وزاد من تدهور سعر صرف الليرة».

ويختم حداد: «على المجلس النيابي الجديد أن يضغط بجدية للسير بالإتفاق مع صندوق النقد الدولي لزيادة حجم الدعم الدولي للبنان، مما يسرّع في عملية الإنقاذ».

الإتفاق أقل شراً

مارديني: الإتفاق مع صندوق النقد هو الأقل

شراً من عدم الإتفاق لكنه أدنى مما نطمح إليه

على ضفة الخبراء الإقتصاديين، يشير الخبير المصرفي الدكتور باتريك مارديني لمجلة «إتحاد المصارف العربية» إلى أن «لبنان لم يتوصل بعد إلى إتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، بل أنجز إتفاقاً مبدئياً على مستوى الموظفين، بإنتظار أن يُنفذ لبنان شروطاً معينة، وبعدها يتم توقيع الإتفاق النهائي، والشروط المطلوبة هي إقرار خطة التعافي والموازنة وإلغاء السرية المصرفية، والتدقيق في عمليات مصرف لبنان والمصارف».

 ويعتبر مارديني أنه «إذا تم التوقيع مع صندوق النقد الدولي، فإن الإيجابيات تكمن في وضع لبنان على سكة الإصلاحات التي كان يُفترض أن تحصل من سنوات، وخصوصاً أنه أثبت خلال السنوات الماضية أنه عصيّ على الاصلاح من تلقاء نفسه، وحاول المجتمع الدولي حثّنا على القيام بذلك أكثر من مرة، وآخرها في مؤتمر «سيدر» ووعد لبنان بمليارات الدولارات»، مشيراً إلى أنه «رغم الجائزة الكبيرة التي وعدنا بها، والتي تحمّس لها السياسيون اللبنانيون، إلا أنهم لم يتمكنوا من القيام بإصلاحات مطلوبة، وبعد الأزمة التي كان من المفترض أن تضغط على السياسيين للقيام بإصلاحات، لم تقم الطبقة السياسية بأي إصلاح حتى اليوم».

ويرى مارديني أنه «من الواضح، أن الحكومة اللبنانية لا يُمكنها القيام بإصلاحات من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى مَن يساعدها، ولا مفرّ من التعاون مع صندوق النقد الدولي، أما من سلبيات الإتفاق، فإنه ليس من الضروري أن تكون الإصلاحات التي يطلبها الصندوق هي الأجدى للبنان، صحيح أن الإتفاق أفضل من اللا إتفاق، لأن ذلك يعني إهدار المزيد من دولارات المودعين، وبقاء السياسات الكارثية التي إنتهجتها الحكومات السابقة وهذا أمر سيء جداً».

ويُشدّد مارديني على أن «الإتفاق مع صندوق النقد الدولي هو الأقل شراً  من عدم الإتفاق، لكن مقارنته مع ما نطمح إليه هو أدنى من المطلوب، بمعنى أننا نريد تفكيك الإحتكارات،  بينما يتحدث الإتفاق عن خصخصة القطاعات، ونريد سعر صرف للدولار مضبوط ووضع ضوابط على السلطات النقدية، مما يمنعها من زيادة الكتلة النقدية، إذا لم تكن مغطاة بالدولار، بينما الإتفاق مع الصندوق يتحدث عن تعويم لسعر الصرف، وزيادة كبيرة للضرائب والرسوم وهذا برأينا يؤذي الإقتصاد اللبناني».

 يضيف مارديني: «إن أحد الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي هو أن يُقرّ مجلس النواب  خطة التعافي، وتحديداً توزيع الخسائر، وهذا ما فعلته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في الجلسة الأخيرة لها، قبل بدء مرحلة تصريف الأعمال»، سائلاً: «هل سيُقرّها المجلس النيابي الجديد وخصوصاً أن قوى سياسية دخلت عليه ويُمكن ألاّ توافق على سياسة توزيع الخسائر، كما طرحته الحكومة، لأن وطأتها سيئة على المودعين، وتُحمّلهم جزءاً كبيراً من الخسارة، وخصوصاً أولئك الذين يملكون أرصدة أكثر من 100 ألف دولار، سيتعرّضون لـ «هيركات» قاس، مما سيُزعزع الثقة بلبنان وبالقطاع المصرفي».

