انكشاف عالمي يهدد بتسريع هبوط الدولار
(العربية)-04/09/2026
أظهرت بيانات صناديق التقاعد وشركات التأمين حول العالم أن بعض أكبر المستثمرين في الأصول الأميركية يحتفظون بمستويات متدنية من التحوط ضد ضعف الدولار، ما يزيد مخاطر تعرض العملة الأميركية لموجة بيع أوسع إذا تبدلت معنويات الأسواق بشكل مفاجئ.
ووفقاً لحسابات أعدتها “بلومبرغ” استناداً إلى بيانات من 6 أسواق تشمل اليابان وكندا وتايوان وأستراليا والدنمارك وفنلندا، بلغت نسبة التحوط من انكشاف العملات الأجنبية لدى هذه المؤسسات 41% فقط حتى 30 يونيو، وهو أدنى مستوى منذ عام 2015 على الأقل.
ويعكس ذلك تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالعام الماضي، عندما دفعت المخاوف من تأثير الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب المستثمرين إلى زيادة التحوط من خسائر الدولار. ومع استقرار العملة الأميركية تدريجياً خلال الأشهر الأخيرة، خففت المؤسسات المالية تلك الإجراءات الوقائية.
ويعتمد التحوط عادة على استخدام المشتقات المالية لبيع الدولار مقابل العملات المحلية للمستثمرين، ما يعني أن أي زيادة في مستويات التحوط تتحول عملياً إلى ضغوط بيع إضافية على العملة الأميركية نظراً للحجم الضخم للأصول الأميركية في المحافظ العالمية.
استراتيجية نجحت لعقد.. لكنها تواجه اختباراً
وعاد المستثمرون خلال الفترة الأخيرة إلى استراتيجية حققت نجاحاً لسنوات طويلة، إذ اعتاد الدولار الارتفاع أو التماسك خلال فترات اضطراب الأسواق، ما كان يخفف خسائر حاملي الأسهم والسندات الأميركية عند تحويل العوائد إلى عملاتهم المحلية. كما أن ارتفاع تكلفة التحوط جعل كثيراً من المستثمرين يفضلون تحمل مخاطر العملة بدلاً من دفع تكلفة الحماية.
لكن هذه المعادلة بدأت تتعرض للاهتزاز مع تراجع تكاليف التحوط من جهة، وتزايد الشكوك حول استمرار الدولار كملاذ آمن من جهة أخرى.
وفقد الدولار نحو 2.4% من قيمته خلال الربع الحالي مقابل معظم عملات مجموعة العشر، مع عودة رهانات المستثمرين على تآكل قيمة العملة الأميركية بفعل السياسات الاقتصادية. كما ساهمت تحركات وزير الخزانة سكوت بيسنت لدعم الين الياباني والحد من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعزيز تلك المخاوف.
وزادت حالة الضبابية بسبب تساؤلات المستثمرين حول مدى استعداد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش لرفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، في ظل ضغوط إدارة ترامب للحفاظ على تكاليف اقتراض منخفضة.
وقالت رئيسة ائتمان الاقتصاد الكلي لدى “نوفين”، لورا كوبر، التي تدير أصولاً بقيمة 1.4 تريليون دولار، إن الحجم الضخم لملكية الأجانب للأصول الأميركية يعني أن أي تعديل محدود في نسب التحوط يمكن أن يخلق تدفقات كبيرة في سوق العملات.
230 مليار دولار قد تتحرك سريعاً
وأشارت تقديرات بلومبرغ إلى أن رفع نسب التحوط بمقدار 5 نقاط مئوية فقط قد يترجم إلى معاملات بقيمة نحو 230 مليار دولار، استناداً إلى حيازات أجنبية من العملات الأجنبية تبلغ 4.6 تريليون دولار في الأسواق الستة المشمولة بالدراسة.
ورغم أن التقديرات لا تشمل أسواقاً رئيسية مثل بريطانيا ومنطقة اليورو، فإن الدول التي تغطيها البيانات تمثل شريحة مؤثرة من المستثمرين الأجانب في الولايات المتحدة. وتعد اليابان أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية بما يمثل نحو 10% من إجمالي الحيازات الخارجية، فيما تأتي كندا وتايوان ضمن أكبر المستثمرين أيضاً.
تكلفة التحوط تتراجع
وبدأت العوامل التي دفعت المستثمرين إلى خفض التحوط خلال السنوات الأربع الماضية بالتغير. فقد انكمش فارق أسعار الفائدة الذي جعل التحوط مكلفاً سابقاً.
وانخفضت تكلفة التحوط على الدولار لأجل ثلاثة أشهر بالنسبة للمستثمرين اليابانيين إلى 2.75%، وهو أدنى مستوى في أربع سنوات، مقارنة بذروة بلغت 6% في أكتوبر 2023. كما تراجعت التكلفة للمستثمرين الأوروبيين إلى 1.32%، وهو أدنى مستوى في عامين.
