من الأمن الغذائي إلى الرقائق: إغلاق هرمز يكشف هشاشة الاقتصاد العالمي
(النهار)-10/03/2026
إغلاق مضيق هرمز لا يوقف تدفق النفط فقط، بل يعطل أيضاً شرياناً رئيسياً للأسمدة والبتروكيماويات والبوليمرات التي يقوم عليها خبز العالم، وبلاستيك السلع الاستهلاكية، والبيئة المحيطة بصناعة التكنولوجيا والرقائق.
نحو ثلث الإمدادات العالمية من مدخلات الأسمدة يمر عبر المضيق، بينما تأتي حصة كبيرة من صادرات البلاستيك الخام والنافثا من الخليج إلى آسيا وأوروبا، ما يحوّل هرمز من عقدة نفطية إلى نقطة اختناق في سلاسل الغذاء والصناعة والتكنولوجيا.
أولاً: الأمن الغذائي – صدمة الأسمدة قبل القمح
الخليج اليوم لاعب ثقيل في سوق الأسمدة العالمية، وليس مجرد مصدر للطاقة.
• ثلث إمدادات الأسمدة العالمية تقريباً – بما في ذلك الأمونيا والكبريت – يمر عبر هرمز.
• ما يقرب من 50% من صادرات الكبريت المنقولة بحراً تأتي من دول غرب المضيق وتعبره، والكبريت ضروري لصناعة الأسمدة الفوسفاتية.
• دول مجلس التعاون الخليجي هي أكبر مصدِّر لليوريا في العالم، بحصة تقارب 33% من صادرات اليوريا العالمية وفق بيانات مجلس الكيماويات الخليجي.
• قطر هي ثاني أكبر مصدر لليوريا عالمياً، مع شركاء رئيسيين في الهند والبرازيل والولايات المتحدة وأستراليا وتركيا.
تقارير القطاع تشير إلى أن الأسعار الفورية لليوريا والكبريت قفزت فور الإعلان عن إغلاق المضيق، في وقت تستعد فيه آسيا وأميركا اللاتينية لمواسم زراعة رئيسية، ما يهدد بموجة جديدة من تضخم أسعار الغذاء.
لنتذكر أن:
• ثلث الإمدادات العالمية من الأسمدة يمر عبر هرمز.
• 50% من صادرات الكبريت المنقولة بحراً تمر عبر دول غرب المضيق.
• 33% من صادرات اليوريا العالمية مصدرها دول مجلس التعاون.
• 80% من إنتاج الأسمدة في الخليج تقريباً يتركز في اليوريا والأمونيا.
ثانياً: البلاستيك والبتروكيماويات – من التغليف إلى السيارات
خارج النفط، يشكّل الخليج مصنعاً رئيسياً للبولي إيثيلين والبوليمرات الأساسية التي تغذي صناعات التغليف والسلع الاستهلاكية والبنية التحتية.
• إنتاج الشرق الأوسط من البولي إيثيلين في الأشكال الأولية بلغ نحو 19 مليون طن في 2024، مع صادرات تقارب 14 مليون طن، أي حوالي 43% من صادرات العالم من هذا المنتج في 2025.
• السعودية وحدها تمثل 53% من صادرات البولي إيثيلين في المنطقة (7.6 مليون طن)، تليها الإمارات بحصة 21%، ثم إيران بنحو 19%.
• حوالي 84% من طاقات إنتاج البولي إيثيلين في الشرق الأوسط تعتمد على هرمز في الصادرات البحرية.
• قرابة 80% من واردات آسيا من النافثا – مادة التغذية الأساسية لمصانع البتروكيماويات – تأتي من الشرق الأوسط.
هذه السلسلة تُترجم إلى منتجات ملموسة: عبوات الأغذية والأدوية، أكياس السوبرماركت، قطع السيارات، الأجزاء البلاستيكية في الأجهزة المنزلية والإلكترونيات، وأنابيب المياه والغاز والصرف الصحي.
إغلاق هرمز يعني نقصاً في هذه المواد وارتفاعاً في أسعارها، ما يدفع شركات في آسيا وأوروبا إلى خفض الإنتاج أو تمرير الكلفة إلى المستهلك، في وقت تحذر فيه تقارير متخصصة من “صدمة بلاستيك” توازي صدمة الطاقة.
