الذكاء الاصطناعي يقتحم أسواق الدين.. كيف تنافس شركات التكنولوجيا الحكومات على التمويل العالمي؟
(سي ان بي سي)-02/10/2026
تسعي شركة ميتا (Meta) لتمويل توسعها في الذكاء الاصطناعي من خلال طرح سندات في سوق الدين الأوروبية للمرة الأولى هذا الخريف، وذلك ضمن موجة اقتراض قياسية تقودها عمالقة التكنولوجيا وتغير طريقة اقتراض الشركات والدول حول العالم، بحسب مستثمرين مطلعين على أهدافها، وفق تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز .
وتمثل الخطوة المحطة الأحدث في سباق غير مسبوق للحصول على الأموال من مصادر جديدة وقديمة، وله تبعات كبيرة على بقية المقترضين خلال دورة الاستثمار الضخمة الحالية في الذكاء الاصطناعي. ولم ترد ميتا على طلب للتعليق على خططها لجمع الأموال في أوروبا.
تغيير قواعد اللعبة
وقال الرئيس المشارك للاستثمار في أعمال الائتمان لدى مدير الأصول بي جي آي إم، غريغ بيترز، إن الرواية الشاملة هي في كل مكان وأي مكان، مضيفاً أن حجم الديون المطروحة في السوق تاريخي وأن الأرقام ضخمة للغاية وأن ما يجري تحول جذري.
وغيرت موجة التمويل هذه طريقة اقتراض العالم، وأثرت في أماكن إصدار الشركات والحكومات للديون وتوقيتها وكلفتها. ويرى بعضهم أنها قد تكون أكبر تحول منذ نشأة سوق اليوروبوند في ستينيات القرن الماضي.
واضطرت شركات كثيرة إلى التحرك بحذر حول عمالقة الحوسبة السحابية، فباتت تختار توقيت إصدار سنداتها لتتفادى التزامن مع إصدارات شركات التكنولوجيا الكبرى، وتقترض في كثير من الأحيان لآجال أقصر لتجنب تخمة الديون طويلة الأجل في السوق، بحسب مستثمرين.
ولم يستثنِ التأثير أكبر اللاعبين الماليين، فقد قال رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي كيفن وارش ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن هذه الشركات تنافس على رأس المال سوق سندات الخزانة الأميركية البالغة 31 تريليون دولار، التي بلغت فيها كلفة اقتراض العشر سنوات الأسبوع الماضي أعلى مستوى منذ عام 2007.
وأعرب موظفو البنك المركزي الأوروبي عن قلقهم من أن يصعّب ارتفاع اقتراض شركات التكنولوجيا الكبرى حصول الشركات والقطاعات الاقتصادية الأخرى على التمويل.
وتساءلوا في تدوينة الشهر الماضي: هل تستطيع الأسواق المالية في منطقة اليورو استيعاب تدفقات دين بهذا الحجم والتركز بسلاسة؟.
أرقام قياسية
وحطم حجم الاقتراض السوابق كلها. فقد جمعت مجموعة سوفت بنك اليابانية الأسبوع الماضي أكثر من 11 مليار دولار في أكبر إصدار لسندات عالية المخاطر في التاريخ، لتمويل استثمار في أوبن إيه آي (OpenAI)، الشركة المطورة لتشات جي بي تي (ChatGPT).
وبحسب غولدمان ساكس، قدم المستثمرون نحو 500 مليار دولار من التمويل لمجموعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي منذ بداية العام. وتستحوذ الشركات العملاقة في الحوسبة السحابية، وهي أمازون وألفابت وميتا ومايكروسوفت وأوراكل، على نحو 200 مليار دولار من الإجمالي، ويتوقع أن تصدر أكثر من تريليون دولار من الديون الجديدة خلال السنوات المقبلة لتمويل استثماراتها الضخمة في البنية التحتية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي.
وأتاح هذا الطلب الهائل أسواق ائتمان قادرة على استيعاب إصدارات أكبر وأطول أجلاً من أي وقت مضى، لكنه شوه التسعير، إذ تتداول سندات عالية التصنيف أحياناً بخصم مقارنة بسندات أدنى جودة بسبب التخمة المفاجئة في المعروض.
