ترامب يضع الأمن الأوروبي على المحك… وفاتورة اقتصادية ضخمة تلوح في الأفق
(سي ان بي سي)-08/09/2026
باتت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين باتت تُضعف قوة الردع في مواجهة روسيا، بدلاً من أن تعززها، وفق وصف محللين أوروبيين,
فمزيج الضغط السياسي والتشكيك المتكرر في التزامات الدفاع المشترك، إلى جانب استنزاف الترسانة العسكرية الأميركية في مواجهات أخرى كحرب إيران، يرسل لموسكو رسالة مفادها أن بإمكانها التمادي دون ثمن حقيقي.
هذا التحول لا يقتصر أثره على الجانب الأمني فحسب، بل يفرض على أوروبا كلفة اقتصادية متصاعدة تتمثل في إعادة تسليح غير مسبوقة منذ الحرب الباردة.
زيارة موسكو الغامضة
وتفجرت التساؤلات مؤخراً حول الزيارة غير المعلنة التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو، والتي استمرت ساعات معدودة والتقى خلالها بمسؤولين استخباراتيين روس رفيعين من دون أن يجتمع بالرئيس فلاديمير بوتين شخصياً، بحسب ما أكده المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف.
وحملت الزيارة تحذيراً لموسكو من مغبة اختبار التزام الناتو بالمادة الخامسة، في وقت رصدت فيه الاستخبارات الأميركية مؤشرات على أن روسيا قد تلجأ إلى عمليات تخريب أو هجمات سيبرانية أو حتى اجتياح محدود لأراضي حلف شمال الأطلسي، وفق شبكة CNBC.
في المقابل، أشارت تقارير إلى أن جزءاً من رسالة راتكليف ربما كان يتعلق بالضغط على موسكو لقطع الدعم عن إيران وإعادة فتح مضيق هرمز.
أما مجلس العلاقات الخارجية الأميركي فرجّح أن تكون الزيارة موجهة أيضاً لإدارة الانطباعات الداخلية والحلفاء، أكثر من كونها رسالة ردع صارمة بمفردها.
هذا التضارب في التفسيرات يعكس بحد ذاته حالة الغموض التي تكتنف استراتيجية واشنطن تجاه أوروبا.
هل تلتزم واشنطن بالمادة الخامسة؟
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، ربط ترامب مراراً استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن حلفاء الناتو بمدى التزامهم بدفع “فواتيرهم” الدفاعية، محذراً من أن التقصير قد يترك الباب مفتوحاً أمام روسيا “لتفعل ما تريد”.
كما وصف الحلف في أوقات سابقة بـ”النمر الورقي” وقادته بـ”الجبناء”، وسط تلميحات بإعادة النظر في استمرار عضوية واشنطن فيه.
هذا الغموض المتعمد، يقوّض عنصراً جوهرياً في الردع التقليدي: اليقين لدى الخصم بأن أي اعتداء سيُقابل برد حاسم، بحسب تحليل صحفي لفيليب غوردون، في فينانشال تايمز.
اختبار “الولاء“
وبالتوازي مع زيارة موسكو، توجّه وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات، إلبريدج كولبي، إلى بروكسل لمخاطبة سفراء دول الناتو، حاملاً رسالة مختلفة تماماً عن لهجة الردع، وهي مطالبة أوروبا بتحمّل العبء الأكبر في الدفاع عن نفسها.
وأبلغ كولبي الحلفاء أن أولويات واشنطن الدفاعية تتجه نحو نصف الكرة الغربي وسلسلة الجزر الأولى في آسيا، في إطار مراجعة شاملة لانتشار نحو 80 ألف جندي أمريكي في أوروبا، من المقرر أن تُستكمل بحلول ديسمبر المقبل.
ونقلت وكالة رويترز عن استبيان أُرسل إلى الدول الأعضاء أسئلة تتعلق بمدى دعمها للأولويات الخارجية الأميركية، وما إذا كانت قد قيّدت وصول القوات الأميركية إلى قواعدها أو مجالها الجوي، وهو ما وصفه بعض الدبلوماسيين الأوروبيين، بأنه أقرب إلى “اختبار ولاء” منه إلى استشارة استراتيجية حقيقية، بحسب صحيفة “يو إس نيوز آند وورلد ريبورت”،
وتشير تقارير أخرى إلى أن كولبي يطلق على هذا التحول اسم “الناتو 3.0″، وهو مصطلح رحّب به الأمين العام للحلف مارك روته باعتباره وصفاً دقيقاً لمرحلة تعتمد فيها أوروبا وكندا بشكل أكبر على قدراتهما الذاتية.
