حرب إيران ستُخلّف للعالم إرثاً جيواقتصادياً شديد التعقيد
(البيان)-11/3/2026
هل ستكون الحرب في إيران قصيرة؟ هذا ما وعد به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم قبل أيام قليلة. لكن يبدو أن وزير دفاعه بيت هيغسيث يتراجع عن هذا التوقع، محذّراً من أن الأمور «تتسارع لا تتباطأ» بينما يُعلن عن إرسال المزيد من القنابل والطائرات المقاتلة. ولذلك، فقد امتدّ الصراع في جميع أنحاء المنطقة وحتى إلى ما هو أبعد، مع غرق فرقاطة إيرانية قبالة سواحل سريلانكا.
لكن كيف سينتهي كل هذا؟ قد لا يكون الأمر مرتبطاً بالطائرات المسيّرة والسفن والمدفعية بقدر ما هو مرتبط بسلاسل التوريد والتضخم وأسواق الدين. فمنذ بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022، رأينا كيف يمكن لتسليح الطاقة والتجارة أن يؤدي إلى صدمات تضخمية تؤدي إلى عمليات بيع مكثفة للسندات على المدى القصير. وهذه بدورها يمكن أن تُغيّر مسار الأحداث السياسية.
وقد حدثت أزمة السندات الحكومية البريطانية التي أطاحت رئاسة ليز تروس القصيرة جزئياً في هذا السياق. كما شهدت المواقف الأوروبية تجاه السياسة الصناعية والإنفاق الدفاعي تحولاً جذرياً عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية والحرب التجارية العالمية التي شنتها الولايات المتحدة.
وفي الآونة الأخيرة، أدت مخاوف سوق السندات بشأن الرسوم الجمركية الأمريكية وحظر الصين على تصدير العناصر الأرضية النادرة إلى إجبار ترامب على تعليق معظم رسومه الجمركية المتبادلة وسط عمليات بيع مكثفة لسندات الخزانة الأمريكية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في العائدات. كما تراجعت الأسهم والدولار نتيجة لذلك، مسجلةً بذلك موجة بيع ثلاثية نادرة. إذن، ما الذي تخبرنا به الأسواق الآن؟ وإلى متى قد تستمر هذه الحرب؟
إنني أراهن أن الحرب ستطول أكثر مما نتوقع. وبينما لدى الولايات المتحدة مبررات لإنهاء الصراع سريعاً، نظراً لأن ارتفاع أسعار النفط سيضر بالجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، فمن الممكن القول إن إيران قد ترى مكاسب في إطالة أمد الصراع. ومن شأن ذلك أن يزيد من اضطراب أسواق الطاقة، ما سيرفع معدلات التضخم في جميع أنحاء العالم. وكما أوضح المحلل لوك غرومن فإنه «لا يتعين على إيران بالمرة هزيمة الجيش الأمريكي، بل يكفيها هزيمة سوق سندات الخزانة الأمريكية»، إذ من المفترض أن أي تراجع حاد في سوق السندات سيجبر الولايات المتحدة على التراجع. هل هذا مرجح؟ وكم سيستغرق من الوقت؟ بالتأكيد، أكثر من بضعة أسابيع، وليس الأمر كله بيد ترامب. صحيح أن أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفعت (وإن لم يكن بنفس قدر ارتفاعها في أوروبا)، وأن عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات عاد ليتجاوز 4%، ما سيُضعف الانتعاش الناشئ لسوق الإسكان في الولايات المتحدة. كما سيُخيب هذا الأمر آمال بعض المتداولين الذين كانوا ينظرون إلى سندات الخزانة كأداة تحوط، وأيضاً آمال كثيرين ممن توقعوا تخفيضات في أسعار الفائدة قد لا تحدث الآن. لكن الدولار لا يزال قوياً، في ظل صدمة نفطية تُؤثر بشدة في أوروبا والمستوردين في الأسواق الناشئة على المدى القصير.
مع ذلك، وكما أظهرت لنا أوكرانيا، فإن التضخم ليس ضربة واحدة. فهو يبدأ بالوقود، ثم بالغذاء، جزئياً من خلال الأسمدة (التي تعتمد بشكل كبير على مدخلات الطاقة) وغيرها من السلع التي تعتمد بشكل كبير على البترول. ويشير مات ليكستوتيس، مدير شركة إيفيسيو، وهي شركة استشارية متخصصة في سلاسل التوريد مقرها لندن، إلى أن «تضخم التكاليف الناجم عن الحرب ينتشر حالياً في قطاعات المواد والخدمات اللوجستية، فضلاً عن طول مدة النقل الذي يشكل ضغطاً مالياً على بعض الشركات. وتشمل القطاعات الأكثر عرضة للخطر البتروكيماويات والبلاستيك والألمنيوم».
في الوقت نفسه، قد تستغل الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، ميزتها الجيواقتصادية المتمثلة في سيطرتها على الكثير من الموانئ في جميع أنحاء العالم و«تحكمها بمعظم السفن على مستوى العالم»، كما يوضح ليكستوتيس. وإذا فعلت ذلك، فقد ترتفع تكاليف الشحن وتضخم أسعار السلع في العديد من القطاعات الأخرى بشكل حاد.
وهناك إلى جانب ذلك مواطن الضعف الكامنة في أسواق السندات العالمية. وكما يُظهر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026 الذي صدر الأسبوع الماضي، فقد أصبحت الأصول قصيرة الأجل، مثل سندات الخزانة، «مصدراً متزايد الأهمية للتمويل» للمشاركين في السوق، «متجاوزةً السندات ذات الفائدة الثابتة من حيث حجم الإصدار، لتشكل الآن 15% من إجمالي الدين».
في الوقت نفسه، يمتلك أصحاب الاستثمارات قصيرة الأجل، الذين يتأثرون أكثر بتقلبات الأسعار، ولا سيما صناديق التحوط، كميات أكبر من السندات الحكومية وسندات الشركات مقارنةً بالماضي. ويجعل ميلهم إلى البيع عند حدوث انكماش اقتصادي، وخاصةً خلال الأحداث الجيوسياسية، وافتقارهم للشفافية، الأسواق عرضةً للخطر بدرجة أكبر. وكما يشير الباحثون، «تميل صناديق التحوط إلى تصفية مراكزها والانسحاب من السوق تحديداً عندما تكون الحاجة إلى دعم السيولة في أشدها». وعندما تضاف إلى ذلك عوامل خطر أخرى، مثل حجم العملات المشفرة في النظام المالي، سيسهل تصور حدوث أزمة متسارعة في الأسواق.
وبقدر ما تتسم الأوضاع الجيوسياسية بالتعقيد اليوم، فإن الأوضاع الجيواقتصادية تعد أكثر تعقيداً. صحيح أن استيلاء أمريكا على النفط الفنزويلي والإيراني سيكون له آثار سلبية واضحة على الصين، وهو بالتأكيد جزء من حسابات ترامب الحربية، لكن إذا كان التأثير طويل الأجل يتمثل في رفع عوائد السندات، والتضخم الذي لن يُخفف إلا جزئياً من خلال إمدادات الطاقة المحلية الأمريكية، وعجز الموازنة الأمريكية، وفي نهاية المطاف التسبب في بيع مكثف لسندات الخزانة الأمريكية، فإن الاقتصاد الأمريكي والعالمي سيتضرران بشدة. وللأسف، كما أشرت، فإن هذه الحرب ستستمر معنا لبعض الوقت.