وينطوي الوضع على مخاطر جديدة أيضاً. فشركات صناعة الرقائق ومشغلو مراكز البيانات ومزودو الطاقة لها يقترضون جميعاً من أسواق الائتمان العامة والخاصة ويمولون بعضهم بعضاً، ما يصعّب على صناديق التقاعد وشركات التأمين التي تشتري ديونهم تقييم حجم انكشافها الفعلي على القطاع. وأثارت الترابطات بين المقترضين، في قطاع جديد لا يزال مساره بعيد المدى غير واضح، مخاوف من أن يجر تعثر أحدهم آخرين معه.
وقال الرئيس العالمي المشارك لتغطية إصدارات الدين ذات التصنيف الاستثماري لدى باركليز، سكوت شولتي، إن الرهان في اتجاه واحد حتماً، فما دام كل شيء يسير على ما يرام فالأمر جيد، لكن ما إن تظهر مشكلة في أي مكان فإن المنظومة متشابكة إلى حد بعيد.
كم يمكننا أن نصدر؟
طرحت شركات التكنولوجيا الكبرى في عام 2025، حين كانت إصدارات ديون عمالقة الحوسبة السحابية في بدايتها، تحدياً على مصرفييها.
وبحسب شولتي، كان السؤال: كم من الديون يمكننا أن نصدر خلال العام؟ ولم يقصدوا السوق المحلية الأكبر في العالم فقط، بل أرادوا معرفة الحد الأقصى الممكن اقتراضه عبر العملات وعلى مستوى العالم.
وأمضى المصرفيون ذلك العام في إجراء حسابات دقيقة لتحديد الطاقة الاستيعابية الفعلية في كل سوق، ثم بدأوا التنفيذ من السوق الأكثر معرفة لديهم، وهي سوق السندات الأميركية للشركات البالغة 12 تريليون دولار.
وقال رئيس الدخل الثابت العالمي لدى أفيفا إنفستورز، فريزر لوندي، إن صدمة المعروض التي تلت ذلك أثقلت المستثمرين سريعاً، فمع وفرة الديون المعروضة تمكنوا من المطالبة بأسعار أقل، أي عوائد أعلى أو كلفة اقتراض أعلى على عمالقة الحوسبة السحابية.
وأضاف استراتيجي الائتمان متعدد الأصول لدى بيمكو، لطفي قروي، أن إعادة التسعير في سندات هذه الشركات، التي اقتربت في بعض الحالات من مستويات السندات عالية المخاطر أو الأدنى جودة، تحدث لأن خط الإصدارات غير قابل للتوقع حالياً.
ورفعت غوغل وأمازون ومايكروسوفت وميتا خلال موسم أرباح الربع الثاني توقعاتها للإنفاق الرأسمالي هذا العام إلى 745 مليار دولار مجتمعة.
وقال قروي إن السوق لم تجد بعد نقطة استقرار للإنفاق الرأسمالي والمعروض، وإن وتيرة مراجعات الإنفاق وحجمها كبيران للغاية.
سوقان ائتمانيتان في سوق واحدة
بقيت إعادة التسعير محصورة في معظمها بأسماء شركات التكنولوجيا نفسها حتى الآن، وقال كبير مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت لدى إم آند جي (M&G)، آندي تشورلتون، إن لدينا حالياً سوقين ائتمانيتين تقريباً، هما المصدرون المرتبطون بالذكاء الاصطناعي والجميع الآخرون.
لكنه أعرب عن قلقه من أن تنجر كلفة الاقتراض لجميع مصدري الشركات عالية الجودة إلى الارتفاع مع الوقت، مؤكداً أن هذا أمر تركز عليه الشركة.
ولا توجد مؤشرات تذكر إلى أن ارتفاع كلفة التمويل يثني عمالقة التكنولوجيا عن إصدار مزيد من الديون.
وقال بيترز من بي جي آي إم، في إشارة إلى طموح سبيس إكس (SpaceX) لبناء مراكز بيانات في الفضاء، إن إيلون ماسك يسعى إلى استعمار المريخ، ولا يهمه أن يفرض عدد من مستثمري السندات مئة نقطة أساس إضافية.
وقدمت بعض هذه الشركات تطمينات للمستثمرين لتفادي إغراق السوق، منها التعهد بعدم إصدار ديون في ربعين متتاليين.
ومع ذلك تتزايد مخاوف شركات من قطاعات أخرى من أن تزاحمها الإصدارات الضخمة لعمالقة الحوسبة السحابية، فطرح إصدار بالتزامن مع أوراكل أو أمازون قد يعني كلفة أعلى، لأن مشتري السندات يحتفظون بالسيولة لتوظيفها في الإصدار المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وقال الرئيس المشارك للدخل الثابت العالمي ذي التصنيف الاستثماري لدى مدير الأصول نيوبرغر بيرمان، ديفيد براون، إنه عندما يقترب إصدار كبير مرتبط بالذكاء الاصطناعي من السوق فإن الشركة ستستعد له بالتأكيد، وستؤجل عملياتها أو تتأكد من امتلاك القدرة على استيعاب ذلك الإصدار.
