عشرة أسابيع هزت العالم
(البيان)-03/04/2025
يقول المؤرخ أرنولد توينبي: «الحضارات لا تُغتال، بل تنتحر». وبينما ستظل القوة العسكرية والموقع الجغرافي داعمين لاستمرار أمريكا، فإن جمهوريتها تسير على خطى سيناريو توينبي.
ولا يوجد أي تهديد خارجي أو تحليل داخلي للتكاليف والفوائد يمكن أن يجعل مراقباً حتى من المريخ، يعتقد أن أعظم قوة على وجه الأرض يجب أن تنهار بيدها. سواء في الصين أو كندا، أو حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، يقف المراقبون في حالة من عدم التصديق. سرعة تحول أمريكا ضد نفسها غير مسبوقة في التاريخ.
أدى دونالد ترامب اليمين الدستورية منذ عشرة أسابيع فقط. ورث اقتصاداً يتمتع بتضخم مستقر، وأسعار فائدة منخفضة، مع نمو كان يتوقع أن يتجاوز أي منافس رئيس هذا العام. لكن مع كل خطوة يتخذها ترامب ضد الاقتصاد العالمي، تتراجع توقعات النمو الأمريكي.
ومع افتراض استمراره في إضافة المزيد من العقبات، خاصة من خلال فرض تعريفات متبادلة على بقية العالم، فيما يسميه «يوم التحرير»، تبدو الولايات المتحدة في طريقها إلى الركود هذا العام—وهو ركود اختياري، برغبة ترامب.
لكن هذا هو الجزء البسيط من القصة. فالانكماش الاقتصادي ليس سوى نتيجة جانبية لهجوم أكثر خطورة على التجربة الأمريكية نفسها. وما يجعل هذا التهديد مختلفاً عن الأزمات السابقة، هو غياب المقاومة الجادة.
فخلال الحرب الأهلية (1861 – 1865)، كانت هناك معركة دموية حتى الموت، ولكن قضية الاتحاد المناهضة للعبودية، كانت مشبعة بالشغف الأخلاقي. في عام 1941، استجابت أمريكا لهجوم بيرل هاربر بتوحيد صفوفها، واستعادت وحدتها بعد فترة من العزلة.
كل أزمة داخلية كبرى في التاريخ الأمريكي، من نضال الحقوق المدنية في الستينيات، إلى حرب فيتنام، وفضيحة ووترغيت، وحتى رد الفعل على غزو العراق في 2003— أدت إلى مواجهات شرسة، وأحياناً إلى حلول إيجابية. لكن ما نفتقده الآن، هو إدراك حجم المخاطر. المفارقة أن الأجانب يدركون ذلك جيداً.
في كل مرة يمنع فيها عالم من دخول البلاد، أو يختفي سائح في مراكز الاحتجاز، تتصدر الأخبار عناوين الصحف في بلاده. الطلاب الأجانب يعيشون في خوف من الترحيل التعسفي، أو حتى الاختطاف من قبل عملاء مجهولين. الزوار المحتملون يعيدون التفكير في خططهم.
ماذا سيظن العالم بشأن الذكرى الـ 250 لاستقلال أمريكا العام المقبل؟ في إعلان استقلالها، تعهدت الولايات المتحدة بإبداء «احترام الجنس البشري». أما ترامب، فيظهر للعالم عبوساً دائماً، معتبراً أن الدول الأخرى إما تسرق أمريكا أو تعيش على كرمها.
القسوة هي جوهر استراتيجيته. وعندما تستعرض كريستي نويم وزيرة الأمن الداخلي، أمام معتقلين حليقي الرؤوس راكعين، يكون ذلك عن عمد. عندما يذهب جي دي فانس، نائب الرئيس، إلى غرينلاند ليهدد سكانها بأنهم سيصبحون أمريكيين «بطريقة أو بأخرى»، فهو يعني ذلك التهديد بجدية.
بخطوات متسارعة، تمحو أمريكا قوتها الناعمة. لقد استغرق بناء صورتها العالمية 250 عاماً، لكن تدميرها استغرق أقل من ربع عام. ولا أحد يعلم إلى متى سيستغرق إصلاح ذلك؟
عندما ضرب زلزال عنيف ميانمار الأسبوع الماضي، كانت فرق الإغاثة الصينية والروسية على الأرض خلال أيام. أما أمريكا، التي قامت بحل وكالة التنمية الدولية، فلم يصل دعمها بعد.
في الداخل، يخطط ترامب لترحيل أكثر من 300,000 لاجئ فنزويلي إلى النظام القمعي الذي فروا منه. أما الهاربون الآخرون من الأزمات العالمية، فلم يعد مرحّباً بهم في أمريكا، باستثناء واحد فقط:
الأفارقة البيض من جنوب أفريقيا. في حين يقوم ترامب بإغلاق الوكالات والقنصليات حول العالم، فإن إدارته تقيم مراكز استقبال في بريتوريا لمعالجة طلبات لجوء الأفارقة البيض، مدعياً أنهم ضحايا للتمييز العرقي من قبل الحكومة ذات الأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا.
وكيلا يخطئ أحد في فهم الرسالة، تقوم إدارته بمحو مساهمات الأمريكيين غير البيض من المواقع الرسمية، مثل مواقع البنتاغون، ومقبرة آرلينغتون، ومتحف سميثسونيان.
تم حذف اسم مارتن لوثر كينغ الابن، في حين أعيدت أسماء جنرالات الكونفدرالية المهزومين. حتى مشاريع الأبحاث العلمية يتم تطهيرها من كلمات «محظورة»، مثل العدالة والمرأة.
كل هذا يُنفذ باسم الجدارة. لكن «الحرس الجديد» لأمريكا، هو تقريباً بالكامل من الذكور البيض، وغالبيتهم غير مؤهلين لقيادة المؤسسات الكبرى التي يخربونها. ولم يكن الأجانب وحدهم من أعادوا التفكير في علاقاتهم بأمريكا.
العلماء الأمريكيون أنفسهم يبحثون عن وظائف في الخارج. لقد قدم ترامب للعالم فرصة لإغراء العقول الأمريكية للهجرة.
إذا كان هناك شك في أن أمريكا تبنت الوحشية، فهناك مثال واضح: عملية إنقاذ الأخوين تايت. في فبراير، قامت السلطات الأمريكية بإخراج أندرو وترستان تايت من رومانيا.
حيث كانا ينتظران المحاكمة بتهم الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، في الوقت نفسه، بينما يجبر الآخرون على الترحيل الذاتي تحت التهديد، تم استقبال الأخوين بالبساط الأحمر.
مثل هذه المؤشرات، تنذر بخطر أكبر بكثير من مجرد ركود اقتصادي، تسببت فيه أمريكا لنفسها.