تفسيرات متباينة لنظام عالمي جديد يجسد «قوة المستضعفين»
(البيان)-27/01/2026
لا أعتقد أن مقال فاتسلاف هافيل حول «قوة المستضعفين» ليس مقرراً دراسياً في العديد من المدارس الثانوية في أوروبا، لكنه ينبغي أن يكون كذلك.
فهو دراسة لأهمية الحقيقة والعقل في مواجهة قوى إنكار الواقع. ويمكن أن يمثل ركيزة أساسية لتقاليد التنوير الأوروبية. كما أنه تذكير قوي بذكريات سياسية شبه منسية لأولئك الذين عاشوا خلف الستار الحديدي، والذين لم يتم إنصاف دورهم في إثراء السياسة الأوروبية.
وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، استشهد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بما قاله هافيل عن بائع الخضار الذي يعرض لافتة «يا عمال العالم، اتحدوا!» في واجهة متجره – ليس لأنه يؤمن برسالتها السياسية، بل ليعيش في النهاية «حياة هادئة». ورسالة هافيل هي أنه عندما يتظاهر الجميع بالموافقة، فإنهم يضفون واقعية على النظام الذي يضطهدهم. هذا هو مبرر المعارضة: نقل الإحساس بالضعف للنظام.
وقد لاقى نداء كارني ترحيباً واسعاً، أي التوقف عن التظاهر. لكن من المرجح أن نشهد تفسيرات متباينة لما يستلزمه ذلك. ففي الدول الغنية، يعني ذلك الاعتراف بأنها لم تعد في صف واحد مع الولايات المتحدة، وعليها إيجاد سبل لحماية القيم الديمقراطية الليبرالية بمعزل عن أمريكا.
أما بالنسبة لمعظم ما يسمى بالجنوب العالمي، ولا سيما القوى المتوسطة الصاعدة، فقد يعني التوقف عن «العيش في ظل الكذبة» شيئاً مختلفاً تماماً.
فقد سئم الكثير منهم من نظام «قائم على القواعد» شعروا أنه يجعل بعض الدول أكثر أحقية بالمساواة من غيرها. وكانت هناك أسباب وجيهة لهذا الشعور، بدءاً من نهج الدول الغنية المبكر في توزيع لقاح كوفيد 19، وصولاً إلى التطبيق المتناقض للقانون الدولي في مختلف النزاعات.
من هذا المنظور، يعني إنهاء التظاهر التخلي عن القيود. وعلاوة على الارتياح الذي قد ينجم عن زوال النفاق، قد ترحب بعض الدول بنظرة مختلفة للنظام العالمي. فبدلاً من السعي لتطبيق القواعد بقوة متساوية على الجميع، ستكون تحت إغراء الحرية الفورية التي تأتي مع السعي وراء المصالح الوطنية دون خجل.
وهذا مفهوم. لكن هذه الدول تخاطر باكتشاف أن هذه الحرية قد تكون بلا قيمة إذا كان لدولة أخرى أقوى منها آراء مختلفة حول كيفية ممارستها.
وفي غياب قوة مهيمنة تنسق أو تنفذ قواعد اللعبة – مهما كان الأمر انتقائياً – يكون السعي وراء المصالح الوطنية المجردة في أحسن الأحوال غير فعال، وفي أسوأ الأحوال وصفة للصراع أو الخضوع التام. وحتى لو لم تكن مهتماً بالقوى العظمى، فهي ستهتم بك عاجلاً أم آجلاً. ومن دون حتى «قشرة» القواعد التي يمكن الاستناد إليها، لن يتبقى سوى القوة.
وتجسد كندا نفسها هذه الصعوبة. فقد جاء نداء كارني المستوحى من مبدأ فاتسلاف هافيل بعد أسبوع فقط من توقيعه اتفاقية شراكة مع الصين. وهناك أسباب وجيهة لإقامة مثل هذه الشراكة. لكن في ظل دعم الصين لروسيا ضد أوكرانيا، فإن هذا لا يعد بأي حال من الأحوال «معايرة لعلاقاتنا بحيث تعكس أعماقها قيمنا»، كما قال في دافوس.
إن الفوضى أو هيمنة القوى العظمى هما النتيجتان الأكثر ترجيحاً لـ«نظام عفوي» للقوى المتوسطة، منظم من خلال تداخلات مصالح عرضية ومتفاوتة، ما لم تعزز هذه التحالفات بترتيبات مؤسسية ومجتمع قيم قوي، فهذه العوامل فقط هي التي تجعل العلاقات طويلة الأمد ذات فائدة واضحة لدرجة تتجاوز التوق إلى سيادة مطلقة ظاهرياً، والتي تؤججها بقوة إدارة ترامب.
ولا يمكن تقديم هذا البديل – نظام معاد بناؤه لكنه لا يزال ليبرالياً وقائماً على القواعد – إلا من قبل الاتحاد الأوروبي. فهو وحده كبير بما يكفي ليكون مركز جذب. ولا يزال يولي اهتماماً للقيم التي كان النظام القديم يطمح إليها، حتى ولو اسمياً على الأقل. كما أنه يجسد كيفية تقاسم أعضاء هذا النظام لسيادتهم.
ولا يمكن لمثل هذا النظام أن يصبح ركيزة عالمية ما لم يؤخذ الجهد الذي سيتطلبه ذلك على محمل الجد، وهو ما يعني أيضاً إقامة علاقات أكثر تكاملاً مع الدول التي لا تزال تعتقد أن النظام الليبرالي القائم على القواعد والناجح هو أفضل أمل لها.
وبدلاً من ذلك، يميل الاتحاد الأوروبي نفسه إلى التخلي عن التظاهر دون تحمل مسؤولية النظام. ففي الأسبوع الماضي فقط، فعل البرلمان الأوروبي مراجعة قضائية لتأجيل اتفاقية تجارية جديدة مع دول أمريكا الجنوبية. كما ألمحت المفوضية إلى أنها ستتخلى عن مبدأ الدولة الأكثر رعاية، وهو جوهر النظام التجاري العالمي.
إن الغاية من قول الحقيقة تعني البدء فعلياً في أخذها على محمل الجد مجدداً. كان هافيل، الذي أصبح رئيساً لبلاده بعد الحقبة الشيوعية، يدرك أن المعارضة ضرورية، لكنها ليست سوى مجرد البداية.