عمالقة التكنولوجيا في جولة عالمية
ودفع حجم الاقتراض وتأثيره في التسعير حتى في سوق السندات الأميركية المتطورة شركات التكنولوجيا الكبرى ومصرفييها إلى السفر حول العالم، فتوالت الأرقام القياسية.
باعت أمازون في يونيو/حزيران ديوناً بقيمة 14 مليار دولار كندي (10 مليارات دولار)، محطمة الرقم القياسي السابق للعملة الكندية البالغ 8.5 مليار دولار كندي الذي سجلته ألفابت قبل أسابيع قليلة.
وقال رئيس أسواق رأس المال للدين في كندا لدى تي دي سيكيوريتيز ، عبيد رامجي، إن على المقترضين الكنديين الآن التأكد من أنهم لا يدخلون في مواجهة مباشرة مع الصفقات الكبرى، مضيفاً أن نوافذ الدخول إلى السوق باتت أهم بكثير مما كانت عليه في الماضي.
لكنه أشار إلى أن قدرة كندا على استيعاب الصفقات الكبيرة ساعدت في الترويج لها سوق ائتمان قوية، وشجعت شركات أخرى على زيادة حجم إصداراتها، مؤكداً أنه لا يعتقد أن ذلك ينتقص من أي طلب وأن الكعكة تكبر.
وأصدرت ألفابت الشهر الماضي سندات قياسية في أستراليا بقيمة 5.5 مليار دولار أسترالي (3.9 مليار دولار)، أي أكثر من ضعف الرقم القياسي السابق.
وتحمل المجموعة أيضاً الرقم القياسي لأكبر إصدار بالفرنك السويسري بعد أن جمعت 3.1 مليار فرنك (3.7 مليار دولار) في فبراير/شباط، فيما يأتي عرض أمازون البالغ 2.8 مليار فرنك في مايو/أيار في المرتبة الثانية.
ودفع سيل الديون في أسواق كانت أقل استقطاباً حتى الآن كلفة الاقتراض للشركات الأخرى إلى الارتفاع، وحملها على تعديل توقيت صفقاتها أو آجالها، بحسب مستثمرين.
وأظهر تحليل أجرته باركليز لسوق الائتمان الأوروبية أن سندات الشركات غير العملاقة تحقق أداء أدنى في أجزاء السوق التي شهدت أكثر إصدارات عمالقة الحوسبة السحابية، مثل السندات الأطول أجلاً والأعلى تصنيفاً.
ويبدو الأمر نفسه في كندا، إذ يتداول مؤشر الائتمان الكندي الأعلى جودة من فئة إيه إيه (AA)، الذي تقع فيه أمازون وألفابت، بخصم مقارنة بمؤشر السندات المصنفة إيه منذ الصفقتين القياسيتين.
ورغم أن صفقات هذه الشركات قد تمثل حصة كبيرة من الإصدارات الحالية في أسواق العملات الأجنبية منفردة، فإن إجمالي ديونها القائمة يشكل جزءاً صغيراً نسبياً من مؤشرات السندات.
وقال رئيس تداول الائتمان العالمي لدى مورغان ستانلي، رحان لطيف، إن النظر إلى نسبة الديون القائمة في مختلف الأسواق يظهر أن طاقة اليورو لاستيعاب ديون هذه الشركات لم تستغل بعد.
وأنعشت الصفقات الجديدة بعض الأسواق الأصغر، بحسب مصرفيين، وقال رئيس أسواق رأس المال للدين العالمية لدى إتش إس بي سي (HSBC)، آدم بوثامي، إن خط الشركات الراغبة في الاقتراض بالجنيه الإسترليني كان أبطأ هذا العام إلى أن تدخلت هذه الشركات، مضيفاً أن الصفقات الكبيرة ساعدت فعلاً وزادت الاهتمام بسوق الإسترليني.
وباعت ألفابت سندات بالإسترليني بقيمة 5.5 مليار جنيه في فبراير/شباط، ضمن حزمة قيمتها 31.5 مليار دولار شملت سنداً نادراً لأجل 100 عام بقيمة مليار جنيه، يرى بعضهم أنه أعاد إحياء الاهتمام بالديون الإسترلينية طويلة الأجل.