ويسجل مارديني «أننا نقوم بتوزيع الخسائر قبل إطلاق عجلة الإقتصاد اللبناني، لأن إنعاش الإقتصاد يُقلص الخسائر، وتحوّل وطأتها على المودع أخف، ولكن الحكومة أصرّت على توزيع الخسائر قبل إطلاق العجلة الاقتصادية، وبرأيي أنه كان يجب أن يحصل العكس لأن ذلك أفضل للمودعين».

ويختم مارديني: «من هنا، أرى أنه من الأصعب تمرير هذا الأمر في المجلس النيابي الجديد، وخصوصاً أنه سيكون هناك خلافات سياسية كبيرة، والملف الإقتصادي والتباين حول كيفية حلّه ستزيد الأمور تعقيداً».

المجلس الجديد والملفات الساخنة

الدكتور جاسم عجاقة: عدم إكمال الإتفاق بين لبنان وصندوق النقد

يضرب مصداقية الدولة على كل الأصعدة

يشدّد الخبير الإقتصادي الدكتور جاسم عجاقة لمجلة «إتحاد المصارف العربية» على أن «الإيجابية الاولى للإتفاق مع صندوق النقد الدولي هو أنه تم وضع إطار عام بين لبنان ومؤسسة دولية. وهذه الأخيرة ستُعطي من صدقيتها للبنان كي تجذب الإستثمارات إليه، إذا حصل الإتفاق النهائي بينهما»، معتبراً أن«ما يحصل اليوم هو أشبه بإتفاق أخلاقي لأن الإتفاق الأولي غير ملزم لأي طرف، لكنه يضغط على القوى السياسية لتنفيذه. أما السلبيات  فإنها تكمن في حال لم يتم إكماله بالإتفاق النهائي، مما سيضرب مصداقية الدولة اللبنانية على كل الأصعدة وضرره كبير في حال لم يتم التوصل إلى إتفاق نهائي».

 ويرى عجاقة أن «واجبات المجلس النيابي الجديد كبيرة، أولها مشاريع القوانين الإلزامية، والتي يطلبها صندوق النقد الدولي، بالاضافة إلى خطة التعافي التي أقرّتها الحكومة وهي ملفات ساخنة، ومنها ملف توزيع الخسائر، وإقتطاع 60 مليار دولار من الخسائر، وهذا يعني أننا حتمياً سيحصل إقتطاع للودائع».

يضيف عجاقة: «في ما خص الدين العام، لم يتم التطرق الى إعادة هيكلته في الموازنة التي أنجزتها الحكومة، وأعتقد أن مجلس النواب الجديد، من واجباته أن يبحث هذه الملفات، والسؤال هو هل سيتمكن من الحسم في هذه الملفات، أم أنه سيعود ويردها إلى الحكومة الجديدة؟»، مؤكداً أنه «لا يمكن الإستمرار في الوضع الحالي، لأنه إستنزاف للمواطن اللبناني، في ظل الأسعار التي ترتفع بشكل جنوني وغير منطقي».

 ويشدِّد عجاقة على أن «المسّ بالودائع ورأسمال المصارف، هو ممنوع في الدستور اللبناني الذي يحمي الملكية الخاصة، وفي حال إفلاس المصرف، عليه  القيام بخطوات عدة، لكن التشديد من قبل العديد من الجهات أن المصارف اللبنانية غير مفلسة، ولكن لديها مشكلة سيولة،  ولا يُمكن  الإقتطاع من الودائع بهذا الشكل»، معتبراً أنه «يجب أن يحصل إعادة نظر في هذا البند، ويجب عدم القبول بسهولة بهذا الإقتراح من دون أن يكون هناك إطار واضح لعملية الإصلاح المصرفي، لأن الملكية الخاصة حماها الدستور(المودعون) ورأسمال المصارف هو لحماية أموال المودعين».

ويختم عجاقة بالقول: «أعتقد أنه سيكون هناك إشكالية كبيرة على هذا الصعيد».

باسمة عطوي