الفاتورة الاقتصادية
هذا التحول في الموقف الأميركي يترجم إلى أرقام اقتصادية ضخمة.
فبحسب بيانات حلف الناتو، رفعت الدول الأوروبية الأعضاء وكندا إنفاقها الدفاعي بنسبة تقارب 20% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، لتتجاوز جميعها للمرة الأولى منذ عقود عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
فيما تعهد الحلف في قمة لاهاي برفع السقف إلى 3.5% كإنفاق دفاعي أساسي إضافة إلى 1.5% كإنفاق أمني موسّع، ليصل الإجمالي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
وقد يقفز الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى نحو 800 مليار يورو سنوياً بحلول نهاية العقد الحالي، مقارنة بمستويات تضاعفت بالفعل منذ عام 2019، وفق تقديرات بنك “ماكينزي” الاستشاري،
وعلى المستوى الوطني، رفعت ألمانيا موازنتها الدفاعية من 1.27% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 إلى أكثر من 2.1% في 2025، مع خطط للوصول إلى نحو 162 مليار يورو و3.2% من الناتج بحلول 2029، بعد إصلاح “كابح الدين” الدستوري.
كما رفعت فرنسا إنفاقها إلى 68.5 مليار يورو (2.25% من الناتج)، رغم ضغوط عجز الموازنة، بينما تتصدر بولندا ودول البلطيق (لاتفيا وإستونيا وليتوانيا) الترتيب النسبي بمعدلات تجاوزت 3.5% إلى قرابة 4.5% من ناتجها المحلي.
لكن دراسات اقتصادية، من بينها ورقة بحثية لصندوق النقد الدولي ومقال تحليلي لمركز أبحاث السياسات الاقتصادية “CEPR”، تحذّر من أن هذا التوسع، رغم قدرته على تحفيز النمو قصير المدى عبر تنشيط الصناعات الدفاعية وسلاسل التوريد المحلية، يحمل في طياته مخاطر مالية جدية، وفق فينانشال تايمز.
ومنها ضغوط تتعلق بالموازنات العامة، وتنافس مع بنود إنفاق أخرى كالمناخ والرعاية الصحية، وحاجة إلى إعادة موازنة مالية متوسطة المدى.
بل إن بعض التحليلات الاقتصادية المتشددة تصف هدف الـ5% بأنه “مستحيل هيكلياً” لدول ذات مديونية مرتفعة أصلاً دون المخاطرة بأزمة مالية.
تصاعد “الهجمات الهجينة” الروسية
وفي خضم هذا الجدل، تتزايد الحوادث التي تصنّفها الاستخبارات الغربية ضمن “الهجمات الهجينة” الروسية، منها طائرات مسيّرة محمّلة بمتفجرات رُصدت قرب مطار لايبزيغ الألماني، وفي بلغاريا، وانفجارات طالت مصانع أسلحة ومواقع حساسة في إستونيا وإيطاليا وسلوفاكيا وهولندا، إلى جانب عمليات تخريب للبنية التحتية وهجمات سيبرانية ومخططات لاستهداف تنفيذيين في صناعة الدفاع. هذه التطورات تعزز حجة غوردون بأن تراجع الردع الأميركي يتزامن مع تصاعد فعلي، لا افتراضي، للتهديد الروسي.
معادلة الأمن والاقتصاد
ويضع هذا المشهد أوروبا أمام معادلة مزدوجة، فمن جهة، ضرورة تعويض أي فراغ أمني محتمل تتركه واشنطن عبر إنفاق دفاعي متصاعد يستنزف الموازنات العامة.
ومن جهة أخرى، الحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار المالي وسط ديون مرتفعة أصلاً في بعض الاقتصادات الكبرى كفرنسا وإيطاليا.
وبينما يرى مسؤولو الناتو في هذا التحول فرصة لبناء “ركيزة أوروبية” أكثر استقلالية، يحذّر محللون من أن غياب اليقين بشأن الموقف الأميركي قد يجعل هذا الاستثمار الدفاعي الضخم غير كافٍ لسد فجوة الردع، في وقت لا تزال فيه المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية مترابطة أكثر من أي وقت مضى.