وجمعت أمازون بدورها 4.25 مليار جنيه في وقت سابق من الشهر الجاري، في أول إصدار لها بالإسترليني.
مخاوف من آجال المئة عام
وحذر بعض المستثمرين من أن المجهول كبير في ابتلاع ديون جديدة بهذا الأجل الطويل.
وقال بيترز من بي جي آي إم إن المستثمرين يشترون عملياً ديوناً غير مضمونة لأجل يصل إلى 100 عام في تكنولوجيا تحويلية، مضيفاً، دون رغبة في التبسيط المفرط، أن 100 عام مدة طويلة، وأنه لا يراها معادلة جيدة بين المخاطر والعائد، فهي غير قابلة للمعرفة.
وأشار رئيس السندات العالمية للشركات لدى بنك فونتوبل السويسري، كريستيان هانتل، إلى الجوانب العملية للتوجه إلى أسواق دين أصغر، قائلاً إن الأسواق المحلية ستمتلئ أسرع من سوق الدولار، وإن بعض الأسواق الأصغر مثل السويسرية والإسترلينية والكندية تقترب من حدها الأقصى قريباً.
تأثير سندات الخزانة
تأتي موجة ديون الذكاء الاصطناعي في لحظة هشة للمستثمرين في السندات عالمياً، إذ ترتفع كلفة اقتراض الحكومات في اقتصادات متقدمة مثل أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا إلى مستويات لم تشهدها منذ أواخر العقد الأول من القرن الحالي.
ويدور جدل ساخن في وول ستريت حول ما إذا كان المستثمرون قد خرجوا من الديون الحكومية لشراء سندات عمالقة التكنولوجيا، كما يقول بعض مراقبي الائتمان.
وقالت كبيرة مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت لدى فيديليتي إنترناشيونال، ماريون لو موريدك، إن ديون هذه الشركات تنافس السندات الحكومية بوضوح، وإن سؤال الاستثمار في سند لأجل 30 عاماً من إحدى هذه الشركات مقابل سند حكومي أصبح وجيهاً بعدما لم يكن كذلك.
وأضافت أن الشركات تقدم قصة ائتمان خالصة جذابة، مع تراجع تسامح المستثمرين مع عجز الحكومات عن كبح العجز والإنفاق.
ويرى آخرون أن الأمر أقل يقيناً، ويعتبرون أن تراجع السندات الحكومية يعود أساساً إلى عوامل اقتصادية كلية مثل التضخم والعجز المالي.
وقال بوثامي من إتش إس بي سي إن الأرقام على جانب الديون السيادية أكبر بكثير، وإن القول بأن إصدارات هذه الشركات تتسبب في ارتفاع مستدام في العوائد السيادية مبالغة.
ويصعب إثبات أن المستثمرين يتخلون عن السندات الحكومية لصالح ديون الشركات، لكن الأسواق اهتزت بوصول بائعين كبار للديون لا يتأثرون نسبياً بالأسعار، في وقت قلصت فيه فئات تقليدية من مشتري السندات مشترياتها، ولا سيما البنوك المركزية وصناديق التقاعد ذات الاشتراكات المحددة.
وكتب محللو بلاك روك الأسبوع الماضي أن تصادم الاقتراض الحكومي الكثيف مع احتياجات تمويل الذكاء الاصطناعي المتنامية، واستمرار الطلب على رأس المال، أحد أسباب اعتقادهم بأن كلفة الاقتراض قد تبقى مرتفعة.
وقال رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي العالمية لدى مورغان ستانلي، ماثيو هورنباك، إن جزءاً من تراجع سندات الخزانة الأميركية الذي رفع العوائد قد يعود إلى تحوط البنوك أو الوسطاء من انكشافهم الائتماني على هذه الشركات، وهم المعروفون بالمتعاملين الرئيسيين حين يوفرون السيولة لبيع السندات المصدرة سابقاً وشرائها.
وأضاف أن هناك قدراً ضئيلاً من الأدلة، عبر حيازات المتعاملين الرئيسيين الأميركيين من سندات الشركات، على أن إصدارات هذه الشركات تؤثر في عوائد الخزانة الأميركية، لكنه شدد على أنه عامل أصغر بكثير من الاتجاه الصعودي لأسعار الفائدة الأميركية وتدهور التوقعات المالية للولايات المتحدة.
ويعتقد بعض المستثمرين أن السلطات المسؤولة عن خطط إصدار الديون الحكومية باتت مضطرة إلى التفكير مطولاً في توقيت مزاداتها لتجنب منافسة صفقة رائجة لإحدى هذه الشركات.