لنتذكر أن:
• 19 مليون طن إنتاج البولي إيثيلين في الشرق الأوسط، 14 مليوناً منها للتصدير.
• 43% من صادرات البولي إيثيلين العالمية تأتي من الشرق الأوسط.
• 53% من صادرات البولي إيثيلين الشرق أوسطية من السعودية، 21% من الإمارات، 19% من إيران.
• 84% من طاقات إنتاج البولي إيثيلين في المنطقة تعتمد على هرمز.
• 80% من واردات آسيا من النافتا مصدرها الشرق الأوسط.
ثالثاً: التكنولوجيا والرقائق – بيئة مكتظة بالمخاطر
إن شركة عملاقة في إنتاج الرقائق مثلTSMC في تايوان لا تستورد كيماوياتها من ميناء جبل علي. وسامسونغ لا تنتظر شحنة من الجبيل الصناعية. شركات الرقائق المتقدمة تعمل بغازات وكيماويات فائقة النقاء تأتيها من مورّدين متخصصين في اليابان وكوريا وأوروبا وأميركا. بهذا المعنى، هرمز ليس في معادلتها المباشرة.
لكن الرقاقة لا تعيش في الفضاء. هي منتج مُغلَّف في بلاستيك، مُثبَّت في لوحة مصنوعة من مواد كيماوية، مُشحون في صندوق مصنوع من بوليمرات، مُشترَى من مستهلك تآكلت قدرته الشرائية بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. وكل هذه الحلقات تمر من هرمز بطريقة أو بأخرى.
• تغليف الرقائق والأجهزة الإلكترونية، الألواح المطبوعة، الكابلات وصناديق الشحن، كلها تعتمد على بوليمرات وكيماويات أساسية ترتبط بسلاسل الإنتاج الخليجية.
• ارتفاع أسعار البتروكيماويات يرفع تدريجياً كلفة هذه الحلقات المحيطة بالرقاقة، ما يضغط على هوامش شركات الإلكترونيات والعتاد التقني من آسيا إلى أوروبا.
• موجة تضخم الغذاء والطاقة تضرب القدرة الشرائية للأسر وتُضعف الطلب على الهواتف والحواسيب والأجهزة، أي على المحرك الأكبر لطلب الرقائق عالمياً.
هرمز ليس مجرد مضيق نفطي بل شريان اقتصادي
إن إغلاق مضيق هرمز يحوِّل الممر البحري من قضية نفطية إلى ملف أمن قومي اقتصادي بامتياز، وحين أُغلق مضيق هرمز، اكتشف العالم أنه بنى جزءاً كبيراً من اقتصاده على افتراض أن هذا الممر سيبقى مفتوحاً للأبد.
أسمدة الخليج تغذي حقول الهند والبرازيل وأفريقيا، وأي انقطاع طويل في مرورها يهدد الأمن الغذائي لمئات الملايين. وبلاستيك الخليج يغذي مصانع التغليف والسيارات والأجهزة في آسيا وأوروبا، ما يفتح الباب لهزات في الإنتاج والوظائف والأسعار تمتد من خط التجميع إلى رف المتجر. ومع اجتماع صدمة الغذاء والبلاستيك والطاقة معاً، يجد الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة – من الرقائق إلى الحوسبة السحابية – نفسه في مواجهة ضغوط متراكمة، في لحظة كان العالم أصلاً يعيد فيها حساباته بعد جائحة كوفيد وحرب أوكرانيا.
صحيح أن ثمة مساعي لبناء طاقات بديلة في الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية وأوروبا، أو لنقل جزء من التدفقات عبر البحر الأحمر ومسارات أخرى. لكن هذه البدائل تحتاج سنوات واستثمارات ضخمة، ولن تعالج سريعاً حقيقة صارخة: أن الاقتصاد العالمي ما زال معلَّقاً على عنق زجاجة واحد في الخليج، تبيّن اليوم أنه أضيق بكثير مما تصوّر الجميع.
