أميركا لم تعد بحاجة للعالم.. الجيل الثالث من الدولار سيهدم المعبد
(العربية)-19/01/2026
بينما تتسابق البنوك المركزية عالمياً لتأمين احتياطي نقدي ملموس في خزائنها من الذهب، تكشف الولايات المتحدة عن المرحلة الجديدة للدولار الأميركي، حيث لن يعد عملة دولية تستخدم في التبادل التجاري أو كمخزن للقيمة فقط، ولكن فرصة للأفراد في كافة دول العالم للتخلي عن عملات بلادهم وقت الأزمات بشكل جماعي ودون الحاجة لموافقات بنوك بلادهم المركزية.
حذر مستشار الرئيس الروسي أنتون كوبياكوف في أغسطس الماضي – أي بعد شهر من موافقة الكونغرس الأميركي على قانون “GENIUS” – من القانون الذي سيمنح الولايات المتحدة إمكانية حذف 35 تريليون دولار من الديون.
يعزز قانون “جينيوس” لتنظيم العملات المستقرة العديد من المخاوف حول مستقبل الدولار والبنوك التقليدية، حتى في الداخل الأميركي.
عالمياً، يسمح القانون للشركات المصدرة للعملات المستقرة بالاعتراف القانوني، ولكن بشرط أن تستثمر أموالها الاحتياطية في أذون الخزانة الأميركية قصيرة الأجل، ما يخلق طلباً لا نهائياً على الدولار لا يشغله سعر الفائدة على أدوات الدين الأميركية التي يستثمر فيها، إذ يركز كل همة على الالتزام بشرط الاحتياطي للبقاء في السوق.
بينما محلياً، تتخوف البنوك سواء الكبيرة أو المحلية الصغيرة من القانون، على الرغم من أنه وضع شرطاً على الشركات المصدرة للعملات المستقرة يخص العوائد. لا يسمح بإعطاء أي فوائد أو مكافآت على الأموال الراكدة في محافظ العملات المشفرة المستقرة.
لكن بنك “جي بي مورغان” حذر من المكافآت والفوائد التي تمنحها وكلاء التوزيع ومنصات التداول، والتي لم يرد ذكرها في القانون، بما يمثل ثغرة، ويهدد أعمال العديد من البنوك الأميركية التقليدية.
وتشعر البنوك الصغيرة بقلق أكبر من البنوك الكبيرة لاعتمادها الكبير على الودائع المحلية. وأي سحب للودائع قد يقلل بشكل مباشر من الإقراض للشركات الصغيرة والأسر. كما تشير البنوك إلى إمكانية تمويل برامج المكافآت من خلال إيرادات المنصات أو هياكل الشراكة، مما يجعل الحظر غير فعال عملياً إذا استمرت حوافز الشركاء. في الولايات المتحدة، كان الهدف من قانون GENIUS لعام 2025 هو توفير إطار عمل فيدرالي للعملات المستقرة المستخدمة في الدفع.
حثّ مجلس المصرفيين المحليين التابع لرابطة المصرفيين الأميركيين مجلس الشيوخ على تشديد إطار عمل قانون GENIUS، محذراً من أن بعض أنظمة العملات المستقرة تستغل ما يسمى بـ”الثغرة”.
مراحل الدولار
قبل عام 1971 كان الدولار الأميركي شأنه شأن باقي العملات، مسعر وفقاً لقاعدة “بريتنوودز”، ومدعوم بغطاء من الذهب. لكن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، عمل على رفع سقف الدولار كعملة تبادل، وإنهاء قاعدة الذهب ليتم تدويل الدولار، ويتخلى الفيدرالي الأميركي لاحقاً عن تعهداته الخاصة بسقف طباعة العملة أو مراجعة عمليات الطباعة مع الشركاء الأوروبيين.
بينما بقانون “جينيوس” يدخل الدولار إلى المرحلة الثالثة التي لا يحتاج فيها حتى إلى التنظيم الأولي مع الحكومات المقابلة، وينطلق الدولار إلى مخاطبة الأفراد بشكل مباشر في مجتمعاتهم عبر البنية اللامركزية للعملات المشفرة.
مكاسب أميركا والدولار
وصلت الديون الأميركية إلى مرحلة حرجة دفعت إلى انقسامات حادة بين شقي الكونغرس خلال العامين الماضيين، ووصلت ذورتها أواخر العام الماضي عندما أغلقت الحكومة الأميركية لأطول فترة في تاريخها نتيجة لعدم الاتفاق على رفع سقف الديون.
يقف الدين الأميركي حالياً عند حدود الـ36 تريليون دولار، وهو ما يمثل ضعف حجم الدين قبل 10 سنوات فقط والبالغ حينها 18.15 تريليون دولار.
سيمثل وجود نظام لا مركزي عالمياً، ولكنه في الوقت نفسه مفاتحه لدى البيت الأبيض، نقطة تحول جوهرية، ستمكن الولايات المتحدة من معاقبة العالم بكود برمجي، وفي الوقت نفسه التحكم في ديونها بصورة أكبر، وخلق طلب لا ينتهي على أدوات الدين الأميركية، ما يحقق مكسباً رئيسياً للدولار، ليس في القيمة ولكن في البقاء كقلب نابض لعقود أخرى.
حتى أن بعض النواب في البرلمان الأوروبي، طالبوا بضرورة الإسراع بإصدار اليورو الرقمي، أو دعم عملات مشفرة مستقرة مقومة باليورو لخلق التوازن في هذه السوق العالمية المتنامية.
تفسير جديد لصعود الذهب والبيتكوين
بعض الخبراء يرون أن الارتفاعات الكبيرة للذهب والبيتكوين خلال العامين الأخيرين، كانت مدفوعة من مناقشة مشروع القانون ثم إقراره في يوليو الماضي.
سارعت العديد من البنوك المركزية لاقتناء أصول حقيقية ملموسة بعيداً عن الدولار والعملات المشفرة المستقرة، بينما حاول المستثمرون الأفراد والمؤسسات المالية تأمين مدخراتهم واحتياطياتهم النقدية بالعملة المشفرة الأكبر والأكثر أماناً ما زيادة عمليات التبني للبيتكوين.
لكن وسط كل هذا الزخم، فإن القيمة السوقية لأكبر عملتين مستقرتين في النظام البيئي للعملات المشفرة “USDT” و”USDC” تبلغ 260 مليار دولار بشكل مجمع، وهو رقم لا يزال بعيد جداً عن أكبر حائزي أذون الخزانة الأميركية “اليابان” و”الصين”.