وقالت كبيرة مسؤولي العمليات للدخل الثابت لدى ألسبرينغ غلوبال إنفستمنتس، هنرييت باكمان، إننا بدأنا نرى دولاً تفكر في إصدارات الذكاء الاصطناعي، فتتجه إلى آجال أقصر أو تتجنب التوقيتات التي تتوقع فيها إصدارات من هذا النوع.
تزايد المخاطر
تتزايد المخاطر المرتبطة بأي تراجع في القطاع مع اتساع حصة الذكاء الاصطناعي في أسواق الائتمان حول العالم، وهو قطاع يؤثر الآن في أسواق رأس المال كلها بدرجة ما.
وتلبى غالبية احتياجات الذكاء الاصطناعي من الديون في سوق الائتمان ذي التصنيف الاستثماري الأكثر أماناً، لكن أسماء أكثر مضاربة في القطاع، مثل شركة الحوسبة السحابية كور ويف (CoreWeave)، دخلت سوق الديون عالية المخاطر.
وترتبط هذه الجهات الأكثر خطورة ارتباطاً وثيقاً ببقية منظومة الذكاء الاصطناعي.
وقال براون من نيوبرغر بيرمان إن انكسار شيء ما في سوق الديون دون التصنيف الاستثماري، سواء ائتمان بعينه أو مركز بيانات محدد، لن يكون في صالح سوق التصنيف الاستثماري.
وأصبح تقييم الانكشاف الإجمالي على كل مقترض أكثر صعوبة مع لجوء عمالقة التكنولوجيا إلى كل زوايا السوق المالية. فقد أصدرت ميتا مثلاً سندات متنوعة عبر ميزانيتها العمومية وعبر كيانات ذات غرض خاص مرتبطة بمشاريع مراكز بيانات فردية.
وقالت مديرة محفظة الدخل الثابت لدى ويلينغتون مانجمنت، لورين موران، إن الناس تجاوزوا حدود التعرض للمصدر الواحد أكثر مما حسبوا، وإن الأمر يتطلب مراقبة دقيقة عبر فئات الأصول لتفادي الوقوع عن غير قصد في زيادة الوزن لاسم واحد.
وفي ظل التزام أموال طائلة برهان أن الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد العالمي لصالح هذه الشركات ومستثمريها، قد يحمل أي تباطؤ في القطاع تبعات مالية ضخمة.
وكتب كبير الاقتصاديين في أبولو (Apollo)، تورستن سلوك، هذا الشهر أن قصة الائتمان في هذه الشركات تقوم على افتراض إجماعي واحد هو أن يتضاعف التدفق النقدي التشغيلي ثلاث مرات من 600 مليار دولار إلى تريليونين.
وحذر من أنه إذا لم يحدث ذلك فإن الخطر أن تضعف صفقة الذكاء الاصطناعي، مع اتساع فروق الائتمان وخفض خطط الإنفاق الرأسمالي، وصولاً إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.
وتحدث مختبرا الذكاء الاصطناعي الرائدان أنثروبيك وأوبن إيه آي بالفعل عن إبطاء التطوير بعدما اخترقت وكلاء ذكاء اصطناعي خارجة عن السيطرة مواقع إلكترونية.
وتتزايد المعارضة الشعبية لمراكز البيانات المتعطشة للطاقة، خصوصاً في أميركا. ولا يزال من غير الواضح على الإطلاق ما ستكون عليه العوائد المالية طويلة الأجل للذكاء الاصطناعي، ولا الشركات التي ستجنيها، وباتت المقارنات شائعة مع الانهيار الذي أعقب طفرة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، وكانت هي الأخرى كثيفة رأس المال وممولة في معظمها بالديون.
ومع تصاعد مخاوف مستثمري الأسهم من ارتباط أسواق الأسهم العالمية ارتباطاً خطيراً بمصير الذكاء الاصطناعي، يتسلل الخطر نفسه إلى سوق السندات، ما ينذر بتداعيات أكبر إذا ظهرت تصدعات.
وقال كبير استراتيجيي الاستثمار لدى فانغارد ، لوكاس باينز، إن السندات الجديدة تتحول أكثر فأكثر إلى مطالبة على دورة الاستثمار نفسها في الذكاء الاصطناعي التي تقود عوائد الأسهم، أي أن الأماكن التي يمكن للمستثمرين الاختباء فيها من العواقب المالية للذكاء الاصطناعي تقل وتتباعد.
