من 5 إلى 40 تريليون دولار.. لماذا تختلف عوائد الـ5% هذه المرة؟
(سي ان بي سي)-10/09/2026
مصطفى فهمي أبو العلا*
“الدين الأميركي زاد بنحو 35 تريليون دولار خلال ثلاثة عقود.. بما يعادل 133 مليون دولار كل ساعة”..
تقترب عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات من مستوى 5%. وقد يبدو الرقم مجرد حركة أخرى في سوق السندات، لكنه يستحق الانتباه؛ فعائد العشر سنوات يعد من أهم الأسعار المرجعية للمال طويل الأجل، وتمتد آثاره إلى قطاعات عديدة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
لكن الـ 5% ليست رقمًا جديدًا على الاقتصاد الأميركي، وليس مستوى تبدأ عنده أزمة تلقائيًا؛ فقد عاشت الولايات المتحدة مع عوائد أعلى منها في فترات سابقة، ومنها التسعينيات. الفارق هذه المرة هو الاقتصاد الذي يستقبلها اليوم.
كما أن سرعة ارتفاع العوائد ومدة بقائها عند مستويات مرتفعة تحددان حجم الأثر؛ فكلما كان الارتفاع أسرع واستمر لفترة أطول، أصبح التكيف مع تكلفة ارتفاع العوائد أكثر صعوبة.
ولفهم لماذا تختلف الـ 5% اليوم عن الماضي، يمكن البدء من أحد أكبر المتغيرات خلال العقود الثلاثة الماضية وهو: حجم الدين الأميركي.
تراكم الدين الأميركي.. 133 مليون دولار في الساعة خلال ثلاثة عقود.
لفهم لماذا تختلف عوائد الـ 5% اليوم عن الماضي، يمكن العودة ثلاثين عامًا إلى 1996، وهي فترة كانت فيها عوائد سندات الخزانة أعلى من مستوياتها الحالية…لكن الوضع المالي للولايات المتحدة آنذاك كان مختلفًا، ويظهر ذلك بوضوح عند النظر إلى حجم الدين.
في 1996، بلغ إجمالي الدين الفدرالي الأميركي نحو 5.2 تريليون دولار، منها نحو 3.7 تريليون دولار ديونًا يحملها المستثمرون والجمهور، وكانت تعادل نحو 48.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما في 2026، فقد تجاوز إجمالي الدين الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى (بما يعادل نحو 129.9% من الناتج المحلي الإجمالي).، فيما يقدر مكتب الميزانية في الكونغرس الدين الذي يحمله المستثمرون والجمهور فقط بنحو 32.1 تريليون دولار (بما يعادل نحو 101% من الناتج المحلي الإجمالي).
وبذلك ارتفع إجمالي الدين الأميركي بنحو 670% خلال ثلاثة عقود، وأصبح يقارب 7.7 مرة مستواه في 1996. وبحساب الزيادة البالغة نحو 35 تريليون دولار على امتداد هذه الفترة، فإنها تعادل في المتوسط نحو 3.2 مليار دولار يوميًا، أو قرابة 133 مليون دولار في الساعة.
لكن المقارنة الأهم ليست في عدد التريليونات وحده. فالدين الذي يحمله المستثمرون والجمهور ارتفع من نحو 48.5% من حجم الاقتصاد الأميركي في 1996 إلى نحو 101% في 2026؛ أي أن عبء دين المستثمرون والجمهور نسبة إلى الناتج أصبح أكثر من ضعف مستواه قبل ثلاثين عامًا.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي: الـ 5% ليست جديدة على الولايات المتحدة، لكن الولايات المتحدة التي تستقبلها اليوم ليست هي الولايات المتحدة التي استقبلتها قبل ثلاثين عامًا. فالعائد نفسه يأتي اليوم على قاعدة ديون أكبر بكثير نسبة إلى حجم الاقتصاد، وفي وقت يبلغ فيه العجز الفدرالي للميزانية نحو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن اختلاف حجم الدين ليس سوى جزء من الصورة؛ فبقاء العائد قرب 5% تمتد آثاره إلى قطاعات مختلفة.
من سيتأثر بعائد الـ 5%.. وكيف؟
1- حاملو السندات القديمة
عندما ترتفع العوائد، تنخفض أسعار السندات القائمة (قيمة السند نفسه)، لأن السند القديم بعائده المنخفض يصبح أقل جاذبية أمام الإصدارات الجديدة التي تقترب من 5%. لذلك يظهر الأثر سريعًا في محافظ المستثمرين والصناديق والبنوك، خصوصًا إذا اضطرت إلى بيع هذه السندات قبل استحقاقها للحصول على السيولة.