وسبق أن شهدت الأسواق تحولات مماثلة، إذ أظهرت بيانات “دويتشه بنك” أن التدفقات نحو الصناديق المتداولة المدعومة بتحوط ضد الدولار تفوقت قبل عام على الصناديق غير المحوطة للمرة الأولى خلال العقد الحالي.
وفي الوقت نفسه، أسهمت الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة في زيادة الضغوط التضخمية عالمياً، ما دفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشدداً وتقليص فجوة الفائدة مع الولايات المتحدة.
وقال ناثان ثوفت، كبير مسؤولي الاستثمار للحلول متعددة الأصول في “مانولايف”، إن استمرار الأسواق في استبعاد مزيد من رفع الفائدة الأميركية وتراجع فروق العوائد قد يدفع المستثمرين إلى إعادة بناء مراكز التحوط، بما يشكل مصدراً مستداماً لضغوط بيع الدولار.
هل يفقد الدولار مكانته الدفاعية؟
ورأى عدد من مديري الأصول أن الاعتماد على الدولار كأداة دفاعية لم يعد مضموناً كما كان في السابق.
وقال رئيس الحلول متعددة الأصول في شركة QIC الأسترالية، ستيوارت سيمونز، إن المحافظ الأجنبية التي تصل نسبة تعرضها للدولار إلى 70% قد لا توفر الحماية نفسها في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية، داعياً إلى تنويع أكبر في سلة العملات الأجنبية.
كما أثارت خطط وزارة الخزانة الأميركية لزيادة إصدار الديون طويلة الأجل للحد من تكاليف الاقتراض، إلى جانب التدخل المشترك بين الولايات المتحدة واليابان لدعم الين، تساؤلات بشأن مدى استعداد السلطات الأميركية لدعم أسعار الأصول والعملات الأخرى حتى لو جاء ذلك على حساب الدولار.
وقال كبير استراتيجيي الأسواق في مجموعة “إيكويتي”، نور الدين الحموري، إن تراجع ثقة المستثمرين في قدرة الدولار على الارتفاع خلال فترات التوتر قد يقلل رغبتهم في الاحتفاظ بانكشافات كبيرة غير محوطة على العملة الأميركية.
وأضاف أن المستثمرين ليسوا مضطرين إلى بيع الأسهم أو السندات الأميركية، إذ يمكنهم الاحتفاظ بالأصول نفسها مع زيادة التحوط عبر بيع الدولار في العقود الآجلة، وهو ما يسمح باستمرار الطلب على الأصول الأميركية مع تعرض الدولار في الوقت ذاته لضغوط هبوطية.
اليابان في قلب المشهد
وبرزت اليابان باعتبارها المرشح الأبرز لأي تحول كبير في سلوك التحوط، نظراً لكونها من أكبر المستثمرين في الأصول الأميركية.
وأظهرت تقديرات “دويتشه بنك” أن المستثمرين اليابانيين قاموا بتحوط 41% فقط من مشترياتهم الجديدة للسندات الأجنبية خلال النصف الأول من العام الجاري، مقارنة مع 62% في عام 2024.
وقال كبير استراتيجيي الدخل الثابت في البنك باليابان، شوكي أوموري، إن آخر مرة هبطت فيها مستويات التحوط إلى هذه المستويات كانت عام 2013 عندما كان الدولار على أعتاب دورة صعود استمرت عقداً كاملاً، لكن الظروف الاقتصادية الحالية تبدو أقرب إلى الصورة المعاكسة.
ورجح أوموري ثلاثة عوامل قد تدفع المستثمرين إلى زيادة التحوط، تشمل رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، أو حدوث هبوط حاد للدولار يفاقم الخسائر، أو تطبيق قواعد جديدة للملاءة المالية تقلص قدرة شركات التأمين على تحمل تقلبات العملات.
وفي المقابل، حذر استراتيجي العملات لدى “ويلز فارغو”، إريك نيلسون، من المبالغة في تقدير أثر التحوط على اتجاه الدولار على المدى الطويل، معتبراً أن السياسة النقدية ستظل العامل الأكثر تأثيراً. لكنه توقع زيادة الطلب على التحوط مع انخفاض تكلفة المراهنة ضد الدولار.
وأضاف أن اليورو قد يكون المستفيد الأكبر من أي تغيير في سلوك المستثمرين، نظراً لضخامة استثمارات الصناديق الأوروبية غير المحوطة في الأسهم الأميركية، مشيراً إلى أن أي دلائل على ضعف أداء الدولار خلال فترات العزوف عن المخاطرة قد تدفع إلى تحول سريع في استراتيجيات التحوط وتسريع وتيرة هبوط العملة الأميركية.
