ديون الذكاء الاصطناعي تزاحم الدول الناشئة على أموال المستثمرين
(العربية)-14/10/2026
رفعت طفرة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي حدة المنافسة على رؤوس الأموال العالمية، مع اندفاع شركات التكنولوجيا الكبرى إلى أسواق الدين لجمع مئات المليارات من الدولارات، ما زاد الضغوط على الحكومات في الأسواق الناشئة الساعية إلى إعادة تمويل ديونها.
وأفاد محللو بنك أوف أميركا بأن هذا السباق على التمويل أسهم في رفع تكاليف الاقتراض للدول النامية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً ناجمة عن التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط واستمرار المستويات المرتفعة للفائدة.
وارتفع متوسط العائد على السندات الدولارية للأسواق الناشئة بنحو نقطة مئوية كاملة خلال النصف الثاني من العام، ليبلغ أعلى مستوى له منذ أبريل 2025، ما يزيد صعوبة إعادة تمويل الديون المستحقة على العديد من الحكومات.
وأظهرت بيانات جمعتها “بلومبرغ” أن شركتي “أمازون” و”ألفابت” أصدرتا وحدهما نحو 70 مليار دولار من الديون خلال النصف الثاني من العام، في حين تراجعت إصدارات السندات الدولية للدول الناشئة إلى 45 مليار دولار منذ مطلع يوليو، مقارنة مع 91 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
كما انخفضت إصدارات الدول الناشئة المصنفة عند الدرجة الاستثمارية بنسبة 56% إلى 29 مليار دولار، بينما لم تسجل الأسواق أي إصدارات جديدة خلال أكتوبر حتى الآن.
وقالت استراتيجية الائتمان السيادي لدى “بنك أوف أميركا” لمنطقة أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا، ميرفاي باجا، إن خطر مزاحمة شركات التكنولوجيا العملاقة للدول الناشئة على السيولة “بات حقيقياً”، مشيرة إلى أن ارتفاع العوائد قد يضر بالمقترضين الذين أرجأوا إعادة التمويل انتظاراً لتحسن ظروف السوق.
استحقاقات بمليارات الدولارات
وأظهرت بيانات بلومبرغ أن المقترضين من الدول النامية يواجهون استحقاقات ديون خارجية مقومة بالدولار واليورو بقيمة 27.7 مليار دولار حتى نهاية العام. وتتصدر السعودية القائمة باحتياجات إعادة تمويل تبلغ 5.2 مليار دولار، تليها تركيا بنحو 3 مليارات دولار.
وفي المقابل، تجاوزت إصدارات الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالمياً 445 مليار دولار منذ بداية العام، وسط توقعات بتسارع الوتيرة خلال 2027. وتتوقع بلومبرغ إنتليجنس أن يرتفع اقتراض شركات مراكز البيانات والحوسبة السحابية العملاقة إلى ما يصل إلى 500 مليار دولار العام المقبل.
كما تجري شركة “سبيس إكس” محادثات لجمع 40 مليار دولار لشراء رقائق من إنفيديا، في صفقة قد تتضمن ما يصل إلى 30 مليار دولار من السندات الاستثمارية.
المستثمرون أمام مفاضلة صعبة
وضعت هذه التطورات المستثمرين أمام خيار متزايد الصعوبة بين سندات شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي توفر عوائد جذابة مدعومة بأرباح قوية، وسندات الدول الناشئة التي تعرضت لضغوط بسبب الحرب الأميركية الإيرانية وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية.
وبلغ الهامش الإضافي الذي تمنحه السندات السيادية للأسواق الناشئة فوق نظيرتها الأميركية نحو 1.5 نقطة مئوية فقط في يونيو، أي ما يعادل نصف متوسطه خلال السنوات الخمس الماضية، وفق مؤشر لبلومبرغ.
وأشار رئيس أبحاث الأسواق الناشئة في “فانغارد”، ميكا جيمس، إلى أن الضغوط ظهرت بوضوح على الدول ذات التصنيف الاستثماري المرتفع، لأن المستثمرين يستطيعون بسهولة استبدال ديونها بسندات شركات التكنولوجيا التي تحمل تصنيفات ائتمانية مماثلة.
عصر المال الرخيص يقترب من نهايته
ودفع اتساع العجوزات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب الاحتياجات التمويلية المتزايدة للدول النامية وشركات الذكاء الاصطناعي، المستثمرين إلى مزيد من الانتقائية مع انحسار عصر الفائدة المنخفضة.
ويرى مدير محافظ ديون الأسواق الناشئة لدى “أليانز”، إيوغان ماكدونوغ، أن المنافسة ليست بالضرورة لعبة “رابح وخاسر”، موضحاً أن بعض المستثمرين الأميركيين ما زالوا يلجؤون إلى سندات الدول الناشئة ذات الجودة العالية لتنويع محافظهم بعيداً عن التركيز المفرط على شركات الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، حذر رئيس شركة “كارميناك للاستثمار”، إدوار كارميناك، من أن الحكومات التي تعاني تباطؤ النمو وارتفاع مستويات الدين قد تضطر إلى دفع أسعار فائدة أعلى للحصول على التمويل.
وأضاف: “عندما يصبح المال مكلفاً من جديد، تصبح عملية الاختيار أكثر أهمية”، مشيراً إلى أن الأموال الأكثر ندرة تميل إلى التدفق نحو الشركات ذات آفاق النمو الأعلى، ولا سيما المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، على حساب الحكومات المثقلة بالعجوزات المالية.