2- سوق الأسهم
عندما يستطيع المستثمر الحصول على عائد يقترب من 5% من سندات الحكومة الأميركية، تصبح الأسهم أمام منافس أقوى وأقل مخاطرة. وهذا قد يدفع جزءًا من الأموال نحو السندات ويضغط على أسعار الأسهم وتقييماتها، خصوصًا شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والنمو ذات التقييمات المرتفعة. ولا يعني ذلك خروج المستثمرين تلقائيًا من الأسهم، لكنه يجعل سندات الخزانة منافسًا أقوى على أموالهم.
3- الشركات
ارتفاع عائد سندات الخزانة يرفع تكلفة الاقتراض على الشركات أيضًا. فإذا اقترب عائد سندات الخزانة من 5%، فقد تضطر بعض الشركات إلى الاقتراض عند 6% أو 7% أو أكثر، بحسب مخاطرها وتصنيفها الائتماني.
ويظهر الأثر بشكل أكبر عندما يحين موعد ديون قديمة اقترضتها الشركات بفائدة منخفضة، وتضطر إلى إعادة تمويلها بفائدة أعلى، ما يزيد مصروفات الفوائد ويقلل الأموال المتاحة للاستثمار والتوسع بل وقد يتسبب في تعثرها مع الوقت.
4- الإسكان والمستهلك
معدلات الرهن العقاري تتحرك عادة في الاتجاه نفسه مع عائد سندات العشر سنوات، وإن كانت أعلى منه. لذلك فإن بقاء العائد قرب 5% قد يعني استمرار تكلفة شراء المنازل عند مستويات مرتفعة.
وببساطة، كلما ارتفعت الفائدة ارتفع القسط الشهري للمنزل، وتراجعت قدرة الأسرة على الشراء. كما أن ارتفاع تكلفة القروض عمومًا يستهلك جزءًا أكبر من دخل الأسر، ويترك أموالًا أقل للإنفاق على السلع والخدمات ما يضعف القدرة الاستهلاكية للأسرة والفرد.
5- البنوك والمؤسسات المالية
ارتفاع العوائد يخفض قيمة السندات طويلة الأجل الموجودة في محافظ البنوك والمؤسسات المالية. ولا يعني ذلك أزمة مصرفية تلقائيًا، لكن الخطر يرتفع عندما تجتمع خسائر السندات (انخفاض قيمتها) مع الحاجة إلى السيولة وارتفاع تكلفة التمويل، خصوصًا إذا اضطرت المؤسسة إلى البيع وتحويل الخسائر الورقية إلى فعلية.
6- الحكومة الأميركية
وصول العائد إلى 5% لا يعني أن واشنطن ستدفع هذه الفائدة على كامل ديونها فورًا. لكن مع إصدار ديون جديدة وإعادة تمويل الديون المستحقة، تدخل تكلفة الاقتراض الأعلى تدريجيًا إلى فاتورة خدمة الدين.
وكلما طال بقاء العوائد مرتفعة، زاد الضغط: فوائد أعلى تعني عجزًا أكبر، والعجز الأكبر يحتاج إلى اقتراض أكبر. لذلك فإن مدة بقاء العائد قرب 5% قد تكون أهم من مجرد وصوله إليها
7- الأسواق الناشئة والدولار
إذا كان المستثمر يستطيع الحصول على عائد يقترب من 5% من الحكومة الأميركية، فسوف يطلب عائدًا أعلى حتى يقرض دولة ناشئة ويتحمل مخاطر أكبر.
وهذا يرفع تكلفة الاقتراض وإعادة تمويل الديون على الدول والشركات في الأسواق الناشئة. كما قد تجذب العوائد الأميركية المرتفعة الأموال نحو الولايات المتحدة، فتدعم الدولار وتضغط على بعض العملات، وتجعل سداد الديون الدولارية أكثر تكلفة.
8- المنافسة على رأس المال
هنا تجتمع كل الخيوط. فالحكومة الأميركية تحتاج إلى الأموال لتمويل عجزها، والشركات تحتاج إليها للاستثمار والتوسع، والأسواق الناشئة تحتاج إليها لتمويل وإعادة تمويل ديونها، بينما تتطلب قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية استثمارات ضخمة. والجميع يتنافس على أموال المستثمر نفسه.
وعندما يستطيع المستثمر الحصول على عائد يقترب من 5% من سندات الحكومة الأميركية، يصبح على الآخرين تقديم عائد أعلى حتى يجذبوا أمواله. وبالتالي، لا يصبح المال أغلى فقط، بل تصبح المنافسة عليه أصعب أيضًا.
في النهاية، يبقى السؤال: هل يستطيع الاقتصاد الأميركي والعالمي تحمل هذه الكلفة، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحولات كبيرة ومخاطر ائتمانية وجيوسياسية متزايدة؟ وإذا استمرت تكلفة المال عند هذه المستويات لفترة أطول، فمن سيكون أول من يدفع الثمن؟
*رئيس الاستراتيجيات في شركة فورتريس للاستشارات
